إسرائيل نفسها تعترف أن الهدف هذه المرة ليس مقاتلين، بل مدنيين — جريمة حرب مُعلنة. قتل بهدف القتل
قتلتم، دمّرتم، طردتم وخربتم؟ على الأقل اروا هذا. من أين هذه الوقاحة بعدم العرض، ومن أين هذه الجرأة بعدم الرغبة في الرؤية؟
إلى جانب كل الجرائم لا بد الآن أن نضيف وبشكل أكثر حدة من أي وقت مضى، جرائم الأغلبية الساحقة من الإعلام. فإسرائيل تنتهك اتفاقية دولية موقَّعة، مع سبق الإصرار والترصد، وتشن هجومًا همجيًا بلا رادع على قطاع غزة.
في الضربة الأولى تقتل أكثر من 400 شخص، بينهم 174 طفلًا. إسرائيل نفسها تعترف بأن الهدف هذه المرة ليس مقاتلين، بل مدنيين- جريمة حرب مُعلنة. قتل بهدف القتل، لإشعال الحرب من جديد، للحفاظ على الحكومة، بعد أن إشباع شعور الانتقام والعقاب على أحداث 7 أكتوبر منذ زمن.
لا شيء من كل هذا سترونه في الغالبية العظمى من إعلام إسرائيل: جثث مُهشَّمة تُحمّل على عربات تجرها حمير، أو تنادر ومركبات خاصة، أو تُحمل على الأيادي العارية؛ شباب يحفرون بالمطارق والأيدي العارية بين أنقاض المنازل، لانعدام المعدات الهندسية، لانتشال ناجين وبقايا أموات؛ جرحى ينزفون على أرضيات قذرة لما كان يومًا مستشفيات؛ أطفال بملابس ممزقة يبحثون عن آبائهم؛ آباء بثياب بالية يحملون جثث أبنائهم.
عشرات الآلاف يبدأون مرة أخرى رحلة حياتهم، جموع بشرية تحمل على أكتافها ما تبقى من عالمهم، تهرب إلى لا مكان. سيارات متعثرة وعربات تنهار تحت وطأة النازحين والأمتعة؛ لاجئون للمرة الثانية والثالثة يُجبَرون على الفرار مجددًا، ولم يعد هناك مَخْرَج. مبتورو الأرجل على كراسي متحركة بدائية يزحفون في الرمال، عجُزٌ مُلقَون على أغطية محركات السيارات. بقايا عائلات فقدت أحباءها في الجولة الأولى تفقد الآن من تبقى منهم. ورعب القصف وخوف الموت يخيّم على الجميع.
لا شيء من هذا كلّه ظهر في معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية، خلال اليومين الماضيين. فقط المختطفون والمخاطر التي تتربص بهم في القطاع. قلقهم مفهوم ومبرر، لكن في غزة يعيش بشر آخرون. أكثر من مليونين، بالضبط. وماذا عنهم؟ هل مصيرهم مُهمَل لأنهم ليسوا إسرائيليين؟ لأنهم جميعًا إرهابيون، حتى أجنة الحوامل الهاربات؟ أليس من الواجب الإبلاغ عن مأساتهم؟ ألا ينبغي معرفة مصيرهم؟
خيانة المهنة هذه، هذه الجريمة النكراء للأغلبية الساحقة من الإعلام، لم يعد يُمكن غفرانها. لا بأس بعد 7 أكتوبر، حين كان الدم يغلي، رغم أن صحافة الحقيقة كانت ملزمة بالإبلاغ الكامل حتى حينها. لكن الآن؟ بينما معظم الإعلام منخرط في معركة ضد الحكومة ومن أجل المختطفين، وحتى المعلقون الملتزمون بالمؤسسة الحاكمة، والمحافظون يعترفون بأن استئناف الحرب فاشل، أليس في وسع الإعلام الإسرائيلي أن يوجه اتهامًا باسم جرائم الحرب؟ هل يجب حتى الآن إخفاء غزة؟ التستر؟ الإنكار والكبت؟ كل هذا فقط لإرضاء المستهلكين وعدم إزعاجهم لا سمح الله؟
لو أن معظم الإعلام الإسرائيلي قام بدوره الأساسي وعرض غزة كما هي في اليومين الماضيين، لكان من الممكن افتراض أن السماء لن تسقط ولن يغير أحد رأيه. لم يُولد بعد الطفل الفلسطيني، حتى اليتيم أو مبتور الأطراف، الذي يستطيع لمس قلب التيار الإسرائيلي السائد، الذي سيظل يجد تبريرًا ومشروعية لكل فظاعة. كثيرون من الإسرائيليين ما زالوا يعتقدون أن كل هذا يستحقه أهل غزة، وأنه ليس بينهم أبرياء، وأن سكان غزة مذنبون في مصيرهم. حسنًا. لكن ترف عدم الرؤية، وخاصة عدم العرض، لم يعد مقبولًا.
قتلتم، دمّرتم، طردتم وخربتم؟ على الأقل اروا هذا. من أين هذه الوقاحة بعدم العرض، ومن أين هذه الجرأة بعدم الرغبة في الرؤية؟ اِرقصوا أمام كل يتيم غزيٍّ مصدوم، احتفلوا بكل منزل دُمّر، اضحكوا علي كل أب يقبّل جثة ابنه، تباهوا بكل مُقعَد على كرسي متحرك، غنوا "حربو دربو" (اغنية عنصرية- تدعوا لتدمير غزة). لكن على الأقل أَرُوا واِرَوا ماذا فعلنا. اروا ماذا نفعل بهم.






.png)


.jpeg)



.png)

