"مشرّدون" (Stateless)… عن ألم الهاربين من أوطانهم بحثا عن أمل

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

مع اتساع رقعة الحروب في العقدين الأخيرين، والتي تحرّكها وتديرها القوى الإمبريالية العالمية بقيادة امريكا في افغانستان، العراق، سوريا وغيرها من بؤر التوتر والحروب المباشرة أو الحروب بالوكالة.. بدأت تظهر على السطح ظاهرة الاتجار بالبشر عن طريق عصابات إجرام تستغل الأوضاع التي تخلفها هذه الحروب وتستغل ضيق مساحة العيش والحرية في هذه البلدان، من خلال عملية تسفير وتهجير الناس في هذه البلاد والهرب إلى بلدان فيها إمكانية للبحث عن عيش آمن  مستقر. 

هذه الدراما تتطرق إلى أستراليا، حيث أقامت السلطات الأسترالية سجنًا خاصًا للذين دخلوا إلى هذا البلد بطرق غير شرعية وعن طريق تجار البشر، ومن خلال هذا السجن تقوم بعملية حبس وعزل لهؤلاء البشر كي تدرس أوضاعهم وتحاول إرجاع من لا يستحق الإقامة إلى البلد الذي هرب منه بحثًا عن ملجأ بالأرض الأسترالية. تتداخل قصص هؤلاء الأشخاص وخلفية دخولهم ولكل منهم حكايته الخاصة، وهي تشكّل حبكة هذه الدراما والرسالة التي تحملها...

 أمير، مدرس أفغاني يقرّر اصطحاب عائلته ومغادرة بلده أفغانستان للبحث عن أفق جديد للعيش بعيدا عن الحرب وممارسات حركة طالبان وما تحاول أن تفرضه من أجندتها الخاصة على أبناء الشعب الأفغاني. يصل بصحبة ابنتيه وزوجته إلى بلد أسيوي لكي يبحث عمّن يستطيع ترحيله إلى أسترالياـ وبعد أن باع كل ما يملك وقام بتجميع المبلغ المطلوب من أجل تحقيق هدفه وفي نقطة الالتقاء   للعبور الى الأرض الأسترالية  تتم مهاجمة القارب مما يضطره للهرب. يطلب من زوجته وابنتيه ركوب القارب ويهرب من شرطة مكافحة تجار البشر.

بعد أن يصل إلى الأرض الأسترالية يتم الزج به في معتقل لكل الهاربين من بلادهم للبحث عن أفق جديد للحياة. يلتقي بأناس من سوريا والعراق ورواندا والكثير من الدول المنكوبة بالحروب والصراعات الداخلية الدموية.

يبحث عن زوجته وابنتيه، ويجد ابنته الكبرى فقط، فتحكي له حكاية رحلة الموت بالقارب وغرق زوجته وابنته الصغرى مع من غرقوا من ركّاب قارب الموت. وبعد الحسرة والألم الذي عاناه مع ابنته الباقية يبدأ رحلة الشقاء والمعاناة في هذا المعتقل الأسترالي من أجل البقاء وتحقيق جواز الإقامة له ولابنته المتبقية...

في نفس الوقت تحكي الدراما قصة صوفيا، مضيفة الطيران الأسترالية عاشقة الرقص والتي تقرّر في نهاية الأمر ترك عملها كمضيفة طيران واحتراف مهنة الرقص، بعد أن تقنعها صاحبة مدرسة الرقص هي وزوجها بأنها تمتلك كل المؤهلات لكي تصبح نجمة ساطعة في عالم الرقص. وبالرغم من معارضة والديها وأختها لذلك إلّا أنّها تصرّ على استمرارها في عالم الرقص.

 تتعرّض صوفيا لجريمة اغتصاب من قبل مدير هذه المدرسة، وهي نقطة تحوّل في مسيرة حياتها،  بحيث تفقد جواز سفرها  وتفقد هويتها الحقيقية ممّا يدفع سلطات الهجرة إلى اعتقالها والزّج بها بهذا المعتقل لكي تواجه مسيرة العذاب والمعاناة مع غيرها من طالبي اللجوء في هذا المعتقل الرهيب.

حكاية معتقل الهجرة تكشف عن تركيبة من يدير هذا المعتقل من إدارة وسجانين وكيفية التعامل مع سجناء هذا المعتقل، فهم خليط عجيب يعكس خلفية المجتمع الأسترالي من مؤيد ومعارض لفكرة التعامل مع قضية الهجرة والمهجرين من الجانب القانوني والأخلاقي، حيث تتبلور بالمجتمع الأسترالي حركة احتجاج تطالب بإغلاق هذا المعتقل وإعطاء الحرية للسجناء بين البقاء أو الرحيل.

ما يجري من أحداث داخل هذا المعتقل يكشف الصورة الحقيقية لما تتركه تجارة البشر من جروح وآثار في جوهر الإنسانية، حيث تتعرى أبسط القيم الإنسانية، وتحوّل الإنسان إلى مجرد رقم بدون هوية أو انتماء.

رحلة أمير نحو تحقيق الاعتراف له ولابنته الباقية بالبقاء والاستمرار بالحياة كأي إنسان آخر من أبناء الشعب الأسترالي، والبدء برحلة حياة في هذه الأرض الجديدة، توفر له ولابنته الحد الأدنى من حرية العيش بكرامة واحترام. وبعد صراع متواصل مع إدارة المعتقل والسلطات الأسترالية يستطيع أن يحقّق حرية اللجوء لابنته عن طريق كفالة بعضٍ من معارف والدها ممن سبقوه في رحلة الهجرة إلى الأرض الجديدة.

كذلك الأمر كان حال صوفيا بعد أن تفقد هويتها الحقيقية وتدّعي أنّها مواطنة ألمانية فقدت جواز سفرها، وتنتظر من سفارتها أن تجدد جواز السفر كي تتاح لها فرصة العودة الى أرض الوطن..

تنتهي هذه الدراما بنهاية مبهمة وغير محددة لكي تبقى الفكرة والأجندة التي بنيت على أساسها رسالة مفتوحة لكل الذين يبحثون عن تحقيق العدل الأخلاقي والإنساني، وعدم السماح لكل من يحاول تمزيق النسيج الإنساني وتحويل الإنسان الى مجرد رقم في دائرة الاتجار بالبشر، وتحقيق الكرامة لكل إنسان بكونه إنسانًا، بدون النظر الى كونه هاربًا من وطنه لمجرد أنه يريد أن يحقّق الحد الأدنى من كرامة العيش وحريته في هذه الحياة.

إنه عمل فني يحمل رسالة واضحة ويكشف عن مآسي ما تتركه الحروب التي تفرض على الشعوب من قبل طغمة  الاستبداد والمصالح الامبريالية الاستبدادية المتوحشة. هنا تكمن القيمة الراقية للفن الملتزم الحقيقي الذي يفرض نفسه على واقع الحياة وهو يحمل صرخة غضب واستنكار لما تخلفه الحروب من مآسٍ وويلات.

وهذا بطبيعة الحال مع كادر فني مهني ومتمكّن مما يساعد على ارسال الرسالة بكل صدق وإخلاص.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية