الزنجي في المخيلة البصرية الأوروبية – لعبة الغياب والحضور
لا يعكس حضور الآخر الزنجي في الفن الأوروبي واقعًا ديموغرافيًا معيشًا بقدر ما يعبّر عن منظومة رمزية تُنتج وتُعيد إنتاج الهوية الأوروبية البيضاء. فبعيدًا عن كونه تسجيلًا بصريًا محايدًا، يشكّل هذا الحضور تمثيلًا أيديولوجيًا يخدم بناء سلطة طبقية وعرقية، تُرسّخ مراكز السيطرة وتُعيد توزيع المواقع في الهرمية الاجتماعية والثقافية الكونية. فـ"الزنجي" في هذا السياق لا يُمثل بالضرورة فردًا بعينه، بقدر ما يجسّد تمثيلًا حمّالًا لدلالات ثقافية، عرقية، دينية، أو سياسية. فيتم ادراجه ضمن خطاب بصري يُعيد إنتاج التصورات الأوروبية عن الذات والآخر. يتطلب الأمر تفكيك علاقة معقدة بين الصورة والسلطة، بين من يرسم ومن يُرسم، ولماذا. لم يكن استدعاء "الآخر" الزنجي في اللوحة الأوروبية استدعاءً منزها او بريئًا، بل جاء غالبًا في سياقات تُرسّخ تفوقًا عرقيًا أو دينيًا أو طبقيًا، وتُسهم في تثبيت بنى السيطرة في المجتمعات الأوروبية وأسطرتها. فالفن لا يعكس فقط، بل يُنتج – يخلق سرديات حول العالم، ويعيد تشكيل الهوية الأوروبية من خلال ما يقصي أو يشوّه أو يُهمّش.
سنقوم في هذه السلسلة من المقالات بتحليل وتفكيك تمثلات الزنجي عبر لوحات مختارة من عصور مختلفة، من العصور الوسطى إلى الحداثة، سعيًا لفهم كيف تحوّل هذا الحضور الرمزي من التبعية والغرابة إلى أدوات نقدية استعملها فنانون لاحقون لإعادة مُساءلة الخطاب البصري السائد.
من أقدم تمثلات الزنجي في الفن الأوروبي يبرز حضور الملك المجوسي الزنجي، الذي يظهر في مشاهد تمجيد الطفل يسوع منذ أواخر العصور الوسطى، ويتكرّس في عصر النهضة بوصفه أحد الحكماء الثلاثة الذين جاؤوا لتقديم الهدايا إلى المسيح الطفل الوليد. هذا الحضور لا يعكس واقعًا ديموغرافيًا أو معرفيًا بالآخر الأفريقي بقدر ما يشكّل تمثيلًا رمزيًا لصلاحية المسيحية، ديانة كونية عالمية ذات رسالة دينية شمولية ولتأكيد مركزية الكنيسة في روما. لكن تصوير "بالتازار" – الملك الزنجي – غالبًا ما كان مشحونًا بعناصر غرائبية وسمات تُميزه وتُبعده عن مركز السرد البصري، مثل لباسه الغريب، موقعه في اللوحة، أو نظراته المشبعة بإجلال مفرط. هذا التمثيل يصوغ الزنجي بوصفه تابعًا رمزيًا لحكمة بيضاء، ويدشن تقليدًا طويلًا لصورة الآخر "الخاضع" في الفن الأوروبي.
وتستند مشاهد وتصاوير القصة على ما جاء في إنجيل متى (2:11) «وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا ثُمَّ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى هِيرُودُسَ، انْصَرَفُوا فِي طَرِيق أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ..»
تزخر الخزانة الفنية الأوروبية برسومات تكرر تصوير هذه الرحلة التي يقوم بها الملوك الثلاثة، الذين يمثل كل واحد منهم قارة؛ آسيا أفريقيا وأوروبا (إذ أن سائر القارات لم تكن معروفة عند نشوء الرواية). تشكل شخصية بالتازار، الملك المجوسي الزنجي، إحدى أقدم وأهم الصور الثابتة للشخص الزنجي في الفن الأوروبي، وقد شهدت تحولًا تدريجيًا ومعقدًا من العصور الوسطى حتى أوائل العصر الحديث. يُعرف الملوك المجوس الثلاثة الذين أتوا من الشرق لتكريم الطفل يسوع وتقديم الهدايا بهذه الأسماء ملكيور المسن الأبيض ويمثل أوروبا وكاسبر رجل في منتصف العمر، ويمثل آسيا وبالتازار الشاب، أسود البشرة، ويمثل أفريقيا. إن الهوية الدقيقة لهؤلاء الثلاثة لم تكن موجودة دائمًا بل هي اختراع تدريجي تطور في القرون الوسطى، وتبلور تمامًا في الفن الغربي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، متأثرًا بالتوسّع الأوروبي والاكتشافات الجغرافية وظهور الوعي بالقارات الثلاث.
يظهر بالتازار في بدايات هذه التصاوير غالبًا كملك شرقي، أحيانًا ببشرة زيتونية أو سمراء، لكن ليس ببشرة سوداء واضحة يرتدي زيًا فارسيًا أو مغاربيًا كرمز للشرق وللغنى وليس للعِرق، تحديدا. ويحضر للتأكيد على "شمولية" الخلاص المسيحي – أي أن المسيح أتى لكل الشعوب، وليس فقط لليهود أو الرومان. لاحقا وبدءًا من منتصف القرن الخامس عشر، خصوصًا في شمال أوروبا (البلدان المنخفضة وألمانيا)، يبدأ بالتازار بالظهور ببشرة سوداء داكنة بملامح أفريقية واضحة ويرتدي ملابس غنية مزخرفة. غالبًا ما يُصور واقفا وفي الخلف أو على الجهة اليمنى، وينظر أحيانا بإجلال إلى الطفل يسوع، أو يقدم هدية ذهبية أو طيبًا. وجوده الآن لم يعُد رمزًا لشمولية المسيحية فحسب، بل أيضًا تأكيد على تراتبية العالم: أوروبا في المركز، وآسيا وإفريقيا في الأطراف. تم تصويره كـ"الآخر الخاضع"، لكنه خاضع "جيد"،
أنه يخضع لسلطة الطفل الإلهي الأبيض.
في نسخة دورير لسردية رحلة الملوك الثلاثة، يُموضع بالتازار الملك الزنجي في منتصف الشق الأيمن للوحة، معزولا إلى حد ما، انتمائه ليس كاملا بعد للسردية الدينية، يبدو وكأنه قد انضم متأخرا الى رَكبِها. إنه قطب بصري يقود النظر منفصلا عن كتلة الشخصيات البيضاء كرمز لخارجيته، أنه الآخر متجسدا. يبقى الزنجي رغم أنه ملك ورغم الأخوة في الديانة، خارجيا الى حد ما وهو يحضر هنا لتأكيد شمولية العقيدة، لكنها شمولية مشروطة بدونية الآخر ومركزية الأبيض الأوروبي. (للملاحظة خارج السياق؛ يرسم الفنان نفسه في هيئة الشخص الواقف في الوسط وهذه عادة اتبعها العديد من الفنانون باقحام شخصياتهم في لوحاتهم).
كلما تقدمنا في الزمن يواصل بالتازار ظهوره بملامح أفريقية طبيعية، لكن غالبًا في تبعية للأبيض وفي مشهدية استعراضية تضعه دائمًا في مرتبة أقل من الملوك الآخرين.
وعبر رمزية الخضوع الطوعي للإله الأبيض يواصل بالتازار تعميم رمزية خضوع الزنجي للمركزية الأوروبية إلى حد الذوبان في السردية الأوروبية. يُنظر في هذا الشأن إلى نسخ كل من روبينز، ماتسيس وجان بوكهورست على سبيل المثال.
وقد تطوّر تمثيل الزنجي مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، خصوصًا مع تصاعد تجارة الرق الأوروبية وتوسّع الإمبراطوريات الاستعمارية، فانتقل حضور الأسود الزنجي الذي تناولناه هنا الى حضور الخادم التابع والعبد. وسنتناول هذا الحضور في المقالة الثانية من هذه السلسلة.
مراجع
Paul Kaplan, The Rise of the Black Magus in Western Art (1985)
هذا الكتاب يُعد واحدًا من أوائل وأهم الدراسات المتخصصة في تتبع تطور تمثيل الملك المجوسي الأسود بالتازار في الفن الأوروبي من العصور الوسطى حتى أوائل العصر الحديث، مع التركيز على كيفية ظهور وتطور صورة "الزنجي" في المخيلة المسيحية والبصرية الغربية.
الكرمل - تموز،آب 2025
.jpg)
تمجيد الطفل يسوع، خيرارد دافيد 1515م.







.png)


.jpeg)



.png)

