أما زلتُ حبيبَ الأمس والغد؟!

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

جالسٌ وحدي، وحولي سور شاحب مِنَ الأحزان، سمعتُ صوتًا غريبًا يخرُج من بِئر الذِّكريات، يُحدّثني عن فتاة غائبة عن بالي... فجأة جاءني اتصال من رقم غريب، لم يُعَرِّفه الكاشف، ملقية عليّ التَّحيَّة، وقالت: "لا شك أنَّكَ تتذكّرني، حينها تبادلنا النظرات من منظارٍ بَعيِد، أيّام دراستنا الجامعيَّة"، فأجبتُها: "تذكَّرتكِ، لكن معرفتي بكِ بَقِيَت سطحيَّة، مُتباعدة الأطراف، لم تُبنَ أبدًا لمسافة أبعد من تلك الزَّمالة القصيرة التي تقاسمناها".     

بعد قليل قالت: "لقد جعلتكَ عِملة حبّي الوحيدة، المطبوع عليها صورتكَ، قاطعتها قائلًا: "على مهلكِ قليلًا، لا أستحق منكِ كل هذا التعظيم المُبالغ به"، ولكنها رفضَت سماعي متابعةً: "تداولتُ عِملتي في أسواق الانتظار، الشَّوق والاحتمال، واثقة أنّي على موعدٍ قريب معكَ، ولن تَرُدَّ حاجتي للتقرُّب منكَ، فأنتَ إنسان نادر بانفتاحكَ، تستطيع استقبالي في أي وقت. حسب تقديري الشَّخصيّ، لقد كانت تضحيتي أحاديّة غير متبادلة، في سبيل كسب حفنة من مشاعركَ المكتومة، منذ أن التقينا في الفصل الدِّراسيِّ الأوَّل ".

وتابَعَت: "أعلم هفوتي جيِّدًا، فإنها منعتني من السير نحوكَ، لنبدأ علاقتنا بالشَّكل الصَّحيح، التي من المفروض أن تكون عبارة عن تشكيلة رائعة من الآراء المتبادَلة بصراحة، بدون أي فرضيّات مُـسْبَقَة، فدعنا نتعالى على هفوتي، كي نُكْمِل ما لم نُنْجِزهُ، لنبدأ عملية تَخَطِّي الماضي، مُجْتَمِعَين في مكان، يُأَمِّن لنا فُرصة حقيقيَّة، لإحياء علاقةٍ مَيْتَة إحساسًا".

جَمَعَ لساني الحروف المرتبكة، وقذفها إلى شفتيَّ لتقولَ لها: "لم نبلور معًا أي تصوُّر عشقي يجمعنا، لكي نُكمل اليوم ما أنجزناه!، ثُمَّ أما زلتُ حبيبكِ منذ ذلك الوقت؟! هذه تضحية كبيرة منكِ، في سبيل حبٍّ لم يكُن واردًا بالحسبان، ولم نطرحه أبدًا على طاولة التَّداوُل، بل وَضَعْناه جانبًا... لدرجة أنّنا لم نسِد فراغ احتياجنا لمثل هذه العلاقة، بل تركنا الاغتراب يسد مكانها، لم نَكتُبْ لها عقد النّجاح، على أوراق الحب الرَّسميَّة، وفتاة مثلكِ لا بدَّ أنَّكِ حصلتِ على دعوة شخصيَّة للحب منذ زمن بعيد!!، ولستِ بحاجتي" قطعَت الاتّصال، يبدو أنّها استاءت من ردِّي الصَّريح والصّادم بشدَّة.

قلتُ في استراحة الصَّمت مع نفسي، لماذا أيْقَظَتْني في توقيت يسير قُدُمًا، لم يتوقّف عند محطّات ماضيَة؟!، كل ما أذكُره من هذه العلاقة أنّها طلَبَتْ أن تتصوَّر معي "صورة سِلْفي" عفويَّة، بلا تكهُّنات غير لازمة، بهاتفي الخليوي، أثناء تواجدنا في حَرَم الجامعة... لم أستوعب حركتها حينها، ولم أتخيَّل بالمرَّة أنّها كانت تنظُرُ إليّ بعَين الحبيب المستقبلي، لذا بدأتْ تُهيِّئ نفسها لتَقَبُّلي لاحقًا! لم أمحُ الصُّورة التي جَمَعَتني بها، بل احتَفظتُ بها، فقط لأنّها تُذَكِّرني بأيّام الدِّراسة، وليس لأكثر من ذلك.

تَعْتَبِر نفسها خطَّ النَّصيب الذي انطَلَقَ منه الشُّبّان بهمَّة، على أمل أن يحالف الحظ أحدهم، ليبدأ معها حياة جديدة، ومع ذلك لم تُتِح لهم مخاطبتها بصدق، كانت تزدري توجُّههم اللاهث والاستغلالي لجمالها، لذلك جعلتهم يهربون كاللصوص من الباب الخلفي لحاضرها، دون أن ينتبه لهم أحد... هؤلاء المتقدِّمين، لم تُدرَج أسماءهم ضمن القائمة المُفَضَّلة لديها، لذلك كانوا خارج سرب أمنياتها!!  

الآن تعتقد بعد مرور هذه السِّنين، بأنّني سأتبنّى مساعدتها، لأتوِّجها بتاج السّعادة المرصَّع بلآلئ فرحها، لتُصبح فجأةً ملكة غلاف حياتي، عشوائيًّا... بدون ترتيب مُسبَق؟!!، فهذا الأمر لن ينطلي عليّ، لأنّها بنظري تَتْبَع لحُب الأمس العَويص. الآن قَدَرُها أن تَعيش على حُلم غدٍ شَرِهٍ، لن تُشْبِعهُ كل وَجَبات المستقبل التي ستقدِّمها له مجّانًا، إلّا إذا قَبِلْتُ أن أكُون حبيب أمسها وغدها، إرضاءً لآمالها.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية