*نوايا عملية الضم تدل على أن من يرفضون بأن يكون الفلسطينيون شركاء بدعوى أنهم يريدون تطبيق تصفية دولة اسرائيل على مراحل، هم فعليا يرفضون انفسهم، لأن الحركة الصهيونية في الحقيقة طوال تاريخها تسعى الى السيطرة على ارض اسرائيل الكاملة، لكن على مراحل*
التصريحات حول نية ضم غور الاردن والمستوطنات الى اسرائيل والتي يسمعها سياسيون من ازرق ابيض وحتى الطرف اليميني جدا في خارطة الاحزاب في اسرائيل على خلفية "صفقة القرن" للرئيس ترامب، تلقي بظلال ثقيلة على درجة مصداقية اسرائيل عندما تعلن عن رغبتها في انهاء الصراع.
وهذه التصريحات تدل على أن من يرفضون أن يكون الفلسطينيون شركاء في حل الدولتين – بذريعة أن هذا الحل سيحقق "خطة المراحل" الفلسطينية لاقامة فلسطين واحدة من البحر حتى النهر، مثلما اعلن عن ذلك نتنياهو في 1993: "سياسة م.ت.ف هي نظرية المراحل، وهدفها هو تدمير دولة اسرائيل وليس التوصل الى اتفاق معها".
الحركة الصهيونية وضعت منذ بداية تأسيسها ثلاثة اهداف وطنية – استراتيجية لاقامة دولة للشعب اليهودي: نظام ديمقراطي، اغلبية يهودية، على جميع اراضي فلسطين- ارض اسرائيل الانتدابية. هذه الشروط الثلاثة اعتبرت في البداية ما كنت سأطلق عليه "الحقيقة الجوهرية" للصهيونية، الهدف النهائي الذي يجب السعي من اجل تحقيقه.
تحقيقه كما قال هيرتسل سيكون نتيجة شرطين: هجرة يهودية جماعية تتغلب على الاغلبية العربية المطلقة (90 في المئة من السكان في 1922)، الذين يعيشون في البلاد، وستتحول الى اقلية متساوية الحقوق، ودعم دولي، كما تحقق بعد موته، عن طريق وعد بلفور في 1917 والمصادقة على صك الانتداب في عصبة الامم في 1922.
حلم "الحقيقة بجوهرها" هذا اضطر لمواجهة منذ البداية وحتى الآن الواقع الديمغرافي والسياسي في البلاد. وهذا أجبر الحركة الصهيونية على أن تضع سلم اولويات للاهداف الثلاثة المذكورة اعلاه، ونتج عنها ما كنت سأطلق عليه "الحقيقة في وقتها"، الهدف المؤقت، الذي يخدم في حينه فقط جزء من الاهداف، لكن في حالة تغير الظروف يبقي مجال لتحقيق الهدف النهائي. الحقيقة في حينها هزمت للمرة الاولى الحقيقة في جوهرها بنشر الكتاب الابيض الاول لتشرتشل والمصادقة على صك الانتداب في 1922.
الهستدروت الصهيونية اضطرت في حينه الى حسم موقفها بين مطالبتها بأن تضم الى فلسطين – ارض اسرائيل الانتدابية جزء من شرق الاردن (20 في المئة من المملكة الاردنية الآن) وبين التهديد البريطاني بالغاء البند الرابع في صك الانتداب الذي ينص على أن الوكالة اليهودية هي ممثلة الحاضرة العبرية، الامر الذي كان يسمح لسكان البلاد العرب بالمطالبة بتشكيل حكومة للسكان الاصليين. الهستدروت حسمت الامر لصالح البند الرابع، وشرق الاردن خرج من سلة الطلبات الجغرافية.
لجنة بيل في العام 1937 كانت محطة اخرى فيها "الحقيقة في حينها" تغلبت على "الحقيقة في جوهرها" واجبرت الحركة الصهيونية على أن تحدد موقفها الرسمي فيما يتعلق بتقسيم البلاد، وترتيب الاولوية للاهداف الثلاثة.
الحاجة الملحة الى اقامة كيان سياسي مستقل يمكنه استيعاب اليهود من اوروبا في اعقاب التهديد بصعود النازيين في المانيا هزمت حلم ارض اسرائيل الكاملة. مردخاي نمير أحسن وصف الاسباب الديمغرافية والسياسية لذلك في مؤتمر مباي في 1936: "تقليص المساحة – هذا هو الثمن الذي يجب علينا دفعه مقابل التأخير القاتل للشعب اليهودي في بناء البلاد وازاء النمو الكبير للحركة العربية".
وبعد سنة اضاف بن غوريون في رسالته لنجله عاموس: "ما نريده ليس أن تكون البلاد كاملة وموحدة، بل أن تكون البلاد الكاملة والموحدة يهودية. ولا شك لدي أن ارض اسرائيل كاملة – وهي عربية". ولكن نمير وبن غوريون اعتبرا هذا الخيار خيار مؤقت، وقاما ببلورة خطة المراحل الصهيونية من اجل تحقيق "الحقيقة في جوهرها".
واضاف نمير هناك "الاجيال القادمة...ستجد الطريق لاصلاح الاعوج". وبن غوريون كتب في رسالته: "دولة يهودية جزئية ليست النهاية، بل البداية... اقامة دولة، حتى لو جزئية، هي تعزيز للقوة بالحد الاقصى في هذه المرحلة. وستستخدم كرافعة ذات قوة كبيرة في جهودنا التاريخية لانقاذ البلاد بكاملها". الرفض العربي لخطة بيل وفر على الحاضرة العبرية الحاجة الى اثبات ذلك.
في 1947 هزمت الظروف التاريخية "الحقيقة في جوهرها". وخوف بن غوريون من اعادة صك الانتداب من بريطانيا الى الامم المتحدة، ومنع هجرة مئات آلاف الناجين من الكارثة الى البلاد، جعله يطرح في شباط 1947 على وزير الخارجية البريطاني في حينه، آرنس بيفين، موقف الحركة الصهيونية، بصفته رئيس الوكالة اليهودية والهستدروت الصهيونية: "التسوية الحالية الوحيدة الممكنة (في ارض اسرائيل) التي فيها اساس للانهاء، هي اقامة دولتين، دولة يهودية ودولة عربية".
هذا كان الموقف الرسمي والملزم للحاضرة العبرية من ناحية "الحقيقة في حينها". ولكن في نفس الوقت، في البيت الداخلي أسمع وخطط بن غوريون كيفية تحقيق "الحقيقة في جوهرها". وفي 22 أيار 1947 وفي الجمعية المنتخبة في القدس، سأل بن غوريون بصورة بلاغية: "هل يوجد بيننا من يختلف على أن الهدف الاصلي لوعد بلفور والانتداب... كان اقامة دولة يهودية في نهاية المطاف على كل ارض اسرائيل؟". وفي 17 ايلول 1947، في جلسة حزب مباي، اعلن بن غوريون بأنه يجب "اقامة دولة يهودية في الجزء الذي توجد فيه اغلبية يهودية... وفي الجزء الاخر، الانتظار الى حين وجود اغلبية يهودية فيه".
هكذا، في مرحلة رفض العرب لاقتراح التقسيم وشن الحرب من اجل الغائه، تغيرت الظروف بصورة مكنت اسرائيل التي ولدت حديثا من أن تضيف الى الـ 55 في المئة من الارض التي خصصتها لها خطة التقسيم، 23 في المئة من ارض اسرائيل. ولكن بعد انتهاء الحرب عادة وسيطرت "الحقيقة في حينها".
بن غوريون فضل عدم احتلال كل ارض اسرائيل وبرر ذلك في خطابه في الكنيست في نيسان 1949 بالقول إن "دولة يهودية في كل البلاد يمكن أن تكون فقط بديكتاتورية الأقلية... دولة يهودية في الواقع القائم، حتى في غرب ارض اسرائيل فقط، بدون دير ياسين، هي غير محتملة، اذا كانت ديمقراطية، لأن عدد العرب في غرب ارض اسرائيل أكبر من عدد اليهود".
وبسبب أنه منذ العام 1937 لم تتغير الظروف الاساسية في البلاد، استمرار المطالبة الوطنية الفلسطينية بدولة معترف بها من قبل المجتمع الدولي ووجود أكثرية عربية (بدون اللاجئين) بين البحر والنهر، فان الخيار الحالي لضم الغور والمستوطنات، من خلال ضم أحادي الجانب أو ضم برعاية الحكومة الأميركية، يختلف عن جميع الخيارات السابقة للقيادة الصهيونية في تاريخ النزاع من اربع جهات.
اولا، الحديث في هذه المرة لا يدور عن تهديد لقيام الدولة أو تهديد لأمنها ونظامها الديمقراطي، بل الحديث يدور فقط عن تحقيق الحلم المسيحاني، الوطني لخلق "بداية الخلاص" لاتباع الحاخام كوك و"حميرهم"، الذي يقتضي أن نرث البلاد من سكانها". ثانيا، الخيار المطلوب ليس نتيجة عرض من المجتمع الدولي ولا يلقى الدعم خلافا لاستنتاجات لجنة بيل وقرارات الامم المتحدة 181 و242 و338، بل هو نتيجة مبادرة أحادية الجانب من الحكومة الاسرائيلية التي تريد استغلال تأييد ترامب ازاء ضعف الفلسطينيين، والعالم العربي، الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة.
ثالثا، الضم سيخرق القرارات الدولية بشأن النزاع، ووثيقة الامم المتحدة والاتفاقات التي وقعت عليها اسرائيل مع مصر ومع الاردن ومع م.ت.ف، وتعهدت باحترامها. الاتفاق سيلغي أي احتمال لأن يخاطر الفلسطينيون مستقبلا بأي شيء (مثل نزع السلاح) وسيجعل الاردن يقف على ارجله الخلفية، ومصر ايضا. ويعطي ذخيرة أبدية لايران وتوابعها من اجل تبرير تدمير دولة اسرائيل التي تريد التوسع طوال الوقت. والاهم من ذلك أن هذا الخيار سيمنح للمرة الاولى اولوية لارض اسرائيل الكاملة على وجود ديمقراطية واغلبية يهودية في دولة اسرائيل.
هآرتس- 31/1/2020







.png)


.jpeg)


.png)

