عن تجربة سميح القاسم الشعريّة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

(مقتطفات من مقالات ودراسات نقديّة وأكاديميّة عن الشعر والشاعر)

  • أسّس حداثته الخاصّة

أكّدَ الشاعر سميح القاسم نفسُه، في غير ما مرة، على أنّ منجزه الشعري في المرحلة الثانية، قد تميّز بخفوت الصّوت وتسرَب شعاع الشك إلى يقينيّاته المُطلقة، تلك التي ميّزت المرحلة الأولى. الشكّ هذا ما كان له أنْ يتحقّق لولا التراكم المَعرفي الذي تحصّل لهذا الشاعر من خلال اطّلاعه العميق على خبايا الفلسفة المعاصرة. هذا الأمرُ جعله يُعيد طرح السؤال الأنطولوجي من جديد، مثلما حفّزه لإعادة النظر في قيَمه الجماليّة، وبذلك استطاع سميح القاسم أنْ يؤسّسَ حداثته الخاصة.. "حداثة على أسس تراثية أصيلة، حداثة لا تتنكّرُ للماضي، ولا تتقزّم أمام حداثة الآخر الغربي أو الأجنبي".

(د. نبيه القاسم، من دراسة "سميح القاسم ومُساهمته في تطوّر الشكل والمَضمون في القصيدة العربية المُعاصرة) 

  • هُوية الشعر في القصيدة الوطنية

إضافة إلى قاموس لغوي يحتفي بالمتداول والمألوف وبكل ما هو متناثر في الحياة اليومية، تحتضن قصيدة القاسم جملة مفردات تمس الرؤية والمنظور، مثل: المقاومة؛ الجراح؛ الرعد؛ الشمس؛ الدرب؛ البيت؛ العودة؛ الدم؛ الطوفان؛ الظلام؛ الحريق؛ القتيل.... وتبني هذه المفردات ثنائيات متناقضة، تساوي الواقع الفلسطيني وتفيض عليه، تساويه وهي تضع الفلسطيني في مواجهة الإسرائيلي، وتفيض عليه حين تربط الحاضر الفلسطيني بمستقبل أكيد مرغوب فيه. 

ولعلّ دعوة القصيدة إلى مستقبل آخر ينبثق من فلسطيني آخر هو ما يحدّدها "قصيدة مقاومة"، أي قصيدة فلسطينية بامتياز، ترفض زمنًا وتناجي زمنًا بديلاً، وتحاور مكانًا وتنادي على مكان آخر، وتنأى عن أغنية وتقترح أغنية مغايرة... تخترق هذه الثنائيات قصيدة القاسم محدّدةً بنية القصيدة وحركتها الداخلية والقول العام الذي يسري فيها ويتجسّد واضحًا في جملة أخيرة.

د. فيصل درّاج (مجلة الدراسات الفلسطينية المجلد 10 العدد 40 (خريف 1999))

  • تجريب صوفي

 "إن الصفة الغالبة على تجربة سميح القاسم أنه يتنكب عن الجزئيات والأحداث، إلى التجربة التأمليّة التي لا يزال يحدّق فيها بواقعه ويتفكّر فيه، مُستطلعًا منه الأفكار، معانيًا لحالات التمرد، وكأنها نوع من المطاف النهائي لخواطره يخلص إليها كنتيجة حتمية لسُنّة الحقيقة والحرية في الوجود.. فالثورة تنبجس في شعره من أعماق البؤس وواقع الذل، إنها أشبه بردّة وانتفاضة.

وتوحيد الشاعر بين واقعه القومي وواقع الإنسان ينزع عن قوميته إطارها الضيّق ويجعل ما يعانيه الإنسان العربي فيها ضوء لمعاناة الإنسان عامةً لواقع الفساد والظلم. ولقد أنِفَ الشاعر من التعبير الفكري المباشر، متوسلاً بالصورة التي تبدع لذاتها رموزاً بسيطة، مستمدة من الواقع المبذول، المتصل اتصالاً حميماً بالنفس، مؤلفاً فيها الفكرة والصورة والشكل الحسي والأداء النفسي.

والشهادة في تجربة سميح القاسم هي الشهادة التي يتدرّب بها الإنسان على معانقة الموت معانقة روحية. أن يتهيّأ له وينخرط في سبيله ويعايش مقدماته وأجواءه حتى يناله في النهاية متطهراً من أدران الحياة والعالم، مُؤْثراً عليهما معناهما الأسمى الأكبر حيث تحل غبطة الحرية الكاملة في النفس، كما تحل غبطة الحقيقة في نفس الصوفي.

ولا غلو من بعد، في القول إن تجربة سميح مع الشهادة والموت هي كتجربة الصوفي مع الحقيقة والسعادة. إنه يُعد نفسه لها ويُسقط منها شهوة العالم ونعيمه متخليًا عن كل ما يطرب له سواه من طغام الناس".

إيليا الحاوي (مجلة الآداب)

  • ثورة على المرايا الموروثة

"نجد في معظم قصائد سميح القاسم ذلك الرجوع إلى الماضي والانطلاق منه مع حركة التاريخ إلى المستقبل، في رؤيا أسطورية يرى فيها عروبته وإنسانيته ويرى المستقبل فردوساً أرضياً من تكوين يديه. يراه في صورة موجودة من البدء في حتمية التاريخ، صورة نفض عنها الغبار عندما تحطمت المرايا فنبتت فيها جنة الاشتراكية التي تختلف عن جنة المرايا اختلاف الطوباوية عن العلم. ويثور الشاعر على كل المرايا الموروثة، ويعبث في مكتبة البيت القديمة، متنكراً لكل ما فيها من أوهام رغم أنه فيها وجد هويته العربية.

وتتناثر المرايا، ويواجه الشاعر الثائر ما بقي من دنياه بعد زوال الوهم- ويشعر أنه إله، يسيطر على قدره".

الياس شاكر(مجلة الطريق)

  • تلاحُم المعنى

"انطلاقاً من التفاصيل الصغيرة تأخذ الدلالة العامة جوّها النفسي المتوهج وكثافتها الضاغطة وهي دائماً السمة الرئيسية في شعر سميح القاسم.

هذه القدرة الفذة على أن تتكلّم أدق التفاصيل وأبسطها في إطار التلاحم والتآزر بالمعنى العام والمشترك، وعلى أن تنقل هذه التفاصيل طعم الأرض ولون التقاليد ومذاق الوطن، وأن تفجّر في الوقت نفسه، شحناتها الداخلية، طاقات التمرد والرفض والثورة ومراجل الغضب الثوري..هذه المواجهة الساخنة هي دائماً لغة سميح القاسم، مواجهة التحدي والإصرار يحتشد لها بأدق التفاصيل وأخفى الإيماءات ليصنع نسيجه الشعري من لغة بسيطة متحررة، حادة المواجهة، شديدة الولع بالوصول إلى مضايق الأشياء، لتحرّك وتحرّض وتثير..

إن سميح القاسم ينكأ بئر الحزن الطافح في وجدان الشعب العربي".

فاروق شوشة(مجلة الآداب)

  • ساحات اللغة والتاريخ

"إن مضمون سميح القاسم على الأغلب، مضمون قومي إنساني. فلعله لهذا السبب لا يتعامل مع الأرض قدر ما يتعامل مع التاريخ.. ولا بد أن نقول، ومع اللغة أيضاً، باعتبار أن اللغة ساحة كاملة من ساحات التاريخ القومي، هي لسان الأمة الذي يلازمها في النمو منذ مرحلة الطفولة حتى مرحلة النضج والإدراك.

فلذلك قد نضطر أحيانًا إلى أن نقرأ القاسم جنبًا إلى جنب مع القاموس.. ولئن بدا التعامل مع القاموس عيباً فنياً صارخًا لدى بعض النقاد الأدبيين، فليس ذلك إلا للوهلة الأولى فقط، ومن نوع التناول السطحي للموضوع، أو ربما بتأثير ما ترسّب في عقل الناقد الباطن من تداعٍ قديم بين الزخرف اللغوي، الذي لم يكن أكثر من زخرف في ذاته وبين عصور الانحطاط المديدة في الأدب العربي.. إلا أن لقضية اللغة الآن وجهها المختلف الجديد.."

يوسف الخطيب- مقدمة(ديوان الوطن المحتل) 

  • ملاحم وأساطير

"صور الشاعر سميح القاسم كلها ملاحم.. وقد أصبح أبرع من ينتفع بالأطر الأسطورية والإشارات التاريخية، والصور المتشابكة كأنها غابة مُلتفّة!

وهو بارع في اقتناص الواجهة المثيرة لبنائه الفنّي بحيث يشد إلى الحدث الذي يبدأ بصورة مُفاجئة جميع العيون والجوارح، ثم يمضي في تصعيده أمام النظارة حتى يبلغ به حداً يحس معه كل مشاهد أنه هو صاحب الشأن في هذا الحدث، وإذا المشاهدون متعلّقون بالنهاية التي تصل الحدث الخاص بمصيرهم هم.

فسميح القاسم شاعر المواقف الدرامية، وشاعر الصراع، سواءً كان هذا الصراع في داخل النفس الواحدة أم بينها وبين نفس أخرى تواجهها، وهو يجيد تصوير هذا الصراع بصوره المثيرة الهادرة الأصوات.. شُخوص، وأحداث، وبيئة، وتسلسل زمني، تتحوّل بين يدي هذا الشاعر، بل هذا المهندس المعماري، إلى عمل فني كبير، يحمل كل مقوّمات العمل الملحمي أو العمل الدرامي، في تدفّق موجاته وتدفّق شعوره".

الدكتور عبد الرحمن الياغي

  • قلب الإنسان المسحوق

"لقد منح سميح القاسم الموت وظيفة أكثر إنسانية، وظّفهُ حارسًا على باب المدينة الضائعة المفتاح. برغم البحّة، برغم التعب، برغم تيقّظ الموت وقوة حواسه، لا يزال نبض القاسم قويًا كما في السابق، كقوّة التعبير عنه.

قصائد سميح القاسم الجديدة لم تعد كما كانت معظم قصائد شعراء الأرض المحتلة، محاولة للوصول إلى الوثيقة الشعرية. قصائد القاسم أقل وثائقيّة وأكثر اقترابًا من قلب الإنسان المسحوق في كل مكان.

والشاعر عرف أكثر من غيره كيف يجعل قضية الظُلم في بلده وفي العالم واحدة؛ وساعد هذا على تفتيق أشكال جديدة في التعبير.وإن تأثّره بالصورة والنفَس اللوركاوييْن*، هو بسبب تشابه العالميْن الدموييْن لهذيْن الشاعريْن".

نسبة إلى فردريكو غارثيا لوركا، الشاعر الإسباني.

عصام محفوظ(صحيفة النهار)

  • الصوت الواحد في الكلّ 

"يُخيّل إليّ أن سميح القاسم دخل مرحلة التوحّد المطلق مع القضية، توحداً جسديًا ونفسيًا، عقليًا وشعوريًا.. بل إلى حد ما تمحى معه هذه الصفات جميعًا أمام تجلٍّ واحد هو "سميح القاسم- القضية" أو "القضية- سميح القاسم" لا فرق، بل لو قلت القضية لتعرفت إلى وجهه. ولو قلت سميح القاسم لعرفت القضية.

في توحّد الصوفي تفنى الحدود ويبقى الوجه الواحد.. وفي هذا التوحيد يتجلى الواحد في الأفراد، فلا يُرى الأفراد بل الواحد. وفي شعر سميح القاسم يتفتّح الصوت الواحد في كل الأصوات، ويتألق الوجه الواحد عبر كل الوجوه. فقد امتدت "القضية" حتى غمرت الوجود كله".

إنعام الجندي(صحيفة الدستور)

  • الأبعاد الإنسانية للمأساة

""إلى الجحيم أيها الليلك".. حكاية سميح القاسم الجديدة.. لا شك أنها من أجمل ألوان الأدب الفلسطيني الذي قرأته خلال العشرين سنة الماضية.

فقد استطاع سميح القاسم بنظرته المجهرية ذات العدسة المنفرجة الزاوية والملونة أن يقدّم الأبعاد الإنسانية الحقيقية لمأساة الشعبين العربي والإسرائيلي..كما استطاع في الوقت نفسه أن يدخل لغة جديدة للقصة العربية.. بجُملها وصورها وحوارها.. قرّبها لدرجة كبيرة من اللغة العالمية للأدب الحديث.. لغة الحواس الخمس..التي تجتذب كل حواس القارئ فيحيا ضمن أبعادها الخمسة".

محمد آل رضوان(صحيفة الفجر)

  • قيمة الوطن

 "في قصائد سميح القاسم لون خاص، لا هو الثقة التامة(عائدون عائدون) على نحو ما تميّز به أدب النكبة خلال فترة طويلة، ولا هو الحزن. بل هو مزيج رائع لهما معًا.. تحس في كل القصائد بكل مرارة النكبة من حيث هي انهيار أحلام وطمأنينة، إلى رحيل وضياع وجوع، وتحسّ بالقيمة الحقيقية للوطن، لا من حيث الطنين الفارغ للكلمات، بل من حيث مضمونها الحقيقي العميق".

سالم جبران(صحيفة الإتحاد 1965)

  • الشعر الكبير

"في ديوان "أغاني الدروب" أكثر من قصيدة رائعة.. ولكن فيه ثلاث قصائد تستوقفني وقفة طويلة لأنها تسجل لافتات فنية باهرة على درب سميح الشعري، وتشير لنا إلى الإمكانيات الضخمة التي سينطلق فيها الشاعر.. القصيدة الأولى هي "أمطار الدم" الزاخرة بالحياة، سجل فيها الشاعر، من خلال زاوية صغيرة بسيطة عالمًا كاملاً مُعبّأً بالمأساة والخواطر والاستسلام والغضب والأسى، بأسلوب بسيط ناضج اعتمد الصورة والإيحاء، وغاص إلى أعماق نفسية وحياة هؤلاء الناس، فأثار فينا من المشاعر والحركة أكثر مما يثيره فينا الشعر الحماسي الذي يعتمد التعميم والضجيج اللفظي، وتداخل الحاضر والماضي في هذه القصيدة تداخلاً رائعًا أمدّ القصيدة بالحياة والدينامية والحرارة وأوحى لنا أننا لم نكن وانتهينا بل كنا ونكون. 

والقصيدة الثانية قصيدة "في صف الأعداء" تشير إلى مقدرة الشاعر على تحويل كل ما يصادفه في الطريق إلى شعر.. وإلى مقدرته على هضم واستيعاب الحدث اليومي البسيط.. والعبور منه إلى عوالم واسعة، فمن خلال البحث عن أغوار الزنجي البحّار الذي صادفه في الطريق ودعاه لتناول كأس، انتقل بنا الشاعر بدون أن يقطع الخيط، إلى فضح عاصمة "العالم الحر" وإلى دقات طبول السامبا في أفريقيا. وإلى كوبا.. الأنثى الإسبانية. وأثبت الشاعر أن الشعر الكبير يبدأ من الشيء الصغير.. وانطلق في هذه القصيدة من الشكل الدائري إلى الشكل المنبسط الواسع.

والقصيدة الثالثة قصيدة "مطر الفولاذ" وهي ذات قيمة خاصة، فقد برهن الشاعر فيها مقدرته على استيعاب التطور الحضاري الذي يرمز له المصنع، ونسف ما يُروّجُ عن الشعر من أنه لا ينبت إلا من الحرمان والتشرّد والأغلال والأحزان، ويعجز عن الفرح إذا وُجدَ ما يسبب الفرح. انه استطاع- دون أن يخدش الفن- أن يُغازل الآلة، وتحوّل فهمه لقيمة الصناعة في تطوّر أمتنا وانطلاقها على درب الحضارة، إلى إحساس صادق لا زيف فيه ولا تكلُّف".

محمود درويش(مجلة الجديد، 1965)

  • مارد سُجن في قمقم

"ندر أن قرأت قصيدة لسميح القاسم إلا ووجدت فيها هذه النبرة الصيّاحة التي كأنها من مارد سُجن في قمقم، تهيب بالسامع إلى الإصغاء، مهددة بالكف عن الصياح إن هو لم يعرها كل سمعه.

من هنا، نحن في هذا الوقت، مع الشعر الصيّاح الذي لا ينضبط بحدود، وتكون القاعدة فيه أن لا قاعدة، أي تكون خلقًا مستمراً، مفسحًا المجال بالضرورة لخلق آخر، يضع سطوراً شعرية بأحجام الصيحات التي هي الفعل الطبيعي لعملية تأثر، لحدث، لظاهرة ما، يقوم الإيقاع الداخلي فيها مقام النغم الذي لا يعرف السكون إلا لحظة التحوّل إلى أنغام جديدة، أكثر غنى، وأكثر تعبيراً، يخضعها الشاعر الخلاق لموجبات نظرته، وينظم عقد مفردات تحمل اللون، والضوء، والشحنة العاطفية والإيقاع، والحيوية، التي تشكل جميعاً عناصر الإيلاد الذي يفتح أمام الشاعر حقلاً واسعاً من التطور والتحرّك، يكون فيه الاختيار الحر لوجهة نظر ما، غير مشروط بسوى الموضوع، أو لحظة الموضوع.

أجل. نحن بجانب هذا اللون من الشعر، في هذه المرحلة من تاريخ الأمة،وقد أصبحت بدون صوتٍ صيّاحٍ، أو تكاد".

د. ميشيل سليمان(مجلة الآداب)

  • تطويع الأساليب

"في قصيدة سميح القاسم أكثر من صوت وأكثر من أسلوب في التعبير، ولكن التنوّع هنا يخدم التجربة ويزيدها قوة وعمقًا. فهي تجربة إنسانية حيّة متشابكة تحتوي الوعي والحب والتمرد والثورة والميلاد والموت، تكوّنت من كل تلك العناصر متحدة في شخصية بطل المقاومة الشهيد. إلا أن عنصراً بعينه هو الذي يقود حركة البطل في كل مرحلة ويضفي عليها طابعاً مميزاً فيتحقق التكامل في بناء القصيدة الدرامي على نحو أشبه بتكامل آلات الأوركسترا المتنوعة التي تعزف مقطوعة واحدة وإن اتخذت موضع القيادة الآلات المختلفة أو المجموعات المختلفة طبقاً للتغيرات التي يقتضيها تطوّر اللحن باعتباره مثل القصيدة فنًا زمانيًا لا يكشف معناه الكلّي إلا من خلال التتابع.

استطاع سميح القاسم أن يقدّم لنا تجربة عظيمة الخصب وأثبت أن الشكل الفني الناضج والوعي الفني الناضج قادران على تطويع كل الأساليب لخدمة التجربة الإنسانية".

شوقي خميس(مجلة الآداب)

  • الشعر العظيم

"إن الإيغال في الهموم الذاتية هو خروج عن الشعر العظيم، كما يرى إيليوت. فالشعر يكبر بمقدار ما يكبر الهم، لا بمقدار ما يكون حادًا وقويًا ومحصوراً في قوقعة الذات التي لا ترى النور، فلا يفهمها أحد.. وعلى هذا، فإن القاسم شاعر عظيم وفقًا لمعايير إيليوت".

حنا عبود (مجلة "الشروق"/ الإمارات)

  • التناصّ مع التراث الديني

اعتمد سميح القاسم في تشكيل وبناء الكثير من قصائده على التناص مع التراث الديني؛ الإسلامي والمسيحي وبعض من رموز التوراة؛ فتماهت نصوصه وتناصت مع عدد من الآيات القرآنية، والشخصيات والقصص الدينية.  وهو ما أعطى للقصيدة جماليتها وتأثيرها. لكن، بالإضافةِ إلى هذه الوظيفة الأسلوبية التي يحققها التناص، هناك أبعادًا و وظائفًا سوسيولوجية، يُمكن الكشف عنها بالنظر إلى فعل استدعاء التراث على أنّه فعل واعي وموجّه من الشاعر نحو غايات وأهداف اجتماعية وثقافية لها أبعادُها السياسية والنفسية. مثلًا؛ في التناص القرآني واستخدام الرمز المسيحي، قال: "أرضنا من عسل- يحكى- بها الأنهار - يحكى - من حليب/ أنجب يحكى - كبار الأنبياء/ وعشقناها/ ولكنّا انتهينا في هوانا أشقياء/ وحملنا كل آلام الصليب".

إنّ قراءة هذا النصّ، قراءةً واعية بأهداف الاحتلال الرامية إلى تهويد القدس، أرض الأنبياء والديانات السماويّة في الثقافة العربيّة والفلسطينيّة، تمكنّنا من القول بأنّ سميحًا حين جمع ما بين الموروث الإسلامي لمّا صّور أرض فلسطين بالجنة والموروث المسيحي حين شبه الاستعمار بفعل الصلب المؤلم، كان يوظّف رمزيتهما ليؤدي دورًا في ما يتطلبه الواقع الاجتماعي والثقافي من ضرورة الحفاظ على هويّة الأرض وتاريخها. ساعيًا للحفاظ على الهوية الدينية للدولة الفلسطينيّة من ثقافة الآخر الساعية إلى طمسها، وردًّا على كيانٍ احتلاليّ استيطاني يشرعنّ وجوده بناءً على إرثه الديني ومعتقداتٍ تطهيرية مزعومة.

إيمان بديوي، "في المِنْفَضَةِ الشِعريّة لِسميح القاسم"

  • حزين حتى الموت 

"عن "دار الجديد" في بيروت صدر ديوان جديد للشاعر الفلسطيني سميح القاسم عنوانه "الكتب السبعة" فيه سبع قصائد طويلة هي: كتاب المنفى، كتاب الوداع، كتاب البرج الثالث عشر، كتاب القلق، كتاب كارولاين، كتاب السرنمات، وكتاب الستّة.

وما وراء الديوان مرارات الواقع والتجربة والضباب والرؤية القاتمة. وفي ديوانه الجديد(عفواً، ديوان الرّبذي كما يرويه سميح القاسم) شظايا من هذه المرارات، فالشاعر حزين حتى الموت، نفسه تئنُّ فيه، ولا توجد تعزية، كأنه مجرد معبّر حديث، لا عن أفكار الرّبذي، بل عن أفكار مواطنه القديم السيد المسيح، الذي اكتأبت نفسه أيضاً حتى الموت، ومصدر الاكتئاب القديم والحديث واحد!".

جهاد فاضل( مجلة "الحوادث" /لبنان)

  • شاعر التمرّد العارم 

"سميح القاسم يتميّز ، كعادته، بتلك الشرارات الداخلية التي تقدح من شعره، وتحيط رؤيته الفنية بهالة غريبة، فهو شاعر التمرد الحار العارم، وتمرّده يبدو جليًّا عند منعطفات القصيدة ومفاصلها. وهو شاعر المعنى بما يخفيه من رموز ويستبطنه من تأويلات، في أزمنة القهر والتردّي.. وهنا نجد أن الشاعر سميح القاسم يعرف كيف يستفيد من التراث الشرقي الذي تمثّله واستوعبه، ليعيد اعتماده كمسوّغ يدعم بُنية قصيدته التي نشأت في بؤرة التوتّر والغليان".

هاشم شفيق( مجلة "الوسط" / لندن)

  • يُدخّن البلاد وحيدًا

""الكتب السبعة" الصادرة أخيراً في بيروت عن دار الجديد، مجموعة أنيقة كتبها القاسم، كما في كل مرّة، بـ "لغة من حفيف الشجر"، لتتركه فيما بعد "بيارق حزنه مهلهلة في الرياح الغريبة" وخائفاً من "أن يعود النهار/ لأرى شجراً يابسًا عابسًا/ لا طيور وما من ثمار".

لا يمكن لقارئ "الكتب السبعة" رواية عن الرّبذي، أن يبقى على الحياد. وثمّة شعور بالتواطؤ منذ اللحظة الأولى. ويحمل هذا التواطؤ معنى الانزلاق اللا إرادي إلى قلب القصائد وما تحمله من رموز وإشارات. وليس في وسع القارئ هنا، سوى أن يُؤخذ بشغف يشد الشاعر في اتجاه عبثيّة الحياة، فنقرأ: "لنغرس على تلّة الحزن تفاحةً/ ولنقُل شوقنا/ لهديل المطر". أو حين يحاول العالم الخارجي أن يسيء إلى الشاعر وإلى فلسفته الموازية في كثير من الأحيان للعبث واللامعقول: "وأرى مُدنًا في ثياب الحداد المزركشةِ الزاهية/ مُدنًا فوق أدمعها طافية/ في ميادينها/ خيمتي الخاوية"، وفي امتلاكه تقرير حياته وموته، أو ساعات عذاباته المتواصلة في جسده كموت بطيء في المدى الزمني الكامل، أي في الليل والنهار، وحتى في حالات الحلم المتعددة: "لا تحزن يا ولدي/ لا تحزن/ قبري في جسدي"، أو كما في قوله: "أنا قتيل القهر/ أنا شهيد الدمعة الخاسرة/ في أمّةٍ فاقدة الذاكرة".

وفي "الكتب السبعة"، أخيراً، استدعاء لأرض الطفولة، خصوصاً الأماكن التي عاش فيها، أرض أمه وأبيه، ومرافئ الضوء فيها والتعاسة كي تنسج شعراً غنائيًا بهدوء خاص، وعمق وكثافة. قصائده أشبه بالأغاني المنخفضة المتشّحة بالحداد والرحيل والسفر، يتلوها القاسم علينا بألوان احتفالية داخلية".

إيفان مرشيان ( مجلة "الدوليّة"/ باريس)

  • نغمة نبوئيّة 

"سميح القاسم شاعر غزير الإنتاج، ودواوينه تشكّل مذكرات شعرية للآلام والمراثي والتحدي والتمرد والأحلام والآمال الفلسطينية. سميح القاسم يستجيب ويرد على المواقف بانفجارات شعرية. في قصيدته "شخص غير مرغوب فيه" (1986) يصوّر سميح القاسم الوضع السياسي العام للشعب الفلسطيني المتهم دائماً وغير المرغوب فيه في كل مكان. في هذه القصيدة يحرّر سميح القاسم الهوية الفلسطينية من التشويه وهو يواجه محاولة تهميش الإنسان الفلسطيني شعريَا بلغة قوية لها صدى الإيقاعات القوية للنصوص المقدّسة والنغمة النبوئيّة للشعراء القدامى.

فن الشعر لدى سميح القاسم يهدف إلى بناء موضوع متكامل من الشذرات والتناقضات. أسلوبه وطريقته الشعرية يمكن مقارنتهما بأسلوب وطريقة الشاعر الأمريكي "وولت ويتمان". إن قصيدة "شخص غير مرغوب فيه"بطريقتها وخصوصيّتها توازي قصيدة ويتمان المسمّاة "أغنية عن نفسي". إن ما يميّز شعرهما هو ذلك الخفقان العاطفي والنبض المقاتل والتحرر الغامر وهما يقطّران ذاتيهما في الذات الجماعية، التناقض بينهما يكمن طبعاً في الامتداد الجغرافي لأمريكا وولت ويتمان والعمق التاريخي لفلسطين سميح القاسم". 

د. فريال غزول (الأهرام الإنجليزية/ القاهرة)الشاعر الراحل سميح القاسم (مؤسسة سميح القاسم)الشاعر الراحل سميح القاسم (مؤسسة سميح القاسم)الشاعر الراحل سميح القاسم (مؤسسة سميح القاسم)الشاعر الراحل سميح القاسم (مؤسسة سميح القاسم)الشاعر الراحل سميح القاسم (مؤسسة سميح القاسم)

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية