كابوس جعلني ثملًا في خمّارة الخيال

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

وضعت رأسي على وسادتي المحشوَّة بالاسترخاء، غطَست في مغطَس النوم من كثرة التَّعَب، وظهر لي كابوس مزعج، جاءني من خمّارة خيالي، التي تبلور فيها على غير عادة، وأحضر لي فتاة وهميَّة، تتحرَّك بصورة غريبة، وكنتُ "البطل" الذي "ساعدها" بأمر ما، لأجعلها تحبَّني!... إجراء تافه، لا أقبل اللجوء إليه، لأنه فرضه عليّ مُكرَهًا... بدأت فظائعه القذرة تتصاعد أكثر، فأدخَلَني الكابوس في مشهدٍ غريب معها، غير معقول عمليًّا، بأنّها شرِّبتني زجاجة اللوعة، على أساس أنّي "هائم" بها، كلها توليفات لا تُصدَّق، لا أساس لها.

تَرَكها الكابوس تقيدني بسلاسل "استحواذها"، زحفتُ مرغمًا على إسفلت تجربة مغبرَّة بالغموض، بلا ضمانة توفِّر لي فتات نجاح، تَدَحرَجَتْ تحتي حجارة الطيش، ضربت جسدي بقوَّة، متحمِّلًا آلامها... أنا مدركٌ أنّي لم أفعل هذه الأمور. "ابتدع" الكابوس عاصفة عاطفيَّة في موقع خمّارة الخيال، وأغلقت جميع منافذ خلاصي... أتلَفَتْ ثمار تصرّفاتي اليانعة... كسَّرَتْ أغصان وفائي التي تفرَّعت من نبتة إنسانيَّتي، هذه "الإثارة الحمقاء" التي عايشتها في هذا الكابوس، هي لشيطنة أي شيء يدعو للتفاؤل.

وضع خطوط وفاق متعرِّجة لحب قسريٍّ، منبوذٍ، تفُوح منه رائحة "النصر"، لكي يجعلني أقول لها ما أريد دون تردُّد، أو حتّى أقيم اعتبار لأحد، متخلِّيًا عن الخوف. دفعني الكابوس لمقاومة ميليشيا عزيمتها وسط ميدان كبريائها، دفعني لأهزمها، فكان له ما أراد، دون أن يدعها تُسجِّل ساعة وقوع هذا "الاعتداء اللفظي" الذي رفضه عقلي، لأني لست كذلك. كانت لقطات قبيحة، غير متكاملة، مأخوذة من أجواء الكابوس المشتعلة هذيانًا، مُحتلًّا خمّارة خيالي لفترة وجيزة، بعد أن ملأها بخيوط المخاوف، التَّوتُّر والاضطراب، تشَابكت ببعض!!

بعد هذه الهجمَة المُرَّة، التي قامت بها قيادة الكابوس من الخمّارة، استيقظتُ بفزع، وكأنَّني مررت بعملية غسل لمشاعري. غابت تلك الفتاة عنّي بسرعة، خلف بحر اللحظات الغارقة في أعماق التعاسة. انفَصَل الكابوس الجاني أخيرًا عن مسار قلقي... تائهًا في فضاء الغياب الرّحب. في اليوم التّالي تطاير من رأسي دُخان أنوثتها، واختنق كل ما قلته لها، ولم أعُد أتذكّره.

تأثير الكابوس زائل منذ البداية، لا يمثِّلني ولا بأي شكل، لا يُشبه حكاياتي العاديَّة، لأنه قادني إلى عالم مليء بتخاريف غراميَّة شخصيَّة، لم أقُم بها، ولا أجرؤ على تنفيذها حتّى... شاهَد قلبي كل شيءٍ، لكن نبضات ذكرياته لم تهدأ لغاية الآن، فليس أمامه إلّا استيعاب ما حدث، لأنه لا يريد أن يُحمِّلَني ذنبًا أكبر. خِفْتُ من لمعان برق الغضب في عَينَي، لئلّا يخطف رؤيتي المنسجمة مع واقعي، متجنِّبًا سماع رعد المنطق الذي هزَّ عقلانيَّتي، متبرِّئًا من الثّمالة، التي ألصقها بي الكابوس في خمّارة خيالي.

لم أستطِع التَّعرُّف إليها، لصعوبة مقاربة شكلها مع إحدى الفتيات اللواتي أعرفهن، لأن الكابوس أخفى ملامحها... أزال اسمها من سجِلّات الأيّام، ممّا يعني أنه حَمَلَها معه كإعصار خريفيّ، اجتاح محيط ذاكرتي فجأة، ممزِّقًا هويَّتها... أنا في تلك الليلة، عرَفت قدرة الهلع على افتعال أي نوبةٍ ذعر داخليَّة. عَصَرَ الليل عصير الفجر الخمري في كأسٍ نديّ، وامتلأ بنور الصّباح، شربته لوحدي، ولم آتِ أبدًا على ذِكْر هذا الكابوس، لئلّا يتعكّر فنجان صفائي، محاولًا الحفاظ على اتِّزاني الذي اختلّ توازنه، لأرمِّم نفسيَّتي التي تضرَّرت قليلًا من قاذفات الأحداث الثقيلة.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية