المستطرف في تأملات علماء الفيزياء الفلكية

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

جئت إلى عالم الفيزياء الفلكية في ريعان الشباب من خلال كتاب "الفيزياء المسلّية" تأليف السوفييتي ياكوف بيريلمان طباعة دار مير في موسكو في أواخر سبعينات القرن العشرين. كان الكتاب لُقية ثمينة تلك الأيام، حيث وجدتُ نسخة عربية في مكتبة الفجر في شارع بارون في مدينة حلب الشهباء في الشمال الغربي من سورية. دُهشت كغيري من تلك الفيزياء المسلّية، فانفتحت أبواب السماء أمام عيوني، فُتنّتُ بأبعادها غير المتناهية بما تحمل من تأملات في هذا الكون الفسيح.

من المفاهيم الصعبة التي يندر على أي شخص، حتى عالم الفيزياء الفلكية المحترف، استيعابها هي: فكرة أن الكون بدأ بالانفجار العظيم، ولازمت هذا الحدث لاحقة ضرورية هي: تمدد الكون، من أجل أن تستقيم نظرية الانفجار العظيم. يؤكد علماء الفيزياء الفلكية ما يلي: في مسافة بعيدة، عند حدود ما تستطيع أقوى تلسكوباتنا رصده، نرى مجرات تبتعد عنا بسرعة هائلة لدرجة أن الضوء المنبعث من نجومها قد تمدد إلى اثني عشر ضعف طوله الموجي الأصلي. هذه الموجات الضوئية المتمددة هي نتيجة لتمدد الكون، وهي متطابقة تقريبًا، وإن لم تكن متطابقة تمامًا، بالنسبة للمجرات التي نراها في جميع اتجاهات الفضاء. إلى أين يتمدد الفضاء، وهل الفضاء في الأساس قابل لأن يتمدد في الفضاء؟

عندما ننظر إلى الكون، نلاحظ علاقة متسقة بشكل مذهل بين الضوء الذي نقيسه من المجرات ومدى بُعدها. في المتوسط، وكما هو مؤكد في آلاف وآلاف المجرات على مسافات مختلفة، كلما ابتعدت المجرة عنا، زاد انزياح ضوئها نحو الأحمر. لا نلاحظ هذه العلاقة في جميع الاتجاهات فحسب، بل إنها بسيطة بشكل لافت للنظر: السرعة التي نستنتج أن هذه المجرات تتحرك بها تتناسب طرداً مع بعدها المُقاس عنا.

كانت هذه الملاحظة الرئيسية، التي رُصدت لأول مرة في عشرينيات القرن الماضي، هي التي دفعت علماء الكونيات إلى استنتاج أن الكون يتمدد. كلما ابتعد الجسم، زادت سرعة ابتعاده عنا: وهي قاعدة لا تزال سارية حتى الآن على مدى قرن كامل تقريباً. لكن عندما ننظر إلى مستوى دقيق للغاية، نرى اختلافات طفيفة جداً في الاتجاه: ففي اتجاه، تنزاح الأجسام نحو الأحمر بشكل طفيف جدًا أكثر من المتوسط، بينما في الاتجاه المعاكس، تنزاح الأجسام نحو الأزرق بشكل طفيف جدًا أكثر من المتوسط.

إذا كانت الأشياء تسحب بواسطة المادة في الكون، وهذه المادة ليست موزعة بالتساوي، فمن الطبيعي أن كل شيء - المجرات القريبة والبعيدة، وحتى مجرتنا درب التبانة والمجموعة المحلية - سوف يتم دفعه وسحبه بواسطة التأثير الجاذبي لكل شيء يحيط به. مع كون كل شيء في حركة نسبية بفعل قوى الجاذبية المتبادلة، كيف يُمكننا أن نعرف بدقة كيف نتحرك بالنسبة لبقية الكون؟ لحسن الحظ، تُتيح لنا الطبيعة سبيلاً. في جميع اتجاهات الفضاء، يوجد إشعاع بارد جدًا، منخفض الطاقة، ولكنه منتشر في كل مكان: إشعاع الخلفية الكونية الميكروي. تم التنبؤ بهذا لأول مرة في أربعينيات القرن الماضي، حيث أُدرك أنه إذا كان الكون يتمدد اليوم، فلا بد أنه كان أصغر في الماضي. إذا كان الكون المتمدد يمدد الطول الموجي للضوء الذي يمر عبره، فهذا يعني أن "إعادة عقارب الساعة" إلى أزمنة سابقة أشبه بانكماش الكون، وبالتالي ضغط الطول الموجي للضوء الذي يمر عبره.

من الناحية النظرية، السبب الوحيد لتتبع الحركة الظاهرية لجميع المجرات التي تراها إلى نقطة محددة هو إذا كانت جميعها قد انبثقت من انفجار ما. وكما لو انفجرت قنبلة يدوية، يمكنك تتبع مسار الشظايا للعثور على نقطة الانفجار، ويمكنك تتبع حركة جميع المجرات إذا انبثقت هي الأخرى من نقطة انفجار ما. لكن "الانفجار" لا يشبه "التمدد". الانفجار شيء يحدث في الفضاء، والشظايا الناتجة عنه ستنتقل عبره. أما التمدد، فهو شيء يحدث في الفضاء.

أفضل تشبيه أعرفه هو كرة عجين مليئة بالزبيب. العجينة أشبه بالفضاء، والزبيب أشبه بالمجرات داخلها. أنت تعيش كجزء من حبة زبيب، ولا ترى إلا حبات الزبيب الأخرى، لا العجين نفسه. مع تخمير العجين، سيبدو الزبيب القريب منك وكأنه يبتعد عنك بسرعة معينة، ولكن كلما كانت حبة الزبيب أبعد، كلما رأيتها تبتعد عنك أسرع. في مرحلة ما، سترى الزبيب يبتعد عنك بسرعة تفوق سرعة الضوء؛ وهو إنجاز مذهل لا يمكن أن يحدث في سيناريو "الانفجار"، بل في سيناريو "التمدد" فقط.

في الواقع، في سياق النسبية العامة لأينشتاين، من المستحيل وجود كون ممتلئ بالمادة والإشعاع في كل مكان، دون أن يتمدد أو ينكمش. إذا كانت النسبية العامة صحيحة، وكان الكون مليئًا بالمادة والطاقة، فإن الاستنتاج الحتمي، من الناحية النظرية، هو أنه لا يمكن أن يكون ساكناً "استاتيكي". بعبارة أخرى، فإن ملاحظة أن الأجسام تبتعد عنا، وأنه كلما ابتعدت عنا، بدت وكأنها تبتعد أسرع، دليل قوي على تمدد الكون.

في الواقع، ليس للكون مركز، أو من وجهة نظر أخرى، يمكن لكل نقطة في الفضاء، ولكل مراقب في الكون، أن يدّعي وجوده في المركز. وكما قالت عالمة الفيزياء الفلكية كاتي ماك بثقة: الكون يتوسع كما يتوسع عقلك. إنه لا يتوسع إلى أي شيء أنت فقط تصبح أقل كثافة. كيف ذلك؟ فكّر في الأمر.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية