حضرتُ مؤخرًا ندوة لإشهار رواية عين الزيتون للأديب الفلسطيني الكبير محمد علي طه. كانت القاعة تشبه الوطن نفسه؛ مزدحمة بالحنين، ومغمورة برائحة الأرض التي تحدّث عنها الكاتب كما لو كانت أحد أقربائه القدامى. جلستُ أستمع بانتباه إلى البروفيسور مصطفى كبها والدكتور رياض كامل، وهما يغوصان في عمق الرواية، يحلّلان ويستحضرَان صورًا من المكان والزمان والوجع. ثم جاء دور الكاتب، فكان حضوره طاغيًا، صوته يحمل شيئًا من دفء القرى وملح الحكايات القديمة.
تحدث محمد علي طه عن هوسٍ لازمه لسنوات — هوسٌ بالبحث عن الشفاه التي لم تتكلم، عن القصص التي نامت في الصدور ولم تُروَ. قال إنه كان يطوف القرى المهجّرة، يبحث عمّن بقي من أهلها، يجلس معهم ليستمع لا إلى التاريخ الرسمي، بل إلى الهمس الأخير قبل الرحيل. أراد أن يعرف كيف كان شكل اليوم الأخير قبل التهجير: وانا سرحت بهذه اللحظة بالتفاصيل الصغيرة التي هي الحياة ،ماذا طبخت الأمهات في ذلك الصباح؟ أين خبّأ الآباء مفاتيح البيوت؟ هل التفت أحدهم خلفه وهو يخرج من الدار؟ وأدركت مرة اخرى ان هذه التفاصيل الصغيرة، هي ما يصنع الحقيقة، وهي ما يعيد تشكيل الذاكرة من لحمٍ ودمٍ، لا من نصوصٍ وأرقام.
شدّني حديثه بعمق. أحسست أن الكاتب لا يكتب الرواية فحسب، بل يعيشها، وأن شخصياته ليست من ورق، بل من نبضٍ يشبه نبضه، ومن وجوهٍ ربما رآها في طفولته، أو سمع حكاياتها في جلسات المساء. وجدتني أتماهى معه، فأنا أيضًا، رغم أنني لم أعش النكبة، أتعامل معها كما لو كنت هناك. كأنّ الذاكرة تسكننا دون إذن، كأنها تسري في الجينات، في الإيماءات، في صمت الجدّات حين تمرّ صور الوطن على الشاشة.
عدتُ إلى البيت محمّلةً بأسئلة أكثر من الأجوبة، وبدأتُ على الفور بقراءة عين الزيتون. ليست هذه أول رواية أقرأها عن النكبة؛ فقد عشتُ من قبل مع الملهاة الفلسطينية، ومع يافا تعدّ قهوة الصباح، وعندما ينام العالم. لكن هذه المرة كانت مختلفة. لم تفتح الرواية أبواب الذاكرة فحسب، بل فتحت بابًا للحوار مع ذاتي، بل ومع زوجي أيضًا. وهو طبيبٌ اعتاد النظر إلى الألم من زاويته الجسدية.تحدثنا طويلًا تلك الليلة. كنتُ أروي له عن وجعي الداخلي، عن الإحساس بأننا نحمل ذاكرة لا تخصنا زمنًا، لكنها تخصنا وجعًا. وهو، بعين الطبيب، كان يصغي بإحساس العالم والإنسان معًا، ويتحدث عن نظريات في علم الوراثة العصبية وعن الذاكرة الصدمية التي قد تُسكن الألم في الخلايا وتورّثه بين الأجيال. كان الحوار بيننا مزيجًا بين الطبّ والأدب، بين ما يُرى تحت المجهر وما يُحسّ تحت الجلد. وسألت نفسي بعده:
هل نحن، كفلسطينيين، نحمل في جيناتنا صدمة لم نختبرها بأنفسنا؟
هل نحن أبناء الجرح نفسه وإن وُلدنا بعد عقودٍ من حدوثه؟
لستُ أخصائية نفسية، لكنني أرى في حياتنا اليومية ما يشبه أعراض ما بعد الصدمة: الغضب الكامن، الخوف الموروث، الحذر المبالغ فيه، والتمسك بالأشياء الصغيرة كأنها دروع ضدّ الفقد.
وهنا، تتقاطع الرواية مع الواقع. أتساءل وأنا أتابع ما يجري في غزة والضفة: كيف ستكون ذاكرة الأجيال القادمة؟ هؤلاء الذين لم يعيشوا يومًا من دون حصارٍ أو قصفٍ أو خوفٍ من الغد، هل سيحملون صدمتهم في دمائهم؟ أم أن الصدمة، حين تتواصل بلا انقطاع، لا تترك مجالًا لمرحلة “ما بعد” أصلًا؟
كل جيلٍ من أجيالنا حظي بوجعه الخاص، بجرحه المرتبط ليس فقط باسم مكانٍ فقده. ومع ذلك، يكتب محمد علي طه، ونقرأ نحن، ونسأل، ونحاور. لأنّ الكتابة، في نهاية الأمر، ليست ترفًا، بل فعلُ مقاومةٍ ضدّ النسيان، وضدّ موت الذاكرة.
ومع ذلك، يكتب محمد علي طه، ونقرأ نحن، ونسأل، ونحاور.
فالكتابة، في النهاية، ليست ترفًا، بل هي طريقتنا في لملمة ما تبقّى من ذواتنا، وفي تحويل الألم إلى ذاكرةٍ ناطقة بدل أن يظلّ صمتًا خائفًا تحت الجلد. الأدب، في حالتنا الفلسطينية، ليس مجرد حكاية تُروى، بل هو أيضًا علاجٌ جماعيٌّ لجراحٍ مفتوحة لا تجد طريقًا للشفاء إلا بالبوح. حين يكتب الكاتب، وحين نقرأ نحن، كأننا نضع يدنا على موضع الألم فنهدأ قليلًا، نرتّب فوضى الذاكرة، ونمنح أرواحنا فسحةً من التنفّس. الكتابة لا تمحو الصدمة، لكنها تمنحها معنى، وتحولها من عبءٍ صامت إلى ذاكرةٍ ناطقةٍ تصرّ على الحياة.
عين الزيتون ليست مجرد رواية، بل مرآة لذاكرتنا الجمعية، ونداءٌ لأن نحكي — لأنّ الحكاية، في نهاية المطاف، هي طريقتنا الوحيدة في البقاء.
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

