قراءة في رواية نوّار العلت-محمّد علي طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

رواية نوّار العلت للأديب محمّد علي طه هي عن حياة شعبنا وقرانا ومدننا وخلال قراءتي شعرت أنني أعيشها في قريتي ومدينتي. لغة الرواية ساحرة طيّعة وتلقائيّة. سياقاتها تحاكيني وتكشف عن تاريخي كإنسانة عربيّة في هذه البلاد. يتحدّث فصلها الأوّل عن اغتيال فكرة السلام واعتداء البشر على الطبيعة (ص17-16). تتجلّى حكاية أحمد كطالب جامعي يحلم بالحرّيّة فيصبح هذا الحلم "جريمته" ويحلم بالحب والزواج والعمل، فيحبّ ويتزوّج، ويبحث عن عمل، فتتكدّس كل العوائق في طريقه. يتأمّل الحياة بكلّ نواحيها ويطلق العنان للأسئلة التي رافقته منذ ولادته والتي تطرّقت إلى الإيمان، منذ سفينة نوح، وإلى الحبّ ومصاعب الحياة في الحصول على الخبز اليومي فتصل هذه الأسئلة إلى كل آفات مجتمعنا وإلى معاناتنا السياسيّة والاجتماعيّة. يتراوح هذا الفصل بين الأصوات والأوجاع المتعدّدة عند أحمد وعائلته والدولة التي يعيش فيها بكل تناقضاتها ومركِّباتها.

أحمد، بعد أن تخرّج من الجامعة وتزوّج، رفضتْه كل مؤسّسات العمل، بعد أن قضى وقتًا طويلًا يبحث عن وظيفة، ولم يبق له إلّا العمل في أرض عائلته في حقل بطّيخ. اهتمّ بالأرض وطرد منها كل الحيوانات البرّيّة التي هاجمتْها ولم يستطع حماية نفسه من الذين تجنَّوا عليه ولاحقوه، فقط لكونه عربيًّا. في حراسته للأرض في إحدى الليالي شاهد سيّارة توقّفت عند الضفّة الأخرى للوادي والمقابلة لحقله. تفقّد موقع السيّارة في الصباح فصعقه منظر صبيّة مقتولة... فكّر كثيرًا وفي النهاية بلّغ الشرطة. وهنا بدأ مُحرّك الرواية يعمل ليخلق تراجيديا متعدّدة الأبعاد تجتاح حياتنا في هذه البلاد وتدمّر بكلّ أطرافها حياة الفرد والمجتمعيْن والتاريخ. من هنا بدأت الرواية بحكايات التاريخ الوجداني لشعبين يعانيان الحياة المشتركة المفروضة عليهما، والمتضاربة رواياتها، تاريخيًّا وطبقيًّا وعِرقيًّا.

في الفصل الثاني مسلسل تحقيقات وتعذيب مألوف لنا وأصبح جزءً من تاريخنا. وهنا أيضًا تتكرّر مشاهد الظلم والاعتداءات كممارسات يوميّة، وليس كشعارات، وهذا ما يعطي الرواية قوّة ضمنيّة للكشف عن الواقع تحت عقليّة المحتلّ والمضطَهِد وعذاب وصبر المضطَهَد.

تكشف الفصول التالية من 3-6 تعقيدات وتركيبة حياة المواطنين اليهود والمستوطنين الذين تعمي عقولَهم إملاءات الصهيونيّة والمعتقدات الغيبيةالتي تصنعها فتسلب انسانيّتهم وتضع مكانها حقدًا وكراهية وتنكُّرًا للآخر وإبادته. لا يخلو هذا القسم من الرواية من التعقيدات الطبقيّة والعرقيّة التي تنتزع شخصيّاتهم وتبرز عقليات مضطهَدة تتصرّف بدافع تقليد الشرقي للحضارة الغربية مثلما تصرّف الشرطي أوري لكي يتشبّه بأبراهام مديره ويصل إلى رتبته. وهنا أنوّه أن هذه الرواية تخلو من "السياسة"، وتتحدّث عن نكبتنا ومآسينا، أيضًا من خلال منظار الآخر وعقائده وتعامله العنصريّ.

من الفصل السابع حتى الحادي عشر-الأخير، تصف الرواية أحداثًا تعرّي حقيقة الحياة الاجتماعيّة والفرديّة في البلاد، وتتشابك خيوطها بحكمة وتلقائية. يضع الروائي محمّد علي طه مرآة أمام كل الشخصيّات ويدعها تفصح عن ذاتها ومكنوناتها وجدليّة وجودها وتعقيدات التجارب التي تمرّ بها. نرى أنّ الطالبة الجامعيّة يافا تعي المفارقة التي عاشتها كجنديّة مسلّحة على نقاط العبور العسكريّة تخاف من امرأة فلسطينيّة عزلاء. تفهم يافا هذه المفارقة عندما تتصادق مع سمير (أخي أحمد) وتحبّه، وكأنّي بلسان حالها يقول: "على رأس السارق تشتعل القبّعة". وكذلك تفهم من فاطمة أم سمير، ابنة الطنطورة المُبادة، أنّ على هذه الأرض كانت حياة.

التقت يافا بنوّار العلت الذي يشبه عينيها كما وصفتهما أم سمير وبالكمثرى، الثمرة التي شبّهتها بها والدتها، فالتقت طبيعتا العلت والكمثرى، وكان هذا الوصف واقعيًّا جامعًا طبيعيًّا وليس خرافيًّا كما وصفها صاحبها السابق، المستوطن نفتالي، بعبارات من نشيد الإنشاد. هذه المشاهد لوحدها تشكّل بعدًا ضمنيًّا فلسفيًّا في الرواية يدلّ على عمق الشرخ بين العقليّتين عند الشعبين وبين العقليّتين الشرقيّتين والغربيّتين عند الشعب الواحد الذي يتنكّر لوجود الآخر.

عرّت مفَكَّرة يافا كل القشور وتبيّن أنّ المستوطن نفتالي هو الذي قتل يافا، ومن فاز بوسام كشف هويّة القاتل كان الضابط الغربي أبراهام وليس الشرطي الشرقي أوري، وانقلبت الموازين وتعثّر والد يافا الثاكل، ومرّة أخرى، نشرت يافا النور على حياتها وحياتنا في هذه الأرض.

الانتقال التاريخي من باشا إلى مستر إلى أدون ص170 يلقي بظلاله وتداعياته على كل مجريات الرواية. ضحايا كل هؤلاء، جسدًا وروحًا، كانوا من الشعبين. 

لغة الرواية شاعريّة جميلة والنفحات الساخرة التي تتخلّلها تخلق جوًّا خاصًّا بها وحتّى المبالغة بالأوصاف في بعض الأحيان أضفت عليها جمالًا على جمال وهيبة أدبيّة وتاريخيّة.

هذه الرواية وثيقة وجدانية لواقعنا، بكلّ أحداثها وشخصيّاتها، ووصمة وجوديّة على عقليّة العنف والسيطرة ومحو الآخر. تحيّة تقدير للأديب محمد علي طه.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية