ينتهي الفصل الأول الذي يحمل عنوان "إسطنبول" كاشفا عن وقوع حدث جلّل العائلة كلّها بالعار، مما قد يشغل وسائل الإعلام الأردنية بما ارتكب الابن البكر، عوض، من موبقات جعلت الوالد "يوطي عقاله"، وأدّت إلى طلاق الأخت من زوجها وعودتها إلى بيت والدها تاركة ابنا في الصف العاشر وابنة في الصف التاسع ورفيقا أحبته بكل جوارحها لأنه لم يحتمل الفضيحة الكبرى، حسب رأيه. لا بدّ من طرح سؤال مهم حول افتتاحية هذه الرواية وحول افتتاحيات روايات أخرى تتعلّق بزمن كتابتها؛ هل كانت هذه الجملة هي أول ما ابتدأ بها الروائي كتابة روايته، أم أنه كتبها في مرحلة زمنية متأخرة؟ لا أعتقد أن هناك قاعدة معينة يلتزم بها الروائيون، لكني أعتقد أن الروائيّ قد يقوم بإجراء تعديلات في الجملة الافتتاحية وما يتلوها حتى تكون أكثر جاذبية وحتى تتلاءم أكثر مع الحدث المركزيّ. إن افتتاحية هذه الرواية توضح أنّ عوض هو مركز الأحداث، أولا، وأنّ علاقته بأهله تقع في صلبها. وبما أن علاقة عوض بأهله وبناسه وبيئته هي الأهم فقد انتهت أحداث الرواية من الموقع ذاته والزمان ذاته والموقف ذاته، وأنّ ما جاء من أحداث بين بداية الرواية ونهايتها هي عرض مفصّل يجيب عن هذا الموقف الذي افتتح به الروائي حكايته.
من اللافت فعلا أن الفصل الأول من الرواية الذي يمتدّ على بضع صفحات قليلة هو في الواقع جزء لا ينفصل عن افتتاحية الرواية يتّبع الروائي فيه الأسلوب ذاته الذي يتّبعه في اعتماده على عنصر التشويق وفتح باب التساؤلات لدى المتلقّي، إذ ما أن يكشف الراوي عن سر معيّن حتى ينبثق سرّ آخر ويتلوه آخر، بشكل تدريجي، يبيّن أنّ هناك خللا في العلاقة بين الابن عوض وبين والده من ناحية، ووالدته من ناحية أخرى، ما يعني فتح كوّات صغيرة في وجه القارئ يلج من خلالها ليكتشف التفاصيل الكامنة خلف هذه الفجوات.
الشخصية المركزية: الظالم والمظلوم والمعذِّب والمُعذَّب
كما أن للإنسان في الحياة العاديّة مواصفات معيّنة تميّزه دون غيره فإنّ هناك مواصفات خاصة بالشخصية الروائيّة، منها ما يتعلّق بالجانب الشكلي، ومنها ما له علاقة بالجانب الاجتماعيّ والنفسيّ والفكريّ. أولت الرواية التقليدية عناية كبيرة بالشكل الخارجي للشخصية، ثم، مع تطور العلوم الإنسانية على اختلافها، أخذت تعنى أكثر بالجانب النفسيّ والاجتماعيّ والفكريّ وبخلق شخصيات مركّبة وإشكالية. لا تركّز رواية "الساعات الأخيرة للشيطان" على الشكل الخارجي بقدر تركيزها على المحيط الاجتماعي، وعلى المؤثّرات النفسية والفكرية في بناء الشخصيات، وبالذات في بناء شخصية عوض، الشخصية المركزية. فهو طويل القامة، عريض المنكبين ويتحلّى بمظهر خارجيّ ساعده في اجتذاب النساء واصطياد العديد منهنّ، ولكنّ ذلك ليس أكثر أهمية وتأثيرا، في بلورة رؤيته للحياة وللناس من حوله، من التجارب التي مرّ بها وجعلته يتصرّف بصورة شيطانيّة وسلبيّة.
ننطلق في تحليل الشخصية المركزيّة بإيمان مطلق أنّها ترتبط بما حولها وبما واجهتها من تجارب، فالإنسان لا يولد في فراغ، بل يولد في بيئة اجتماعية تؤثّر فيه ويؤثّر فيها، وهو غير مفصول عن شخصيّات أخرى لها تجاربها وميولها وإيديولوجيتها. لقد لاحظنا أن سمير القضاة قد عمل بشكل لافت على خلق عدة شخصيّات وأنّه قد عنون بعض الفصول باسم إحدى الشخصيّات، مثل رقيّة ومحمد بيك، ما يضفي على الرواية نوعا من الواقعية، خاصة وأن هناك عناوين أيضا تنسب إلى مواقع معينة مثل إسطنبول وميونخ.
لقد وضع الروائي الأسس الرئيسيّة لشخصية عوض منذ الصفحات الأولى للرواية، ومنذ سنّ مبكرة، فقد أشار الراوي المشرف الكليّ، في أكثر من موقع، إلى أن الطفل دأب على مراقبة تصرّفات والدته والنظر إلى كل حركة تبدر منها بارتياب، دون أن يعطي تبريرا لمثل هذه التصرفات، حتى بدا الطفل أكبر من جيله، مما فتح باب الريبة والشكّ لدى المتلقّي ما يحفّزه على إثارة التساؤلات حول دوافع هذه النظرات وهذه الشكوك التي ترافق طفلا في مثل هذه السن المبكّرة. قد يجد القارئ مبرّرا نفسيّا يتعلّق بجيل المراهقة، وبالتعليمات المباشرة وغير المباشرة التي يتلقّاها كل صغير من مجتمعه الذي يغرس في الصغار قبل الكبار مفهوم العِرض والشرف وعلاقة ذلك بالمرأة على وجه الخصوص وتحميلها مسؤولية الحفاظ على صورتها وصورة عائلتها الصغيرة والكبيرة بحيث تبدو ناصعة البياض، فقد كرّر الجدّ جملة وجدت تجاوبا وصدى في قلب عوض وفي وجدانه وهي أنّ كلّ النساء خائنات.
تقضي الأعراف والتقاليد، وفق قوانينها الصارمة، بأن يتّبع المرء طريق التستّر على ما يرى، وبالذات إذا كان ذلك يخدش الحياء، أو يمسّ بالعِرض والشرف، مما يقود إلى الكبت. لقد آثر عوض، الشخصية المركزية، أن يحتفظ بألمه في داخله على مدار سنين طويلة، منذ سن الطفولة وحتى آخر يوم في حياته، ولم يبح بوجعه لأي حبيب أو قريب، إلى أن أصبح، وفق ما يقول "الظالم والمظلوم، المعذِّب والمعذَّب" في آن معا. (انظر الرواية، ص250) لقد رافقه مشهد أمّه وهي تستر جسدها طوال حياته، وظلّ ينخر في عظامه يعذّبه ويخلخل توازنه فيصاب بنوبات من الهلع والصراخ. خدعه عمّه حميد فأرسله، وهو الطفل البريء، ليشتري له بعض الحاجيات التي لن يجدها في أيّ دكان، فيتيح له تأخّره في البحث عنها الاستفرادَ بأمه انتقاما من أخيه الأكثر مكانة اجتماعية في البيت وخارجه، ولما عاد الطفل "رآها تضم أخويه إلى حضنها، وتعيد ترتيب حجاب رأسها لتغطّي شعرها، ثم أسرعت بيدها اليمنى المرتجفة لتغطّي نحرها عندما رأت ابنها. تناول عوض زِرّين من قميصها كانا واقعيْن على الأرض، وأعطاهما لها من دون أن ينطق بكلمة واحدة". (الرواية، ص38)
لم تبح الأم بوجعها النفسي لأحد ولم تصارح زوجها باعتداء أخيه عليها، وهي المعضلة الأصعب، إذ قد تكون النتيجة، وفق العادات والتقاليد، غسل العار: قتلها وقتل الأخ. بقيت الأم، في عين الابن، متّهمة حتى آخر يوم في حياته، وبقي هو الشاهد الوحيد الذي لم ير حقيقة ما وقع بالتفصيل على أرض الواقع، وباءت كل محاولات أمه إقناعه ببراءتها بالفشل: "هي تعرف جيدًا بأنها آخر من يستطيع التأثير عليه، مهما كان الأمر بسيطًا، ولكنها تجرّب دائمًا لعلّها تستعطف فيه أي شيء ضئيل بقي في قلبه من عاطفة يحملها الولد تجاه أمه، لقد مضى أكثر من عشرة أعوام، وكلما مرّت الأيام زاد نفوره منها، قالت له أكثر من مرة: أقسم بربّ الكعبة أنّه لم يحصل شيء يغضب وجه الله، أنا امرأة لا تقطع صلاةً ولا صيامًا". (الرواية، ص53)
لم تسعفها كلّ محاولاتها المتكرّرة في نيل شهادة البراءة من ابنها، شوّهت هذه الحادثة علاقته بأمه وبكل أنثى أخرى؛ فكل النساء خائنات، هكذا آمن عوض وهكذا قال جدّه عوض، وبات عوض الثاني عوضا وخلفا لعوض الأول، وما بدّل معتقداته رغم دراسته الجامعية. لقد تحوّل بعد الحادثة إلى حاقد على كل نساء الأرض، لا يرى من المرأة سوى جسدها الذي خلق لإغواء الرجال، فكل من ينظر إلى أمّه أو يحييها بتحية من الرجال فلأنّها، كما يظن، سهلة المنال. تحولت حياة الطفل عوض إلى جحيم يعيش تفاصيل عذابه في مناماته وفي يقظته وطالما ناجى نفسه: "يا لها من كوابيس متوالية من الذل والمهانة تعتلي صدري كقاتل بحجم الدب، جاثوم ترك الناس كلّهم وتفرّغ للدخول إلى الثلث الأخير من نومي، يتهجّد ويفرغ من عبادته الليلية ثم يأتي ليزورني، [...] يُحضرُ معه في كل مرة زائرًا مختلفًا، فمرة جارنا الطبيب في معسكر الزرقاء، ومرة السائق العسكري الشركسي الذي كان يوصلنا للمدرسة، ومرة بائع النوفيتيه الستاتي في شارع السعادة بالزرقاء، وآخرون كُثر لا تطيق نفسي تسميتهم، كلهم ضبطتهم في كوابيسي متلبّسين مع رقيّة (أمه) في أماكن وأوضاع مختلفة، في غرفة نومها وتحت مطلع الدرج وفي غرفة قياس الملابس بالنوفيتيه وفي سيّارة أحدهم في منطقة نائية، ويبقى أبغضهم جميعًا حميد". (الرواية، ص54)
كانت تنتابه نوبات من الغضب والصراخ والهلع كلما تذكّر ما جرى لأمه مع عمّه حميد، إذ في إحدى مغامراته الغرامية قطع زر ثوب الفتاة التي كان يعاشرها، دون قصد منه، فأخذ يصرخ كالمجنون "أنا ابن سيدة فاضلة، أنا ابن سيّدة فاضلة". (ص59) لكن ذلك لم يمنعه من متابعة مغامراته الساقطة وهو الذي يكرّر مقولته "أنا لا أرى من المرأة إلا جسدها" (الرواية، ص 70) فكان يتنقّل بين النساء كما تنتقل النحلة من زهرة إلى أخرى، تمتصّ الرحيق وتنتقل إلى أخرى، يعاشر سيلينا ابنة عائلة متحرّرة ترافقه في سهراته بدافع الحب، لكنّ ذلك لا يمنعه من اصطياد شيرين المتحجّبة، والاتصال برزان التي أحبّته في يوم من الأيام. (الرواية، ص69-70) تحوّل عوض في شبابه إلى صياد نساء مستغلّا جمال عينيه وحسن قوامه: "لم تكن الجامعة ولا الدراسة ولا العمل شيئًا مهمّا في حياتي، وإنما الوصول إلى دواخل النساء، لكي أفهم ما لم أستطع فهمه منذ صغري، لعلي أرتاح، وهو ما لم أحصل عليه، يبدو ألّا راحة لمثلي أبدًا". (الرواية، ص70).
يمتدّ إيذاء عوض ليطال أمه وأباه وزوجة عمه حميد التي يعتدي عليها وهي فاقدة للوعي ويصوّرها في وضعيات مشينة انتقاما من عمه، ويتحوّل إلى تاجر للممنوعات ويتورّط في أعمال أكبر من قدرته ومن قدرة أهله فيطال الأذى أناسا أبرياء من داخل العائلة وخارجها حتى سقط في فخ العصابات، فهرب وتشرّد واستسلم لليأس القاتل.
يخرج المتلقي من الرواية بمشاعر تميل إلى الشفقة على عوض رغم إساءته لكثيرين، فيما يحمل الكثيرَ من مشاعر الغضب على العم حميد وعلى آخرين، كان لهم دور في جعل عوض ضحية لأعمالهم السيّئة. هل يرمي سمير القضاة إلى خلق شخصية إشكالية مثيلة لتلك التي تحدث عنها جورج لوكاتش؟
لن ندخل في عمق فلسفة لوكاتش وغيره، لكن مما لا شك فيه أن شخصية عوض هي شخصية إشكاليّة ومركّبة تجمع بين صفات متعددة ومتناقضة وتثير تساؤلات عدة حول تصرفاتها الأخلاقية، وبالذات في علاقتها مع أمه ومع المرأة بشكل عام، حتى يبدو وكأن الروائي ينوي أن يصرّح بأعلى الصوت: إنّ مجتمعا يتشبّث بالماضي ويتنكّر للحاضر والمستقبل سوف يكثر فيه أمثال عوض الذي يكفر بكل القيم المجتمعيّة نتيجة شعوره بالاغتراب عن بيئته وانعدام الأمن والأمان في المكان الذي يعيش فيه فيتحوّل من ضحيّة إلى جلّاد، ومن مظلوم إلى ظالم.
البوليفونية
هناك في كل رواية راوٍ ومرويّ ومرويّ له. قد يخلق الروائي راويا ينوب عنه في سرد الأحداث أو يلجأ إلى أكثر من راو وأكثر من وسيلة للتواصل مع المتلقّي. ميّز الباحثون، وفق ذلك، بين الرواية المونولوجية والرواية الديالوجية التي تعتمد أسلوب تعدّد الأصوات أو البوليفونية كما يسميها المنظر الروسي ميخائيل باختين؛ هي رواية عمدتها الرئيسية تعدّد الأصوات واللغات ووجهات النظر، حيث ينفسح المجال للشخصيات كي تتحاور مدليةً برأيها وإيديولوجيتها التي تتناقض مع رؤية شخصيات أخرى في الرواية، بكلمات أخرى هي رواية حوارية (ديالوجية) لا رواية أحادية الصوت (مونولوجية) تخضع لسلطة الراوي المشرف الكلي. والبوليفونية مصطلح مستعار من عالم الموسيقى حول حوار الأدوات الموسيقية داخل المعزوفة الواحدة، حيث تساهم كل منها، من زاويتها، بنضوج المعزوفة واكتمالها، وهكذا تنجح تقنيّةُ تعدّد الأصوات أو تعدّد وجهات النظر في نضوج النص الروائي وصورة الشخصيات ورسمها وبنائها.
يُكثر الروائي، سمير القضاة، في مواقع عدة من الرواية، من توظيف عدة ضمائر تتناوب فيما بينها عملية السرد بسلاسة، ما يتيح للمتلقّي أن يتزوّد بمعلومات عدة بأقلّ الكلمات. يحدث ذلك الانتقال دون أن يفقد القارئ البوصلة، بل إنه يظلّ ممسكا بتسلسل الأحداث وعرضها دونما بلبلة. يساهم ذلك التناوب في تعدّد وجهات النظر، عبر تحييد الروائي والراوي الرئيسي، وتسليم دفّة السرد لأكثر من ضمير ما يحقّق لها ميزة البوليفونية، كما يتجلى في النص التالي: "وجهكَ ينضح بالتوتر والحزن، كنتُ أظن أنّكَ ستكون في غاية الفرح لأنني سأزور بلدك للمرة الأولى وستقدمني إلى أهلك، خصوصًا أنني حامل، هذا سيجعلهم يحبونني أكثر، أليس كذلك يا خرا؟! قلتُ لك إياكِ أن تلفظي اسمي هكذا أمام أهلي، شرحتُ لك ألف مرة معنى هذه الكلمة باللغة العربية. حاضر يا حبيبي، سأدرب لساني على لفظ اسمك، خيرادين، خارادين، خااااا. اصمتي، يكفي يا امرأة، ما هذه البلوى التي أوقعني بها أبي، سامحك الله على هذا الاسم المعقّد. أشاحت كلوديا بوجهها باتجاه المسافرين الذين يملؤون مطار فرانتس يوزيف شتراوس ضجيجًا، شعرت بغصة حزن في حلقها، أحقًّا أن هذا الرجل الجالس بجانبي هو ذاته الدكتور العربي الأنيق الذي لاحقني لشهور عديدة بالغزل والدعوات والورود والهدايا لكي يصل إلى قلبي". (الرواية، ص73)
النص أعلاه مأخوذ من افتتاحية أحد فصول الرواية، حيث يدور حوار بين زوج أردني يحمل اسم خير الدين وزوجته كلوديا الألمانية، سرعان ما يأخذ الروائيُّ السردَ من ضمير المخاطَب نحو ضمير المتكلّم وحوار الذات، ومن بعدها مباشرة إلى الراوي الرئيسيّ وضمير الغائب، ثم يعود مباشرة إلى الحوار الداخليّ عبر ضمير المتكلم. يساهم هذا المزج في الكشف عن سريرة الشخصيات من ناحية وعن إشكالية اجتماعية قد تُحدث أزمة بين الزوجين نتيجة اختلاف في وجهتي النظر بينهما حين يصلان إلى الأردن.
لا تقتصر تقنيّة تعدّد الأصوات على توظيف عدة ضمائر لسرد الأحداث وحسب، بل إن ذلك يقتضي التحرّر من سلطة الروائي، ما يتيح للرواة والشخصيات أن تتحدّث بلسانها هي لتعبّر عن ذاتها بما يتناسب مع رؤيتها، فيما يلزم الروائيّ موقف الحياد لإتاحة المجال للاطلاع على أكثر من رأي وأكثر من رؤية كما هي الحياة على أرض الواقع. إنّ الرواية ليست انعكاسا لعالم الروائي، كما يعتقد البعض، بل هي انعكاس لعالم الشخصيات، كما ترد في الرواية وكما تنعكس من خلال أعمالها وتصرفاتها وتصريحاتها وحواراتها، وهذا يؤكّد على الرؤية الجماعية للعالم وللمجتمع لأن الفردانيّة تعبّر عن وجهة نظر خاصة، وليست انعكاسا للحقيقة. إن الحقيقة الوحيدة التي تثبت على مدار التاريخ أن هناك صراعات بين طبقات أو بين أفراد تنتمي كل منها إلى طبقة معينة أو فئة معينة. لم نر في النص أعلاه أيّ تدخل مباشر للروائي، وقد سيطر هذا الأسلوب على معظم السرد في الرواية، وبالتالي فإن المتلقّي يستقبل مثل هذه الحوارات من مصادرها المباشرة وله أن يتخذ ما يناسبه من مواقف.
في رواية "الساعات الأخيرة للشيطان" شخصيات متعدّدة من رجال ونساء، يتقابل معها المتلقّي في أماكن مختلفة؛ هناك شخصيات نسائية محافظة وأخريات على العكس من هؤلاء يمارسن حياتهن كما لو كنّ يعشن في مجتمع غربيّ، وبالتالي هناك بيئات متعدّدة قد تقبلها بعض النساء وترفضها غيرهن. هذا المزيج غير المتناغم قادر على استفزاز المتلقي الذي قد يستهجن ويستغرب من جرأة بعضهن ووقاحة بعضهن وخنوع أخريات، ما يضفي على الرواية صفة الحوارية وتعدّد الرؤى.
ليست الرواية تصويرا للواقع ولا نسخة فوتوغرافية عنه، بل هي عمل فنّيّ بحت، وقد عرضت رواية سمير القضاة مجموعة من الشخصيات الذكورية والنسائية التي تنتمي إلى أجيال مختلفة، وإلى بيئات مختلفة قروية ومدنية، متعلمة وغير متعلمة، ولكل شخصية حكايتها ومشاكلها وهمومها وأفراحها واهتماماتها. نكاد نجزم أن الاختلافات فيما بينها أكبر بكثير من التشابه، فكلّ منها تمثّل، من خلال مجموع ما تقوم به، نموذجا معينا من البشر، ولا يحيلنا النظر إلى أي منها إلى واقع محدّد بعينه، بل إلى فئة متخيَّلة لها شبيه على أرض الواقع. وكي يضفي الروائي على الرواية صبغة الواقعية فقد ذكر عدة أحداث تاريخية معاصرة مثل حرب العراق، وحرب لبنان، والحرب في غزة، ليوهم المتلقي أنّ ما يحدث هو حقيقة مقتبسة من الواقع، دون أن ينفي ذلك أنّ الروائي قد استغلّ هذه الأحداث ليكشف، من خلالها، ما تجلب من ويلات تنعكس على شرائح واسعة من المجتمع قد تلجأ إلى تجارة المخدرات وتهريبها عبر الحدود المنتهكة.
يمكننا القول، بكل ثقة، إن رواية "الساعات الأخيرة للشيطان" هي رواية ديالوجية، اعتمدت على تعدّد الرؤى ووجهات النظر، وخلقت حالة حواريّة بين شخصيات تحمل رؤى متعارضة، بحيث لا نجد راويا كليّ المعرفة يحرّك الأحداث كلها ويفرض رؤية واحدة، كما هو الحال في الرواية التقليدية المونولوجية. وقد تجلى تعدّد الأصوات في تعدّد اللغات، وهو بحد ذاته موضوع يحتاج إلى إسهاب وتفصيل لا تتّسع له هذه المقالة، إذ يستطيع القارئ المتأنّي أن يميّز بين مستويات لغوية متعدّدة وبين لهجات متعدّدة تعكس لغة الجدّات والأمّهات وما فيها من عطف وحنان، ولغة الرجل المتديّن الذي يسند أقواله بآيات من القرآن الكريم ومن الأحاديث النبوية الشريفة، ولغة السكّير والعربيد الذي تخالط لغتَه تعابيرُ ومفرداتٌ نابية، ولغة الرجل العسكريّ صاحب النبرة الآمرة والمواعظ الصارمة، ولغة السيدة التقليدية إلى جانب لغة السيدة الحديثة. يهدف ذلك إلى الكشف عن التناقضات القائمة داخل المجتمع الأردني مما يشي بأنّ ذلك قد ينفجر في أي لحظة، وكأن هناك عوالم منفصلة لا مصالح مشتركة بينها فيما أنّ المصلحة العليا تقضي بوقف الخلافات لا الاختلافات.
يخرج المتلقي من رواية "الساعات الأخيرة للشيطان" وقد تزوّد بكم من الرؤى حول صورة المرأة وصورة الرجل في المجتمع الأردني المعاصر، بحيث يمكن للمتلقي أن يتبنّى أحد المواقف دون غيره فيما قد يميل آخرون إلى موقف مغاير.
خلاصة
يخوض الأديب سمير القضاة تجربة جديدة بعد أن ثبّت قدميه في عالم الشعر، وبعد أن نشر من قبل روايتين اثنتين. وهو يُثبت، من جديد، أنّه قادر على خلق رواية حداثيّة تتواجه مع الواقع الاجتماعي فتعرّيه من الداخل، وتكشف بعض قضايا المسكوت عنه حتى لا تظلّ طيّ الكتمان، حين قرّر أن يدخل في خفايا "الأعراض" المستورة كي ننظر في مرآتنا بعينين مفتوحتين وفكر يقظ دون مواربة.
والحداثة ليست مجرّد مصطلح بل هي قفز فوق المألوف تحتاج إلى جرأة وإلى مهارة في السرد تتعدّى المواضيع التقليدية وتنزاح عما هو متّبع من خلال توظيف تقنيّات تجعل النص مغايرا ومفاجئا ومدهشا. يحسن القضاة في خلق الثغرات داخل النص كي يصبح المتلقّي جزءا من عملية التأليف والحوار، وينتقل بين الضمائر بسلاسة مما يتيح للرواية أن تتعدى المونودرامية نحو الديالوجية وتعدّد الرؤى، كاشفا عن شخصيات درامية وإشكالية مركّبة تثير المتلقي وتستفزه وتدعوه إلى المحاورة كي يخرج من طوق العادات والتقاليد المنهكة. والحداثة في عرف القضاة لا تعني التنكر للماضي ولا إدارة الظهر للحاضر بل هي في المواجهة الصادقة دون مواربة.
تعرض الرواية مجموعة من الشخصيات على اختلاف انتماءاتها الفكرية والطبقية والجندرية، يتواجه معها القارئ وهي تتحرّك وتحاور وتناقش وتتعارك وتتصارع، وتتكشّف له على حقيقتها وهو يتابع تحركاتها عبر ما تقوم به من أفعال، ومن خلال توظيف تقنيّات تيار الوعي التي تكشف عن سريرة الشخصية وهي تناجي ذاتها أو تحاور ذاتها؛ يحدث كل ذلك دون تدخّل مباشر من الروائي ودون تعليقات تصدر عنه بشكل مباشر، محافظا على حيادية تامة، ما يعطي للمتلقي حيزا أكبر ليتحاور معها ومع مواقفها واتخاذ موقف منها.







.png)


.jpeg)


.png)

