ترجمة| د. أساف دافيد: بغض النظر عن مصير خطة ترامب فقد خرج مارد الترانسفير من القمقم

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

ترجمة الاتحاد

د. أساف دافيد هو رئيس قسم "إسرائيل في الشرق الأوسط" في معهد فان لير ومؤسس مشارك لمنتدى للتفكير الإقليمي، والمدير الأكاديمي له. يدرّس في قسم العلوم السياسية في الجامعة العبرية ، وقام بالتدريس سابقًا في قسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة بن غوريون. نشر المقال على صفحة الكاتب الشخصية في فيسبوك


أحد التأثيرات المحورية لخطة ترامب يتمثل في إضفاء الشرعية وإكساب المصداقية للنوايا والرغبات والاستعداد الذي يبديه معظم الجمهور اليهودي-الإسرائيلي تجاه تنفيذ تطهير عرقي بحق الفلسطينيين، متى ما تهيأت الظروف الدولية المواتية لذلك. في هذا السياق، المسألة ليست محل نقاش أخلاقي، ولا حتى تساؤل حول مدى قابليتها للتنفيذ، بل تنحصر المسألة في مدى توفر الغطاء الخارجي لتنفيذ التطهير العرقي. فإذا كان هناك دعم دولي، يصبح لأمر بالنسبة لهم قابلاً للتنفيذ.

من هذا المنظور، لا أهمية لما قد يحدث لاحقًا؛ فقد ينشغل ترامب، على سبيل المثال، في غضون أسبوع بفكرة مفرطة في العظمة في بقعة أخرى من العالم، متخليًا عن هذا المشروع، إلا أن الضرر الأساسي قد وقع بالفعل، إذ أُطلقت الديناميكيات التي لا يمكن الرجوع عنها، المارد خرج من القمقم. الفلسطينيون يدركون هذا الواقع بوضوح، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو داخل إسرائيل نفسها. وترسخ  التصور الذي يظن الجمهور الاسرائيلي أنه بمثابة "وصفة لتحقيق الأمن طويل الأمد" لليهود بين البحر والنهر.

تأثير جوهري آخر يتمثل في تعزيز سلطة الحكومة اليمينية المتطرفة، ولا سيما تيار سموتريتش وبن غفير، الذي يجعل من الترانسفير حجر الزاوية في برنامجهم السياسي المعلن. وبما أن هذا التيار لطالما خطط ونفذ استراتيجيته بينما كان الآخرون غارقين في سباتهم، فمن المؤكد أن مصير خطة ترامب ليس ذا أهمية كبيرة بالنسبة لهم، إذ إنهم يعملون بالفعل على المرحلة التالية. وزير "الأمن" – الذي أصبح مجرد واجهة فارغة داخل مقر وزارة الأمن في الكرياه لنتنياهو، قد أصدر بالفعل "تعليماته" للجيش للاستعداد لمشروع إخلاء غزة. في الوقت ذاته، يعمل تيار سموتريتش على تنفيذ المخطط الموازي في الضفة الغربية. ولا ينبغي إغفال أن من زرع هذه الأفكار في ذهن ترامب الفارغ والخطِر هم بالأساس المسيانيون المتطرفون في حكومة نتنياهو، الذين يشكّلون قوة نافذة ومتزايدة التأثير.
 

ليس مهمًا إطلاقًا مصير الخطة، ما إذا كانت قابلة للتنفيذ بالكامل أو جزئيًا، ولا نوع الهندسة السياسية العالمية والإقليمية التي ستتطلبها. الهدف الأساسي منها هو تعزيز قوة نظام نتنياهو، وقد نجحت في ذلك بالفعل. الطاغية الإسرائيلي بات قادرًا من جديد على فعل ما يشاء – في إسرائيل، في غزة، في الضفة الغربية، في لبنان، في إيران.

ويمكن صياغة الأمر على هذا الشكل: حكومة نتنياهو أصدرت أوامرها للجيش بتدمير غزة بالكامل بحيث تصبح غير صالحة للحياة لمدة عقد على الأقل، فامتثل الجيش ونفّذ المهمة دون تردد. في الوقت ذاته، عمل نظام نتنياهو على دعم حملة ترامب ضد كمالا هاريس عبر سلسلة من التحركات المدروسة:

-إبقاء الأسرى والمختطفين في غزة، فالمعاناة ليست مشكلة ما داموا لا يزالون على قيد الحياة.

-تمكين الحريديم والصهيونية الدينية عبر منحهم ما يشاؤون، حيثما أرادوا، ضمن سياسة "البوفيه المفتوح".

-إفشال أي اتفاقات لإنهاء الحرب في غزة أو تحقيق تقدم سياسي وإقليمي.

وبمجرد فوز ترامب، كان الطاغية الإسرائيلي حاضرًا فورًا، حاملًا خطته الجاهزة لإجبار سكان غزة على الرحيل – طبعًا، "بإرادتهم الكاملة". فمن ذا الذي سيختار البقاء في كومة الخراب والدخان هذه؟

إذن، خطة الترانسفير ليست سوى هدية ترامب لنتنياهو، مكافأةً على جهوده في مساعدته لاستعادة السلطة في الولايات المتحدة. مرة أخرى ليس مهمًا إطلاقًا مصير الخطة، ما إذا كانت قابلة للتنفيذ بالكامل أو جزئيًا، ولا نوع الهندسة السياسية العالمية والإقليمية التي ستتطلبها. الهدف الأساسي منها هو تعزيز قوة نظام نتنياهو، وقد نجحت في ذلك بالفعل. الطاغية الإسرائيلي بات قادرًا من جديد على فعل ما يشاء – في إسرائيل، في غزة، في الضفة الغربية، في لبنان، في إيران... حظر الأسلحة الجزئي الذي فرضه بايدن تم رفعه، والآن هناك ما يكفي من القنابل لضرب أي مكان تختاره إسرائيل. صحيح أن الجيش ربما يفضل التوصل إلى تسوية بدلًا من التصعيد، لكن يسرائيل كاتس سيتكفل بـ"تأديب اليساريين" داخل المؤسسة العسكرية (انظروا إلى التوبيخ الذي وُجّه لرئيس الاستخبارات العسكرية لأنه تجرأ على التحذير من خطر التصعيد!). أمراء المافيا السياسية يريدون أفعالًا، لا أقوالًا. وماذا سيفعل الجيش بكل هذه القنابل؟ هل سيتركها لتصدأ في المخازن؟ لا، الأفضل إلقاؤها في مكانٍ ما. ليس هناك ضرورة للإسراع أو التنفيذ دفعة واحدة، فالوقت في صالحهم. الديكتاتور اشترى لنفسه شهورًا إضافية في السلطة، وكل ما عليه الآن هو التصرف بحذر مع ترامب، حتى لا ينقلب عليه.

ترامب الآن مهتمّ بفكرة "ريفييرا في غزة"، وليس بضربة لإيران. وإسرائيل الآن تركز على إخراج الفلسطينيين من غزة، وليس إخراج حماس منها. كان من الممكن حشد ترامب والعالم العربي بأسره للتوصل إلى اتفاق يتفق الجميع دون استثناء على ضرورته، وهو: إخراج حماس من غزة. لكن بالنسبة لنا، فإن غزة بدون فلسطينيين أفضل من غزة بدون حماس. بعبارة أخرى، تحالف "الليكود-حماس" الذي كان حتى في 6 أكتوبر يعود بقوة. نظام نتنياهو بحاجة إلى بقاء سموتريتش في الحكومة، ولذلك يحتاج إلى استمرار حماس في غزة. لا قدّر الله، ماذا كان سيحدث لو نجحنا في إقناع ترامب بالموافقة على الاتفاق بجميع مراحله، وإنهاء الحرب، وإخراج حماس من غزة؟ كنا سنجد أنفسنا أمام غزة مدمرة، لكن بداخلها مليونا فلسطيني، وسلطة فلسطينية، وإعادة إعمار، وفي غضون عقدين من الزمن، سيكون هناك فلسطينيون في غزة يعيشون بهدوء؟ لا سمح لله!

أعطني سموتريتش في الحكومة، والسنوار وعصابته في غزة، وحماس تعيد بناء نفوذها، وخطة ترانسفير تعرقل استمرار الاتفاق وتوحد سكان غزة مجددًا حول حماس—وهكذا نحصل على ملعب جديد لليمين والجيش، صحيح أنه مدمر تمامًا، صحيح أنه لم يعد "ممتعًا" كما كان، لكنه لا يزال مساحة للعبث. وأما المختطفون؟ أي مختطفون؟ لقد حرر "الطاغية" نتنياهو 70-80% منهم بالفعل، ألا يكفيكم ذلك؟ إنها حرب، ولا يمكنكم أن تكونوا طماعين أكثر من اللازم.

كل الأنظار تتجه نحو الأردن، باعتبارها الحلقة الأضعف على رقعة هيمنة ترامب ونتنياهو. وكما يحتاج نظام نتنياهو إلى بقاء حماس في غزة، فهو بحاجة أيضًا إلى سقوط النظام الهاشمي، بحيث تصبح الأردن رسميًا "الوطن البديل" للفلسطينيين. ترانسفير من غزة، ترانسفير من الضفة، كل شيء ممكن—بالطبع برغبة "طوعية"، وليس قسرًا عبر الحافلات! يكفي فقط تدمير مخيم اللاجئين في جنين كما دُمّر مخيم جباليا، وعندها سيضطر "هؤلاء المساكين" إلى إيجاد مأوى لهم في مكان آخر، إلى أن نُقيم مستوطنات جديدة، لصالح "جميع سكان المنطقة"، بطبيعة الحال.
 

ما مصالحة تاريخية، أو التدحرج نحو "خطة الحسم" التي يقترحها سموتريتش. ما يُفَسَّر من قبل منتقدينا على أنه نهج "يساري راديكالي" هو في الواقع نظرة واقعية للواقع.

في الماضي، كانت إسرائيل بحاجة إلى النظام الهاشمي كحليف. لكن خلال العقدين الأخيرين، عملت حكومات اليمين ضد المؤسسة الأمنية-العسكرية؛ فبينما تحتاج هذه المؤسسة إلى السلطة الفلسطينية والنظام الهاشمي كحلفاء استراتيجيين لمكافحة "الإرهاب"، تحتاج حكومات اليمين إلى "الإرهاب" نفسه كحليف استراتيجي ضد السلام. لهذا، عملت على تقويض السلطة الفلسطينية وإضعافها، والآن يمكنها تقويض النظام الهاشمي أيضًا.

لم يعد بإمكان المؤسسة الأمنية-العسكرية مقاومة هذه السياسات كما في السابق، إذ إنها مستنزفة، بينما يواصل اليمين الديني إحكام قبضته عليها من الداخل، بقيادة نظام نتنياهو. لم يتبقَ سوى دفعة صغيرة، وسنرى الجيش يدعم "حرب جدار سموتريتش" في الضفة، التي قد تهدد استقرار الأردن. لا بأس، فجميع سكان الأردن فلسطينيون على أي حال، فليتدبروا أمرهم معًا!

لقد باعت السعودية الفلسطينيين في اتفاقات أبراهام. لا يوجد ضمان بأنها لن تفعل ذلك مرة أخرى. مصر مفلسة وتتعرض للابتزاز. الأردن أكثر إفلاساً وقابلية للابتزاز. كل ما يحتاجه الأمر هو أن يستمر نظام نتنياهو في التصرف بحكمة لجعل إدارة ترامب "تتحقق" "بحسم" من "إمكانية" خطة الترانسفير الخاصة به. فقط بما يكفي من المكافآت للسعوديين، وما يكفي من العصي للأردن ومصر، مع بعض الدفع من إسرائيل التي من جهة تستغل اليأس التام للفلسطينيين في غزة الذين يريدون أصلاً الرحيل، ومن جهة أخرى توضح بطرق مختلفة أنه لا يوجد لأي شخص سيبقى في القطاع فرصة لإعادة البناء الجسدي والعقلي تحت حكم حماس، العشائر، أو الأسوأ من ذلك، الفوضى – وها هي وصفة للترانسفير التدريجي الذي سيستمر لعدة أشهر وسنوات. بالطبع، "طواعية".

لقد كتبنا سابقًا بوضوح: إما مصالحة تاريخية، أو التدحرج نحو "خطة الحسم" التي يقترحها سموتريتش. ما يُفَسَّر من قبل منتقدينا على أنه نهج "يساري راديكالي" هو في الواقع نظرة واقعية للواقع. اليمينيون يصرحون عن هذا الواقع أو يخفونه، حسب الوقت والسياق. الوسط واليسار الصهيوني يفضلون ببساطة تجاهله وتخيل أنه غير موجود. لكن خطة الحسم هنا. ما نعيشه اليوم هو خطة الحسم هذه.

 طوال سنوات عديدة، تحدث اليسار الراديكالي عن الفصل العنصري في الأراضي المحتلة. اليمين أنكر ذلك، ثم بعد ذلك  بدأ يتفاخر به. الوسط واليسار الصهيوني شتموا وجادلوا، وفي النهاية اعترفوا بأنه الواقع. منذ بداية الحرب الحالية، ومع مرور الأشهر، قلنا "تطهير عرقي". اليمين لم يتحدث: استخدم الجيش لتنفيذه. الوسط-اليسار الصهيوني شتم وجادل. الآن، التطهير العرقي أمام أعينكم. 70٪ من الجمهور الإسرائيلي-اليهودي يدعمونه. ربما يجب أن تتوقفوا عن الجدال وتبدأوا في المعارضة؟

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية