مرة أخرى، كما في "ليلة غالانت" الشهيرة، تتوالى النداءات من كل حدب وصوب للتوجه بشكل عاجل إلى القدس لمنع إقالة رونين بار والنضال من أجل "ما تبقى من الديمقراطية الإسرائيلية". حتى الأشخاص اليساريون الحقيقيون، الذين يدركون مظالم الاحتلال يناضلون ضده، يشعرون أن هذا ليس وقت النقاء الأيديولوجي أو الانعزال، بل يجدون أنفسهم غارقين في محاولة تحشيد المزيد والمزيد من الناس إلى التظاهرة الضخمة.
في أماكن العمل، في الأوساط الأكاديمية، في الأحياء السكنية- في كل مكان، الأجواء مشحونة. مرة أخرى، الشعور بأنه "وصلنا إلى القاع" يترسخ، ومرة أخرى تسود أجواء التوتر والدراما لأن "هذه هي المسامير الأخيرة في نعش الديمقراطية الإسرائيلية".
إنه لمن المؤثر أن نرى مدى اهتمام الناس بهذا المكان ومدى استعدادهم لتكريس مواردهم، النفسية والمادية، للقتال من أجل طبيعته. هذا ليس تهكماً. لكن، هل يتذكر هؤلاء جميعاً أن الشاباك ورئيسه هما الرمز الأكثر وضوحاً للديكتاتورية الإسرائيلية، وأنه لا توجد أي صلة أو علاقة بينه وبين الديمقراطية؟ هل يدركون أن الشاباك ورئيسه هما الكابوس الذي يطارد تقريباً كل فلسطيني يعيش بين البحر والنهر، وخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة؟ وهل يهمهم أصلاً أن هذا الجهاز مسؤول عن جرائم مروعة كان من المفترض، في عالم أقل قسوة وفساداً، أن تُفضي إلى محاكمة المخططين والمنفذين وسجنهم لسنوات طويلة؟
رونين بار هو جزء من المشكلة، وليس جزءاً من الحل. وهو أيضاً المسؤول، إلى جانب الفظائع الأخرى المسجلة باسمه، عن إنهاء وقف إطلاق النار الليلة الماضية، ما أدى إلى مقتل أكثر من 400 فلسطيني، بينهم 150 طفلاً، بالإضافة إلى التخلي عن الأسرى الإسرائيليين والتضحية بهم.
أما نداف أرغمان، رئيس الشاباك السابق الذي ورّط نفسه بلعبه في ملعب رئيس الحكومة عبر تهديده الهزيل بأنه "سيكشف كل ما يعرفه" عن رئيس الحكومة، فلم يكن ذلك مجرد خطأ عفوي وزلة لسان. بل يبدو أنه تصرف كمدمن لم يتعافَ بعد من إدمان القوة والابتزاز، وهو الإدمان الذي لازمه طوال 37 عاماً من الخدمة في الشاباك.
الابتزاز هو أحد الممارسات الأكثر شهرة وسوء سمعة التي يتبعها هذا الجهاز، الذي ترأسه أرغمان لمدة خمس سنوات. ابتزاز المثليين، النساء اللواتي يخرجن عن الخط المحافظ، العمال غير الرسميين، وأي شخص لديه ما يخفيه ويمكن استغلاله ضده لانتزاع المعلومات منه، حتى لو كان ذلك على حساب أقرب الناس إليه. إنها ممارسة سادية تهدف إلى زرع الخوف وإجبار الضحية على الاختيار بين خوف صغير وآخر أكبر، وغالباً ما يكون الخوف من الشاباك هو الأقوى. فهل هذا هو "حارس الديمقراطية" الذي تخرجون للقتال من أجله؟ رونين بار لا يحمي الديمقراطية، بل يدمرها.
"نحن لا نتظاهر دعماً لرونين بار أو للشاباك، بل ضد حكومة تسحق الديمقراطية"، هكذا كتبت لي صديقة يسارية عزيزة. أنا أصدقها. ولكن ليس تماماً. في نهاية المطاف، بالنسبة للغالبية العظمى من اليهود الإسرائيليين الذين سيخرج الكثير منهم بحماس للاحتجاج ضد إقالة رئيس الشاباك، فإن أكثر ما يخيفهم هو أن الجهاز نفسه، بعد تعيين رئيس جديد أكثر ولاءً لنتنياهو من بار، قد يبدأ في استهداف المواطنين اليهود داخل إسرائيل. أما استهداف الفلسطينيين فهو جزء من الحياة اليومية، لا يستدعي التظاهرات أو الاحتجاجات. حتى تعذيب "شباب التلال" أمر يمكن التعايش معه. لكن المساس بإسرائيليين "طبيعيين"، من اليسار أو الوسط؟ هذا أمر يصعب تقبّله.
الكثير من اليهود الإسرائيليين، حتى أولئك الذين لديهم نوايا حسنة، يخشون التهديدات النظرية التي قد تطالهم أكثر مما يبالون بالجرائم الفعلية والمرعبة التي تُرتكب- حتى باسمهم- ضد الفلسطينيين. لا أقلل إطلاقاً من خطورة ودلالات هذه الإقالات. لكن المفارقة، أنها قد تمثل بداية عهد جديد من المصير المشترك بين اليهود والفلسطينيين، الذين قد يجدون أنفسهم مضطهدين على حد سواء من قبل الشاباك، مما قد يسمح لهم أخيراً ببناء تضامن حقيقي للنضال معاً ضد نظام قمعي وعنيف.
وحتى ذلك الحين، إذا كنتم ستتظاهرون، فلتفعلوا ذلك من أجل وقف المجازر واستعادة الأسرى، وليس من أجل رونين بار.
*باراك هيمان هو مخرج ومنتج سينمائي إسرائيلي، مقاله نُشر في "هآرتس"







.png)


.jpeg)



.png)

