"مارغاروش يعود إلى حيفا"- ينتمي هذا العمل إلى أدب الذّاكرة الفلسطينيّة؛ وهو أدب لا يقتصر على استعادة الماضي كواقعةٍ منصرمةٍ، بل يسعى إلى إعادة إنتاجه كهويةٍ ووجود. فالنّكبة ليست حدثًا عابرًا في التّاريخ، بل بنية أنطولوجيّة متجدّدة تُعيد تشكيل الفلسطينيّ ووعيه بالذّات والمكان. ومن هنا تغدو الكتابة فعلَ مقاومةٍ ومشروعًا لإحياء الذّاكرة الجمعيّة التي لا تُستعاد استرجاعًا محايدًا، بل تُعاد صياغتها كخلقٍ دائمٍ. وبذلك يتعامل النّصّ مع النّكبة بوصفها كتابة تمزج الحنين بالوعي، والشّهادة بالخيال، والألم بالسّخرية المرّة، مؤكّدًا أنّ النّكبة حضورٌ متجدّد يُحدّد الهويّة ويصوغ الوجود الفلسطينيّ.
حيفا بوصفها شخصيّة سرديّة
حوّل الكاتب المكان إلى وعاءٍ للذّاكرة، والذّاكرةُ في نصّه بناءٌ متجدّد يتشكّل مع كلّ فعلٍ سردي. إنّها ذاكرةٌ جريحةٌ تحوّل الكارثة الجماعيّة إلى طاقةٍ مؤسِّسةٍ لهويّةٍ جديدةٍ، وتمنح الفقدان معنى يتجاوز الرّثاء إلى البناء. ففي سرديّات المدن المقهورة لا تبقى الذّاكرة وثيقةً جامدةً ولا تسجيلًا موضوعيًّا، بل تنفتح على فضاءاتٍ أرحب، فتتخذ أحيانًا شكل أسطورةٍ، خرافةٍ، طيفٍ أو نكتةٍ سوداء. وهذا ما ينهض به نصّ د. ماجد خمرة، حيث يتقاطع التّاريخ السّياسيّ مع الحكاية الشّعبيّة، وتتحوّل الخرافة، التي كانت أداةً للترهيب، إلى قناعٍ للذّاكرة الجمعيّة.
في هذا العمل، تتجاوز المدينة حدود الفضاء الجغرافيّ لتغدو بطلًا سرديًّا حيًّا، ينهض من بين الأزقّة والشّوارع كساحة الخمرة، وادي الصّليب ووادي النّسناس، لا بوصفها معالمَ عمرانيّةً صامتة، بل علاماتٍ دلاليّةً مشبعةً بالتّاريخ، محمّلةً بجرح الغياب وحضور الهويّة. وهكذا تتحوّل الأمكنة إلى مستودعاتٍ للذّاكرة الجمعيّة، وتُستعاد حيفا في النّصّ كأرشيفٍ أنطولوجيٍّ نابض، يتكلّم فيه الحجر وتفصح المقبرة عن تاريخها. لا يكتفي الكاتب بالاستعادة الوصفيّة، بل يعتمد التّصوير الفنيّ، فيجعل الشّارع شاهدًا، والبيت مسكونًا بالحكاية، والحمّام الشّعبيّ مسرحًا للأسطورة.
وفي قلب هذا المشهد، يظهر مارغاروش بوصفه طيفًا مدينيًّا يتجاوز أصله الفولكلوريّ كجنّيٍّ مُخيف، ليغدو قناعَ المدينة نفسها: ابن الأزقّة والحمّامات، الحاضر لإحياء فسيفساء المكان وأهله وعائلاته وأسواقه. إنّه الوجه الذي يطلّ من بين الطبقات الجماليّة والسّياسيّة للتاريخ، فيجسّد الذّاكرة وهي تكتب سرديّتها المضادّة.
وفي هذا السّياق، لا تُستحضر حيفا بوصفها مكانًا جغرافيًّا فحسب، بل كرقعةٍ زمكانيّةٍ مشحونةٍ بالذّاكرة؛ فأحياؤها، معالمها وبيوتها المهدَّمة، تتحوّل جميعها إلى شواهدَ ناطقةٍ على الوجود العربيّ قبل النّكبة. وهكذا يؤكّد النّصّ أنّ حيفا جزءٌ أصيلٌ من التّكوين الوجوديّ للإنسان: تحمل نكبته وتصوغ ذاكرته، لتغدو شخصيّةً سرديّةً أنطولوجيّةً، وكائنًا وجوديًّا حيًّا يعيد تشكيل هويّة الفلسطينيّ ويثبِّت حضوره في وجه الغياب.
هذا التّلاحم بين الزّمان والمكان يجعل المدينة بطلةً سرديّةً لا تقلّ حضورًا عن الشّخصيّات البشريّة أو الأسطوريّة. المباني التي هُدمت لا تختفي بل تبقى حاضرةً في الذّاكرة كأشباحٍ معلّقة، والرسائل بين الجدّ والحفيد تعمّق هذا الطّابع، إذ يتكلّم الماضي في الحاضر ويواصل الحاضر حمل أثقال الماضي لا كتسلسلٍ خطّيّ، بل كجرحٍ حيٍّ يُعلِّق المكان في طبقات الذّاكرة. من هنا تتحوّل حيفا في النّصّ من جغرافيا محايدة إلى زمكانٍ حيٍّ، تتقاطع فيه الأزقّة والحمّامات والأسواق كطبقاتٍ زمنيّةٍ متراكبةٍ، تذكّر بأنّ الزّمان لم يُلغِ المكان بل علّقه في الذّاكرة بوصفه أثرًا حيًّا.
جدلية الذّاكرة وحوار الأجيال
من أبرز سمات نصّ "مارغاروش يعود إلى حيفا" اعتماده أسلوب الرّسالة بين الجدّ والحفيد، وهي ليست تقنيّة شكليّة فحسب، بل آلية سرديّة ووجوديّة تُحوّل الذّاكرة إلى عهدٍ متجدّدٍ بين الأجيال. فالجدّ، بصفته الشّاهد الأوّل على النّكبة، يكتب بذاكرةٍ حيّةٍ مثقلةٍ بالصّدمة، بينما يتلقّى الحفيد تلك الذّاكرة ليعيد تشكيلها بلغةٍ ووعيٍ جديدين، فيغدو شريكًا في إنتاج المعنى لا مجرّد ناقلٍ له. وهكذا تنبثق الرّسائل كجسرٍ سرديٍّ يربط الماضي بالحاضر، ويحوّل النّصّ إلى شهادةٍ مضاعفةٍ تنقل أثر الجيل الأوّل وتعيد تأويله في وعي الجيل الثّاني، كاشفةً عن آليّة انتقال التّجربة الجريحة من جيلٍ إلى آخر حتى لو لم يعش الأحفاد الحدث نفسه.
وفي هذا الامتداد بين الذّاكرة ووارثها، يتجلّى ما يشير إليه بول ريكور في كتابه "الذّاكرة، التّاريخ، النّسيان" من أنّ التذكّر ليس استعادةً لما مضى، بل هو فعلٌ بنائيّ يعيد تشكيل الماضي مع كلّ ممارسةٍ سرديّةٍ جديدةٍ. وبذلك تغدو الرّسائل فعلَ مقاومةٍ وصياغة هوية، لا مجرّد وسيطٍ لنقل الذّكريات.
السّرد بين الوثيقة والخيال: لغةٌ تُؤرشف وتُقاوم
يتمتّع نصّ "مارغاروش يعود إلى حيفا" بقدرةٍ لافتة على بناء سرديّةٍ تُزاوج بين التّوثيق والتّخييل، وبين السّياسة وجماليّات اللّغة. فالسّياسة حاضرةٌ في كلّ خيطٍ من نسيجها، لكنّها لا تقع في فخّ الخطابة أو التقريريّة؛ إذ تتحوّل إلى جوهرٍ بلاغيٍّ وجماليٍّ تتسرّب من خلاله الرؤية النّقديّة للتاريخ والواقع. وتتجسّد مواجهة الرواية الصهيونيّة التي ادّعت أنّ الفلسطينيّين غادروا بيوتهم طوعًا، في العبارة المفتاحيّة "سقطت حيفا"، التي تتكرّر أربع مرات بوظيفةٍ إيقاعيّةٍ تداوليّة تُفكّك الرّواية الصّهيونيّة وتُثبّت الحقيقة التّاريخيّة عن انتزاع المدينة قسرًا.
تغدو اللّغة في النّصّ أكثر من وسيطٍ سرديّ؛ إنّها كائنٌ أنطولوجيّ يشارك في إنتاج الذّاكرة نفسها. فالحجر والأزقّة والمقابر تُستحضر كشهودٍ أحياء يقفون في وجه المحو الاستعماريّ، ويتحوّل المكان نفسه إلى أرشيفٍ نابضٍ بالحضور. وهكذا تصبح الجماليّات اللّغويّة أداةً للأرشفة الفنيّة، وتغدو الكتابة سلاحًا رمزيًّا في معركة الذّاكرة؛ فتنشأ أرشفة فنيّة موازية للأرشفة التاريخيّة: كتابةٌ تجعل الذّاكرة أكثر حضورًا من الوقائع نفسها.
ومن أبرز هذه الجماليّات اللّعبُ بالمصطلحات: فاستبدال "الاحتلال" بـ"الاستحلال" ليس مجرّد مفارقة لغويّة، بل تفكيكٌ لبنية الهيمنة الأخلاقيّة والسّياسيّة. كذلك يتحوّل مفهوم "الحاضر-الغائب" من توصيفٍ قانونيٍّ إسرائيليّ إلى رمزٍ وجوديٍّ يجسّد مأزق الفلسطينيّ: حاضرٌ في المكان وغائبٌ في الاعتراف. بهذه السّخرية السّوداء يعرّي النّصّ هشاشة الخطاب القانونيّ والسّياسيّ الذي شرعن السّلب والاقتلاع.
وعليه، تصبح اللّغة ميدانًا للمقاومة؛ إذ يتحوّل التلاعب بالمفردات إلى تفكيكٍ لخطاب السلطة وإعادة بناءٍ لسرديّةٍ بديلة. ويتقاطع هذا النّمط من الكتابة مع ما طرحه إدوارد سعيد في كتابه "الثّقافة والإمبريالية" عبر منهج القراءة المتناظِرة؛ الذي يهدف إلى استعادة الأصوات المهمّشة في مواجهة الرواية الإمبرياليّة المهيمنة، وكشف ما حاول الخطاب الاستعماريّ إخفاءه أو تهميشه. وهكذا يغدو "مارغاروش يعود إلى حيفا" نصًّا يواجه الاستعمار لا بالسّلاح ولا بالشّعارات، بل بزعزعة لغته وإبداع خطابٍ مغاير يردّ على مركزية السّرديّة المهيمنة. وبذلك تتداخل السّياسة بالجمال، ويغدو الأدب ساحةً موازية للتاريخ.
وممّا يعمّق هذا الاشتباك بين السّياسة والجمال أنّ السّرد نفسه يُبنى عبر حركةٍ واعية تتدرّج من الوثيقة إلى الخيال؛ فقصة "مارغاروش" (ص 75)، على سبيل المثال، تبدأ بسؤالٍ عن التّراث الحيفاويّ ثمّ تنتقل من وصف الأحياء والعائلات والمعالم، قبل النّكبة، إلى الدخول في الأسطورة الشّعبيّة لمارغاروش. هذا الانتقال من التوثيق الواقعي إلى الأسطورة الشّعبية يجسّد الكتابة على تخوم الأرشيف والأسطورة، حيث يتجاور التاريخيّ والمتخيّل في نسيجٍ واحدٍ.
وتتجلّى قوّة هذا النّسيج في دمج الواقعيّ بالرمزيّ؛ فذِكرُ الأماكن: ساحة الخمرة، وادي النّسناس، وادي الصّليب، البلد التحتا، بوابة الدّير، الحليصة، ساحة البرج وغيرها، واستدعاء المعالم العمرانيّة، نحو: حمّام الباشا، جامع الجرينة، الأقواس، الشّبابيك، الكنائس والمساجد، إضافةً إلى استحضار الأسماء التي شكّلت ذاكرة المدينة، منها: رشيد الحاج إبراهيم، عبد الرحمن حاج، حنّا نقارة، نجيب نصّار، عزّ الدّين القسّام، أبو سلمى، جميل البحري، المطران حجار، إميل حبيبي، إميل توما، حنا أبو حنا، صليبا خميس، شفيق وجورج طوبي وديب عابدي - لا يأتي بوصفه خلفيّة محايدة، بل يتحوّل إلى أرشيفٍ سرديّ مضادٍّ يواجه الأرشفة الاستعماريّة التي سعَتْ إلى محو الوجود العربي. إنّها واقعيّة مقاوِمة يصبح فيها ذِكرُ الاسم فعلَ بقاءٍ وتثبيتًا للمدينة في ذاكرتها الحيّة.
وهكذا يتحوّل التوثيق تخييلاً والتّخييل أرشفةً جماليّة، ليغدو النّصّ جسرًا بين التّاريخيّ والرّمزيّ، مؤكدًا أنّ الذّاكرة الفلسطينيّة ليست إعادة تدوين لما مضى، بل فعلًا مستمرًّا لمواجهة النّسيان.
ويميل الأسلوب إلى نبرةٍ حكواتيّة شعبيّة مفعمة بالتعليق والمبالغة والسّخرية، مستعيدًا أجواء الحمّامات والأزقّة وجلسات الجدّات اللواتي ينسجن الحكايات في فضاءٍ شفويٍّ جماعيّ. وتمنح اللّغة الكرنفاليّة النّصّ حيويّته، وتعيد إنتاج الذّاكرة بوسيطٍ حيّ يواجه الحاضر ويؤسّس للمستقبل.
كذلك، تبرز إحدى أهمّ البنى الفنّيّة في النّصّ وهي المزاوجة بين المأساة والمهزلة؛ فالكوميديا السّوداء، بما تحمله من طاقةٍ مفارقة، تُعيد تشكيل الألم في صورةٍ قابلةٍ للضحك والتهكّم، فتكسر خطاب الضّحيّة، وتحوّل المأساة إلى طاقةٍ مقاوِمة. وهكذا، يغدو مارغاروش نفسه كوميديا مأساويّة: جنيًّا مخيفًا ومضحكًا في آنٍ واحد، طيفًا يُرعب ويُضحك، ورمزًا يذكّر بأنّ الفلسطينيّ قادرٌ على تحويل رعب النّكبة إلى ضحكةٍ صلبةٍ تُثبِت أنَّ الذّاكرة فعلٌ حيٌّ على البقاء.
بهذا البناء المركّب، تتوحّد عناصر اللّغة والسّخرية والأرشفة والتّخييل في سرديّةٍ واحدةٍ تُعيد للمدينة صوتها، وللذّاكرة قوّتها، وللمكان حضوره المتجدِّد.
الوعي الطبقي والجدليّة السّرديّة
تكشف نصوص "مارغاروش يعود إلى حيفا" عن بُنية اجتماعيّة- طبقية تتشكّل من قلب الحياة الحيفاوية نفسها؛ فالسّرد لا ينبع من الوثيقة الرسميّة أو الأرشيف البيروقراطي، بل من الأزقّة والحمّامات والأسواق والبيوت التي اختزَنَت ذاكرة العمّال والكادحين. مارغاروش ليس أسطورةً نخبويّة بل ابن الحيّ الشّعبيّ: كائنٌ خرج من لغة النّاس وضحكهم اليوميّ، ومن التّجربة التي ظلّت هامشيّة في الرواية الرسميّة لكنّها بقيت فاعلة في تكوين المدينة. وهكذا يتحوّل الأدب الشّعبيّ إلى وعيٍ جدليّ يكشف ما تراكم تحت سطح الحكاية، ويعيد إسناد الذّاكرة إلى أصحابها الحقيقيّين: الجماعة الشّعبيّة التي حملَت المدينة في ذاكرتها وصاغت هوية المكان وواجهت محوها بالسّرد والحلم والخيال.
ومن هذا المنظور تتبلور فكرة الأرشفة القاعديّة: أرشفةٌ تنطلق من التّجربة الحيّة للنّاس ومن أصوات الهامش، لا من السّرديّات الفوقيّة أو خطابات السّلطة. شخصياتٌ تبدو عابرة أو هامشيّة، مثل فاطمة الزعرة وأمّ ضريطة ومارغاروش نفسه، تتقدّم لتغدو حاملةً لذاكرةٍ بديلةٍ. وهكذا ينهض النّصّ كأرشيفٍ سرديٍّ مضادٍّ يواجه الأرشفة الاستعماريّة التي تطمس أسماء الأحياء والعائلات.
وفي هذا السّياق يتجلّى البُعد الماركسي للنّصّ: فحيفا ليست جغرافيا محايدة، بل علاقة إنتاج تشكّلت عبر جهدٍ اجتماعيّ تراكَم في الأسواق والحمّامات والأزقّة والبيوت. وحين وقعت النّكبة لم تُصادر الأملاك فحسب، بل سُلب أيضًا فائض القيمة الماديّ والرمزيّ الذي راكمه العمّال عبر عقود؛ فغدت المدينة أرشيفًا طبقيًّا صادره الاستعمار. كلّ حجر وشرفة هو أثر لعمل أجيالٍ من النّاس، وكلّ بيتٍ مصادَر هو شكلٌ من أشكال الاغتراب، يتجلّى في انفصال الإنسان عمّا صنعته يداه وما شكّل ذاكرته.
حين يصف الكاتب الأسواق والحمّامات أو يتحدّث عن مصادرة البيوت وتحويلها إلى ملكيّاتٍ مؤسسيّة، فهو لا يرسم المشهد فحسب، بل يعيد بناء العلاقة بين الملكيّة والمحو، بين العمل والفراغ وبين الإنتاج والنّهب. يُظهر النّصّ الواقع بصفائه القاسي لكنّه ينحاز، في الوقت نفسه، إلى الإنسان الذي ينتمي إلى الجماعة الشّعبيّة، أولئك الذين أعادوا إنتاج الذّاكرة رغم كلّ أشكال المصادرة. ومن هنا، يستدعي النّصّ ما يُعرف في النّقد الماركسي بالواقعيّة النّقديّة، أي كشف العلاقات الاجتماعيّة وآليّات القمع الطبقي خلف المشهد الظاهر.
ويتّسع هذا الأفق ليشمل البنية الجدليّة التي تحكم النّصّ، حيث يُعاد التّاريخ بوصفه صراعًا متواصلاً بين المأساة والمهزلة، الحضور والغياب، القهر والضّحك. فالمأساة تتجلّى في هدم البيوت ومصادرة الأملاك وتشريد النّاس، بينما تنفجر المهزلة في قلب الحكاية حين تُهزم شخصيّة أسطوريّة كمارغاروش على يد امرأة من عامّة النّاس، أمّ ضريطة، بلا سحر ولا قوّة أو سلاح، بل بحيلةٍ جسديّةٍ ساخرةٍ وفِعلةٍ كرنفاليّةٍ جريئة [جاء في الكتاب: "فشمّرت عن فستانها النيلي وخلعت سروالها الداخلي وأدارت مؤخرتها له… ثم ضرطت فصًّا مريبًا ناشفًا وحاد الصوت "فتزعفل مارغاروش بأربعته" ومات" (ص 80)].
هذه اللّحظة الكرنفاليّة، التي يمكن قراءتها في ضوء ما يطرحه ميخائيل باختين عن ثقافة السّخريّة الشّعبيّة والضّحك الاحتفالي (في كتابه عن أعمال رابليه وعالمه)، تُسقط هالة الخوف ويتحوّل الجسدُ الشّعبيّ إلى أداةٍ لفضح الهيمنة؛ فتفقد الأسطورة رهبتها وتعود السّيادة الرّمزيّة إلى النّاس. وبذلك، يتحوّل الضّحك، بوصفه كوميديا سوداء، إلى سلاحٍ رمزيٍّ يقلب الرّعب تهكّمًا، ويعرّي سلطة القمع بلغة الشّعب وآليّات خياله.
يقوم النّصّ على تناقضاتٍ عدّة: الخوف/الضّحك، الماضي/الحاضر، الحضور/الغياب؛ تتجاور جميعها كحركةٍ جدليّةٍ حيّةٍ ترى في الصّراع محرّكًا للتاريخ لا نهايته. فالنّصّ لا يبحث عن خلاصٍ نهائيٍّ، بل عن استمرار الوعي عبر المفارقة. مارغاروش ذاته يجسّد هذه الجدليّة: كائنٌ "منكوب ابن منكوب"، ضحيّةٌ وشاهد، مرعبٌ ومضحك، منهزمٌ ومنتصِر في آن. وفي رمزيّته تتقاطع المفارقات بين الألم والمقاومة، فيغدو الضّحك فعلَ بقاءٍ والمفارقةُ أداةَ وعيٍ بالواقع. وتندرج ثيمة الجدّ والحفيد ضمن هذا المنطق الجدليّ كذلك؛ فالتاريخ لا يُورَّث كذاكرةٍ ساكنةٍ بل كوعيٍ متجدّدٍ ينتقل من جيلٍ إلى آخر. الجدّ يورّث التجربة، والحفيد يعيد كتابة المعنى في لغةٍ جديدة. وهكذا يصبح الحاضر امتدادًا للوعي القديم في شكلٍ متحوّل، ويُعاد إنتاج المقاومة في كلّ زمنٍ بصيغٍ رمزيّةٍ مختلفة.
مارغاروش: من الخرافة إلى الرّمز
لا يظهر مارغاروش بوصفه كائنًا فولكلوريًا خرج من ظلمات الماضي، بل بوصفه تجسيدًا رمزيًا يتجاوز حدود الحكاية إلى فضاءات الفلسفة والتّاريخ والذّاكرة. إنّه الوجه المزدوج للمدينة: طيفٌ وُلد من رحم الصّدمة الجماعيّة ليعود كمرآةٍ تعكس ملامح النّكبة وتفكّك السّردية الاستعماريّة التي حاولت طمس الوجود الفلسطينيّ.
ينبثق الجنيّ مارغاروش من قلب المخيال الشّعبيّ الحيفاوي، من الأزقّة والحمّامات والبيوت القديمة التي صاغت وجدان المدينة، ويتحوّل إلى استعارة للوجود الفلسطيني نفسه: "منكوب ابن منكوب"، حاضرٌ في المكان وغائبٌ في الاعتراف، ساكنٌ بيته ومنفيٌّ عنه قانونًا، كائنٌ معلّق بين الحضور والغياب. فالجانّ الذي خرج من الحمّام ليخيف النّاس، هو نفسه الذي يعود من بحر حيفا بعد موته ليذكّرهم بأنّ الجانّ وحده لا يُمنع من العودة. إنّه قناع المدينة المنكوبة التي لم تمت بل تحوّلت إلى طيفٍ مقيمٍ في الذّاكرة.
وإذا بدت الخرافة في ظاهرها سردًا غرائبيًّا، فإنَّها تكشف في عمقها عن البنية الاجتماعيّة والسّياسيّة للمجتمع. فمارغاروش ليس بطلاً ولا مقاتلًا أسطوريًّا، بل ابن الأحياء الشّعبيّة: حمّام الباشا، حارة الكنائس، البلد التحتا وغيرها. إنّه "جنيّ الشّعب"، حاملُ الذّاكرة الشّفويّة وراوي الحكاية حين تسقط اللّغة الرسميّة تحت ثقل الخطاب الاستعماريّ. وبهذا يتحوّل النّصّ إلى ما يشبه الأرشفة القاعديّة التي تستعيد التاريخ من أصوات العامّة لا من سجلات السّلطة.
ويتعمّق الرمز ليأخذ بعدًا وجوديًّا؛ فالسؤال ليس مَن هو مارغاروش؟ بل ما الذي يبقيه حاضرًا؟ الخوف؟ أم الذّاكرة؟ أم حاجة الجماعة إلى طيف يحرس تاريخها المتشظّي؟! إنّ استدعاء الجنيّ هنا ليس استدعاءً للماورائيّات، بل هو استحضارٌ للذّاكرة نفسها في مواجهة النّسيان. إنّه الطيف الذي لا يغيب بل يؤجَّل حضوره، وينهض كلّما استُدعيت الحكاية شاهدًا على أنّ المدن لا تموت ما دامت تُروى.
يبلغ هذا البعد ذروته في قصة "رسالة إلى العبرانيين" حيث يتحوّل الجنيّ إلى صوتٍ موجَّه مباشرةً نحو المستعمِر، كأنّ اللّغة البشريّة لم تعد قادرة على قول الفجيعة، فاستنجدَت الجماعة بالخيال. وهكذا يصبح مارغاروش لسان الذّاكرة المستحيلة، صوت الذين عجزوا عن الكلام.
وفي تلك القفلة السّاخرة حين يُقترَح إقامة نصب تذكاري للجنيّ (مارغاروش) يُكتب عليه: "رحمك أشمداي يا مارغاروش، ورحم الله أمواتنا" (ص 82)، تنقلب القيم رأسًا على عقب: فالجنيّ يُستعاد كحارسٍ للذاكرة، ويُكرَّم كشاهدٍ على الفقد. إنّها نهاية تراجيديّة–كوميديّة تلخّص فلسفة الكتاب: أنّ الخيال نفسه يصبح شكلاً من أشكال المقاومة.
هكذا يغدو مارغاروش استعارةً كبرى للذاكرة الفلسطينيّة: كائنًا يتحدّى الفناء، ويحوّل الأسطورة إلى قوةٍ مضادّة للنسيان، والضّحك إلى لغةٍ للنجاة. إنّه الدّليل على أنّ ما سُرق من الحجر يُستعاد في الحكاية، وأنّ المدينة ما زالت تنهض في السّرد. ففي حيفا، كما في الوعي الفلسطيني، لا يموت الأبطال حتى أولئك الذين لا وجود لهم. مارغاروش هو آخر وجوه الحكاية، وأوّل وجوه الذّاكرة: الشّاهد والضّحكة، الضّحية والرّمز، والطيف الذي يُبقي المدينة حيّة لأنّها ما زالت تُروى.
خاتمة
إنَّ "مارغاروش يعود إلى حيفا" لا يعيد إنتاج الحكاية الشّعبيّة ولا يكتفي بالتّوثيق التّاريخي، بل ينهض بمهمّةٍ أعمق: صياغة فلسفةٍ للذّاكرة والمكان. يكتب حيفا بوصفها كائنًا حيًّا يتكلّم بلغته الخاصّة، وتتحوّل أحياؤها ومعالمها وأسماؤها إلى شخصيّاتٍ سرديّةٍ تُجسّد جرح المدينة وطاقتها على البقاء. أمّا مارغاروش، الخارج من تخييل الأزقّة والحمّامات، فيغدو استعارةً كبرى للنكبة المستمرّة، وقناعًا رمزيًّا يعيد للمدينة حضورها في وجه المحو.
بهذا المعنى، يقدّم النّصّ نموذجًا لما يمكن تسميّته بالأرشفة الأدبيّة المقاوِمة؛ حيث تتشابك الواقعيّة بالتخييل، والسّياسة بالسّخرية، والفقد بالضّحك، ليؤكّد أنّ الذّاكرة ليست تسجيلًا لما مضى، بل فعلًا متجدّدًا يُعيد بناء الوعي ويؤسّس للمستقبل. إنّ السّرد هنا لا يستعيد المدينة فحسب، بل يعيد اختراعها في اللّغة، فيحوّل الحكاية الشّعبيّة إلى معرفةٍ، والضّحك إلى أداة تفكيك، والأسطورة إلى خطابٍ يكشف ما أخفته الرواية المهيمنة.
ويتّسع أفق النّصّ ليشكّل شبكةً فكريةً متعدّدة الطبقات: واقعيّة تميل إلى المهمّشين وتُبرز أثرهم، جدليّة تجمع بين الأضداد، زمكانيّة تُثبّت المكان في الزّمن، وفلسفة رمزيّة تُسائل معنى الوجود بعد الخراب. وهكذا يتداخل الاجتماعيّ بالأسطوري والأنطولوجي بالسّياسيّ، ليصبح النّصّ فضاءً لإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني من داخل اللّغة.
مارغاروش ليس مجرّد جنيّ من مرويّات الماضي، بل طيفٌ بلاغيّ يُجسّد الذّاكرة نفسها. وهكذا تتحوّل الكتابة إلى جدارٍ ضدّ النسيان، وإلى فعل بقاءٍ يعيد لحيفا جذورها في كلّ مرّة تُكتب فيها قصّتها. إنّها عودة المدينة عبر السّرد، وعودة الذّاكرة عبر الحكاية؛ عودةٌ تقول إنّ ما يسقط في الجغرافيا ينهض في اللّغة، فما دام في اللّغة ظلٌّ للمدينة فلن تنطفئ ذاكرتها.
نص الكلمة التي ألقتها الكاتبة في أمسية إشهار كتاب د. ماجد خمرة، "مارغاروش يعود الى حيفا"، الخميس الماضي، في نادي حيفا الثقافي
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

