تسفي بارئيل: هذه "الحفنة" العنيفة في الضفة لديها دولة وهي تسيطر عليها

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

"لن نسمح لحفنة عنيفة ومهووسة بأن تلطّخ جمهوراً بأكمله"، صرخ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في وجه الزعران الذين هاجموا جنود الجيش الإسرائيلي وأضرموا النار في منشأة عسكرية. من جانبه، أضاف الوزير بتسلئيل سموتريتش بُعداً سوسيولوجياً آخر وقرّر أن "الاستيطان في يهودا والسامرة هو الوجه الجميل لدولة إسرائيل، ولا علاقة له بأحداث كهذه".

صرختهم لم تنبع من أن "الحفنة" هاجمت فلسطينيين في مسافر يطّا، أو متظاهرين من أجل تحرير المخطوفين، أو نشطاء يساريين يحاولون مساعدة سكان الضفة في رعي ماشيتهم. "الخط الأحمر" تم تجاوزه الآن فقط لأن الزعران ألحقوا الأذى بالجيش. لكن احمرار هذا الخط قد يكون مضللاً، كأنما لم يُكتشف الالتهاب إلا الآن، وكأنه محصور في الزمان والمكان، بينما الجسد كله سليم. الحقيقة أن تاريخ "الخط الأحمر" لا يبدأ بـ"الحادثة" الأخيرة ولا بالتي سبقتها. بدايته في المواجهات العنيفة التي اندلعت في الخليل، وكدوميم، والانفصال (عن غزة)، ومئات الأحداث الأخرى التي مارس فيها المستوطنون العنف وهددوا الجنود بالسلاح.

لم يشارك فيها "فتية التلال"، أو "أعشاب ضارة"، أو "حفنة مشاغبين" أو زعران "تدفيع الثمن". بل شارك فيها أبناء التيار المركزي، قلب حركة الاستيطان النابض، حاخامات وقادة مجتمع حصلوا على دعم من أعضاء كنيست ورؤساء حكومة، وضعوا الأساسات لإجماع يرى أن خلاص الأرض يعلو على سيادة القانون، ويفوق كرامة الجيش، وهو ضروري لأمن الشعب والدولة، اللذين "تخلّى عنهما" الجيش بحسب مزاعم المستوطنين. لم يوقفهم حينها "خط أحمر"، بل "الخط الأخضر" الذي يجب محوه – وقد مُحي.

رغم نجاحه، لا يزال الإجماع الذي تبنّى الخرق الجماعي للقانون من قبل المستوطنين يحتاج إلى صيانة وتعزيز دائمين، وهذان يعتمدان أولاً على الشراكة مع الجيش. بعد أن مرّ معظم جنود الخدمة الإلزامية والاحتياط من مطحنة الأراضي المحتلة لعشرات السنين، أصبحت تعبئة الجيش لصالح مشروع الاستيطان أمراً طبيعياً. واختفت من القاموس أيضاً "الحوادث الاستثنائية" التي كان فيها الجنود يتعاونون أو على الأقل يغضّون الطرف عن نشاطات المستوطنين العنيفة، وهكذا اكتمل إنشاء "نسيج الحياة" الإجرامي في الضفة، حيث بات الجيش هو الذراع العسكرية للمستوطنين. ومعه تغيّر أيضاً معنى مصطلح "الحفنة".

المصطلح، الذي كان يرمز سابقاً إلى طليعة الاستيطان، أولئك الذين "احتلوا" الخليل، فككوا حواجز الجيش، دعوا الجنود إلى رفض الأوامر وهاجموهم كما لو كانوا جيش عدو - أصبح أغلبية راسخة. لكن لكي يتمكّن من التمتّع بمكانته، عليه أن يُطهّر من خلال مقارنته بـ"حفنات" جديدة، استثنائية ظاهرياً، "مخترقي الخط الأحمر". من أجل ذلك، من الضروري تفتيت المجتمع الاستيطاني إلى وحدات، تميّز بين "مستوطنين قانونيين" وآخرين يخالفون القانون، بين "الأغلبية"، التي تحترم ظاهرياً كرامة الجيش وتمثّل "الوجه الجميل لدولة إسرائيل"، وبين "الهامش" الذي يرشق الجنود بالحجارة، بين سكان "مستوطنات قانونية" وبين من يقيم "بؤراً استيطانية غير قانونية".

لكن، بالضبط كما تم تعريف تلك البؤر الاستيطانية بأنها "استيطان شاب" وتمت شرعنتها في معظمها، كذلك سيتم دمج "الحفنة" العنيفة داخل التيار المركزي، الذي بات يتمتع بوضع "قانوني". سموتريتش يستطيع أن ينثر الأكاذيب كما يشاء ويدّعي أنه لا يوجد رابط بين "الاستيطان في يهودا والسامرة... وبين أحداث كهذه"، لكن المستوطنين يعرفون أفضل منه أن هناك شراكة بنيوية قائمة بينهم وبين "الحفنة". هذه الشراكة تستند إلى إدراك أن الجيش في المناطق ليس فقط الجهة التي تحرس المستوطنين أو تؤمّن لهم تنفيذ المذابح في القرى الفلسطينية. دعمه وتعاونه معهم يشكّلان قبل كل شيء أصلًا استراتيجياً يمنحهم غطاء الإجماع الوطني، ويحقّق باسمهم تلك "الاستيطان في القلوب" التي بُنيت بجهد كبير. الجيش يحوّل جميع مواطني الدولة إلى جزء لا يتجزأ من "الحفنة".

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية