شَريحة مُخْتَلِفة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

صوتٌ عبريّ غير مألوف هاتفني صباحاً: أنا.... من بلدة... في المركز، لديّ بعض الأصدقاء، نودّ زيارتك في موسم التّين إذا سمحتَ لنا!

-على الرّحب والسّعة، مهما كان عددكم، حددنا موعداً في يوم مُعيّن، في ساعات الصباح، هم يحافظون على المواعيد ويحترمونها.

 حضر خمسة أشخاص، لا أعرفهم من قّبْل وعلامات الشّيخوخة بادية على وجوههم، قدّموا أنفسهم فرداً فرداً، كلّهم من نفس البلدة في مركز البلاد، أكّاديميون حتى درجة البروفسور، رحَبْتُ بهم على طريقتنا العربيّة المألوفة، مع تبادل المجاملات وأصول البروتوكولات، قال كبيرهم: نحن أتينا خصّيصا لنقطف الثّمر عن الشجر، فإذا بِك تفاجئنا بالثمر مقطوفاً طازجاً بهجةً للناظرين والزّائرين، قلتُ:

-يُفضّل القطف(ألحواش) باكراً، مع ساعات النّدى ومسابقة العصافير قبل شروق الشّمس

-إتّفقنا على قطف التّين فقط، وهاكَ تُقدّم لنا كذلك العنب والصّبر والخوخ والدرّاق كذلك!

-هذا من فضل ربّي، ومن حواضر البيت، ولم أبْتَعْ شيئاً من الدّكان وتقديراً لحضوركم.

-كيف تباركون قبل تناول الطّعام أو الماء؟

-نُبسمل: بسم الله الرّحمن الرّحيم، سُبحان مَن قسّم الأرزاق ولَم ينسَ مِن فضله أحداً.

-هذا تجديد لطيف بالنّسبة لنا.

-بالمناسبة، نحن أتينا للتضامن معكم كذلك، مُستنكرين العدوان الأرعن على الدروز في السويداء.

-رغم جرائم العدوان على أهلنا هناك: قتل، تشريد، نهب، تكفير، حرق، استباحة المُحرّمات والموبقات كافّة، وسبقته مجازر في السّاحل السّوري، وفي كنيسة مار الياس في دمشق، وهذا استمرار لما حدث في: 7 أكتوبر في غلاف غزّة وفي قطاع غزة، الضّفة الغربية، لبنان وغيرها، وذلك طيلة 683 يوماً متواصلاً، والحبل على الجرّار.

توقّفتُ قليلاً لَعَلِّيَ أرى وقع هذا الكلام على مسامعهم، تبادلوا بينهم نظرات الذّهول والشّرود الذّهني والاستغراب بصمت عميق.

قال أحدهم: لا أستغرب هذه المقارنة والمفارقة، والشّيء بالشّيء يُذكر، ونحن نندمج تماماً في وحشيّة المنطقة.

في هذه الأثناء وبشكل تلقائي قالت لي إحدى كريماتي:

- يابا كَسْر السّفرة جاهز، قلت لهم بالعربيّة: تفضّلوا ع الميسور، وازدانت المائدة المتواضعة بِ: الخبز العربي المليوح السّاخن لِتَوّه، والبخار يتصاعد منه، بعد قلعه عن الصّاج وإلى جانبه الزّيت الأصيل، ألّلبنة، الزّعتر المُتَبّل بِ: السّمّاق، القِضامة المالحة المطحونة، السّمسم، بالإضافة لبعض البهارات الملائمة وسلطة الخضراوات، هكذا ببساطة وتواضع، تشريف بدون تكليف،عَ القادوميّة القادوميّة.

-قال كَهْلهم بفرح وابتسامات عريضة: وأخيراً حظينا بِ (البيتا دروزيت).

-هذا خبز عربيّ مليوح على الصّاج، السُّنّة، الشّيعة، الدّروز والمسيحيون وغيرهم يخبزون نفس الخبز، وهو ليس محصوراً علينا فقط.

-ونحن نعرفه فقط باسم (بيتا دروزيت).

-هذه الأسماء المبتذلة من ابتكاراتكم المُمنهجة لغاية في نفس يعقوب: قوميّة درزيّة، طعام درزي، لغة للدروز، ثقافة للدروز ورياضيّات للدروز والقائمة طويلة جداً.

-ولكن الدروز يختلفون عن العرب!

-بماذا نختلف عنهم؟

- بالقوميّة والعادات والتّقاليد...

-هذا ما لقّنوكم إياه عمداً ومع سبق الإصرار، وأنا استغرب من مثقّفين مثلكم (أهل الكتاب) اجترار هذه الثّقافة المُشوّهة، هاكُم مجموعة من الكتب والمراجع بالعربيّة والعبريّة، لعلّها تُزيل الغشاوة عن عيونكم، ديكوباجُ كُتُب مُشَقْلَبٌ كأوضاع جبل العرب حاليّاً، من اليمين إلى اليسار ومن الأعلى إلى الأسفل:

*قصَة الدّولَتَين: المارونيّة والدّرزيّة/محمد خالد قطميّة 1985.

 *الجنرال يجآل ألون/أو الجنون الدّرزي عنده.

*-آبا حوشي/زَلْمَة حيفا/صادوق إيسِل، 2002،عن محاولة ترحيلنا قبل عام 1948

* الدروز صيرورة التّكوين، شمعون ابيبي2014.

*تاريخ الدّولة الفاطميّة /حسن إبراهيم حسن، طبعة رابعة 1981.

 *الدروز طبق نحاس ونجمة داوود مرقوعة به عمدا/ً شمعون ابيبي/2007، لعلّها تُذَكّركم بشيء ما!

 اسمحوا لي أن أضيف إلى هذه القائمة، المراجع التالية:

*ثورات العرب في القرن العشرين/أمين السّعيد، بدون تاريخ الطباعة.

*الدولة الفاطميّة/محمد علي الصلابي/مكتبة الإيمان/ المنصورة بدون تاريخ.

*الدروز/نسيم دانة/1998.

*دول العرب وعظماء الإسلام/نظم أحمد شوقي 1933.

*/الفاطميّون وتقاليدهم في التّعليم/هاينز هالم/ تعريب سيف الدين القصير/ 1999.

* الدولة الدرزية/ بيجيه سان بيير 1763 /المترجم حافظ أبو مصلح 1967.

* التّطوّرات في نظام الحُكم والإدارة في مصر الفاطميّة/ د، حاتم محمد محاميد 2001.

-يا نمر! أنت تدحض الأكاذيب بالحقائق الدّامغة، وتغيّر لنا كافّة مفاهيمنا وقناعاتنا التي تلقّيناها طيلة عقود خَلَتْ، ونثق بما تقول.

-ولئن شكرتم لأزيدنّكم!

-ومن أين لكَ هذه اللغة العبريّة السّليمة!

-هذا ما علّمتني به الحياة ومن السّوق السّوداء.

-دعنا نعود إلى مُساندة رئيس الحكومة لإخوتكم في جبل الدّروز!

-أوّلاً هذا اسمه جبل العرب أو جبل حوران، وثانياً هذه المساندة الشّكليّة، تأتي من باب مثلكم التّوراتي في كتاب إسْتِر: ليس من محبّة مُرْدخاي بل من عداوة هَمان الرّذيل. وبالنّسبة (لِفزعة) نتنياهو نقول: لا مِن عسله ولا من أسله (لو مِدُبْشو ولو مِعوكْتصو) والّلبيب من الإشارة يفهم!

-أخانا العزيز: إنّكَ تناقشنا من توراتنا، حبّذا لو سَلّطْتَ لنا الأنوار على الأوضاع في سورية!

-نعود إلى تنصيب أبي محمد الجولاني وتلميعه والياً على سوريا، خَبْط لَزْق، فَمَن نَصَّبَهُ وَوَلاّهُ وَقَوْلَبَه هناك! بعد تسفير وترحيل الرئيس بشّار الأسد، وما الذي تَمَخّضَ وتزامن مع ذلك...

-هذا ما نودُّ سماعه منك، فأنت أدرى مِنّا كما استنتجنا من حديثك الشّائق.

-أرجو ألاّ تضعوني في خانة مُحَلِّليكم ومُعلّقيكم للشؤون العربيّة: تْصفي (يخزي كيلي)، إهود يعري، أوهاد حيمو، سْمَدار بيري....، (ضحك الجميع معاً)، أردوغانياهو وسّع احتلاله على طول الحدود المشتركة مع سوريا، وكذلك فعل سيجارياهو توغّل على فيّاله يسرح ويمرح في سوريا، فيما أسماه مَمَرّ داوود، وأمريكا (مُعَلِّمَتُهما) حذت حذوهما على الحدود المشتركة بين سورية والعراق، وتحضرني مقالة للصحافي (جاكي حوجي/صحيفة معريب ومُحلّل للشؤون العربيّة في إذاعة: جَلي تْصاهل): قَبْل أن يدافع نتنياهو عن دروز سوريا، عليه أن يحمي دروز إسرائيل من القوانين العنصريّة المجحفة ضِدّهم، طبقا للمقولة العبريّة: فُقراء مدينتك أجدى بالدّعم (عَنيي عيرخا كودِم)!

-من أين لك هذا الإطّلاع!

-هذا من باب: وَذّكّر إن نفعت الذّكرى!

-قال لي أحدهم: نهديك هذا السّكّين المطبخي الخاص.

تأمّلته وقلت ببراءة: والله لو شاهدوه معي لاتّهموني بالمُخرّب! ضحكوا معاً، وقال أحدهم، لماذا تهربون من الدولة الدرزيّة المقترحة عليكم!

-هذه تُفرض علينا من قِبلكم ليس محبة بنا، بل لتشويه هويّتنا العربيّة، وهاكم بعض الحقائق التي تدحض تطلّعاتكم:

-في عهد الخلافة الفاطميّة، حيث انْبَثَق مذهب التّوحيد، لم يُسَموا ذلك بالخلافة الدرزيّة، رغم أن هذه الخلافة نافست الخلافتين الإسلاميّتَين في بغداد والأندلس، حضاريّاً ثقافيّاً وامتداداً ورُقعة، حتى نهاية عهد الخليفة الحاكم بأمر الله، عام 1021 م.

الأمراء المعنيّون وأشهرهم الأمير فخر الدّين، تولوا السّيادة والإمارة على طول السّاحل الشّرقي لحوض البحر المتوسّط، ولم يُسّمّوا إمارتهم بالدرزيّة!

-الأمير سليم الأطرش عيّنوه والياً على الجبل، وسرعان ما سقطت هذه الدّويلة الهزيلة.

 القائد سلطان باشا الأطرش تأفّف عن قبول القيادة في سوريا بعد الاستقلال.

-الّدّواعش وجبهة النّصرة وخليفتهم الآني هم الذين يمزّقون وحدة الدولة السوريّة...

-قال أحدهم: نسينا موضوع التّين الذي أتينا من أجله، وهذا يتطلّب لقاءً آخر معك!

-على الرحب والسّعة دائماً وأبداً، واسمحوا لي أن أضيف: لقد عرضتُ وشاهدتُ هذا الفيلم عشرات المرّات مع مجموعات عديدة، وأنتم شريحة مُختلفة، تستحق التّقدير، نحن لا نُكفِّر أحداً، ولا نعادي أحداً، ولن نستسلم لمن يعادينا، أيّاً كان، واسمحوا لي أن أؤكّد على مسامعكم أن كبار دُعاة الوطنيّة والوحدة والاستقلال هم من بيننا، ولن نكون بين المطرقة النتنياهيّة والسّندان الجولاني، وكافّة محاولات إقامة هذا الكيان المفبرك أحبطت من قبل المعروفيين أنفسهم، وما يُقال عن حلف الدّم المشترك، ما هو إلاّ حلف مصادرة للأرض، الهويّة والقوميّة، ونحن نُميّز بين شعب إسرائيل وحكومات إسرائيل، وللمعلوميّة فقط: في عهد الخليفة الفاطمي الخامس : العزيز بالله 975 -996 م كان وزير ماليّته: اليهودي يعقوب بن كِلِس، والفعل، كلس، يحمل معنيَين متضادّين: أن يمدح وأن يقدح/ لِشِبِيَح وَ لِنَجِيَح.

وأقتبس شريحة من ديوان شِعر أهرون شبتاي الذي صدر في مطلع هذا الشّهر:

أقَدِّمُ شاياً عنيداً/ بالنّار والدّخان أيضاً/ للسّلطان الذي نام!

-ما هذه الحَتْلَنة ألرّائعة التي تتحفنا بها؟

-هذا مِسْكُ الختام!

  افترقنا بالاحترام والتّقدير المتبادل، بعد أن وضعوا رسالة شكر واحترام، وأعقبوها فيما بعد برسالة إلكترونية تفيض بمشاعر الوُدّ والإنسانيّة، تدلّ على الأصالة والعراقة والاعتراف بالجميل.

**

القرّاء الكرام: دعوني أختم هذا اللقاء بمقطع تهكّمي ساخر من الأديب الرّاحل: إميل حبيبي: الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النّحس المتشائل ص 102 :

 ما هكذا فعل قائدنا أبو ركوة، قبل ألف عام، فلمّا رأى النّاس يؤمنون بأنّ الحاكم بأمر الله يحكم بأمر الله لم يسقط في يده، ولم ينتظر أن يصبح الشّعب مؤهّلاً، بل أقنعهم بأنّه ثائر عليه، وهو أيضاً، بأمر الله. فتلقّب بالثّائر بأمر الله على الحاكم بأمر الله، فَحَيَّد العِزّة بالعزّة. والحاكم أظلم. فتبعه خلق كثير. وكُنّا بينهم.

قلت: وَسِريّ الدّفين؟

قال: فَجِد به.

وها انا فاعل.

 ويضيف أبو سلام في الهامش: أبو ركوة هو الوليد بن هشام بن المغيرة، ثار على الحاكم بأمر الله في مصر (996-1021 م)، ولقّب نفسَه بالثّائر بأمر الله، وَلُقِّبَ بأبي ركوة، لأنّه كان يحمل ركوة ماء لوضوئه على طريقة الصّوفيّة.

 ولي كلمة أخيرة: بانتهاء/اختفاء/ مقتل/ غيبة الخليفة الحاكم بأمر الله 996 م، انتهى العصر الذّهبي للخلافة الفاطميّة، والخلفاء الثَّمانية بَعدهُ الذين خلفوه وخالفوه، لا يمتّون بأيّة صلة لمذهب التوحيد وللموحّدين.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية