مقابلة مترجمة، أجرتها امي غودمان من قناة "ديموكارسي ناو" الأمريكية اليسارية مع المفكر الاقتصادي الماركسي الأمريكي ريتشارد وولف. البروفيسور ريتشارد وولف، أستاذ الاقتصاد الفخري في جامعة ماساتشوستس، وأستاذ زائر في برنامج الدراسات العليا للعلاقات الدولية في "ذا نيو سكول". وولف هو مؤسس مشروع "الديمقراطية في العمل"، ويقدّم برنامجًا أسبوعيًا يُبث عبر الإذاعة والتلفزيون بعنوان التحديث الاقتصادي، كما أنه مؤلف لعدد من الكتب، من أبرزها: فهم الرأسمالية والمرض هو النظام: عندما تفشل الرأسمالية في إنقاذنا من الأوبئة أو من نفسها.
المحاورة: من المتوقع أن تمتد تداعيات الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مختلف أنحاء العالم. وبينما يدّعي ترامب أن هذه الرسوم ستُسهم في تعزيز الاقتصاد الأميركي، يخشى عدد كبير من الاقتصاديين أن تؤدي إلى ركود اقتصادي، أو ربما ما هو أسوأ من ذلك. كما يُحتمل أن تؤدي هذه الحرب التجارية إلى إعادة تشكيل التحالفات العالمية، مع سعي الدول إلى توسيع شبكة شركائها التجاريين. الصين، اليابان وكوريا الجنوبية أعلنت بالفعل عن خطط لتعزيز علاقاتها التجارية والتنسيق فيما بينها في مواجهة قرارات ترامب.
نبدأ حلقة اليوم مع البروفيسور ريتشارد وولف، أستاذ الاقتصاد الفخري في جامعة ماساتشوستس في أمهيرست، وأستاذ زائر في برنامج الدراسات العليا للعلاقات الدولية في "ذا نيو سكول". وولف هو مؤسس مشروع "الديمقراطية في العمل"، ويقدّم برنامجًا أسبوعيًا يُبث عبر الإذاعة والتلفزيون بعنوان التحديث الاقتصادي، كما أنه مؤلف لعدد من الكتب، من أبرزها: فهم الرأسمالية والمرض هو النظام: عندما تفشل الرأسمالية في إنقاذنا من الأوبئة أو من نفسها.
أستاذ وولف، نرحب بك مجددًا معنا. دعنا نبدأ بالسؤال الأوضح: كيف تقيّم هذه الإجراءات؟ وهل فوجئت – أو ربما صُدمت – عندما اتضح أن نحو 185 دولة ستواجه رسومًا جمركية متزايدة؟
وولف: من جهة، كنا نعلم أن شيئًا كهذا قادم لا محالة. ومن جهة أخرى، فإن اتساع نطاق الإجراءات وشموليتها يجعل المرء يقف لوهلة ويتأمل. نعم، ترامب مُحقّ في أن ما نشهده هو لحظة تحوّل في تاريخ الولايات المتحدة والعالم، لكن قراءته لما يحدث لا تمتّ للواقع بصلة، بل تنبع في معظمها من ميله الدائم للترويج الذاتي.
ففكرة أن الولايات المتحدة "ضحية" لما فعله بها الأجانب، هي ببساطة وهم خالص. على مدار الخمسين عامًا الماضية، كانت الولايات المتحدة — وخاصة الطبقات العليا من المجتمع، أمثال ترامب — من أبرز المستفيدين من الثروة الاقتصادية العالمية. لا علاقة للأمر بجهات خارجية تستغلنا، بل هذا خطاب يُستخدم لتلميع صورته كزعيم "قوي" يتصدى للآخرين. إلقاء اللوم على الأجنبي ومحاولة إظهار القوة على حسابه، هي أساليب رخيصة لا تليق برئيس دولة حقيقي.
وهنا تكمن النقطة الأهم: الاقتصاد الأميركي يواجه أزمة حقيقية، والإمبراطورية الأميركية في حالة تراجع. لكننا في الداخل الأميركي لا نريد مواجهة هذا الواقع. نحن نعيش حالة من الإنكار الجماعي. وبدلاً من الاعتراف بالمشكلة، نُفرغ غضبنا على الآخرين — وهي طريقة مؤسفة جدًا للتعامل مع لحظة أفول قوة. الإمبراطورية البريطانية سبق أن تراجعت، وكذلك إمبراطوريات أخرى. والآن جاء دورنا. نعم، كان لنا قرن عظيم في القرن العشرين، لكن القرن الحادي والعشرين مختلف كليًا. يجب أن نواجه التحديات، لكننا لا نفعل ذلك. ما نفعله هو تحميل الآخرين مسؤولية مشكلاتنا، ثم الادعاء بأن معاقبتهم ستحلّها.
وأودّ أن أشير، إلى أن العالم لن يقف متفرجًا. الولايات المتحدة لم تعد تمتلك ذات النفوذ الذي كان لها في القرن الماضي. إنها تتخيل نفسها في موقع لم تعد تحتله فعليًا. وعندما حذّر وزير الخزانة، في تصريح أضافه إلى أقوال ترامب، باقي دول العالم من الرد بالمثل، كان واضحًا أنه يقصد أن الرد سيؤدي إلى تصعيد. نعم، قالها صراحة: "سيكون هناك تصعيد". لكن، في الحقيقة ما يمكن أن يضمن التصعيد أكثر من أي شيء آخر، هو ألّا تفعل الدول الأخرى شيئًا. حينها، سيعتبر ترامب ذلك دعوة مفتوحة لمواصلة سياساته، حتى عندما يتبيّن أنها لا تحقق أي نتيجة.
المحاورة: بالنظر إلى مدى درامية ما حدث، هل من الممكن أن ترامب اتخذ هذا القرار حتى اللحظة الأخيرة، خصوصًا أنهم واصلوا تأجيله؟ وهل يمكنك أن تشرح لنا بدقة — بصفتك أستاذًا ومعلّمًا — كيف تعمل الرسوم الجمركية فعليًا؟ فالكثير من الناس لا يدركون أساسًا كيف تسير هذه الآلية.
وولف: حسنًا، التعرفة الجمركية هي ضريبة. إنها ببساطة نوع معين من الضرائب يحمل هذا الاسم، وكان يُطلق عليها سابقًا اسم "رسم الاستيراد". كل ما تعنيه هو أنه عندما تدخل سلعة إلى الولايات المتحدة بعد أن تم إنتاجها في الخارج، ويتّم استيرادها لبيعها هنا، يُفرض عليها ضريبة بمجرد عبورها حدود البلاد.
هذه الضريبة تُدفع من قبل الشركة الأميركية التي تستورد السلعة، وغالبًا ما تقوم هذه الشركة بتمرير التكلفة إلى المستهلك — وهو ما يحدث في العادة — وتذهب الأموال مباشرة إلى خزينة الدولة، إلى "العم سام"، أي إلى واشنطن.
كان السيد ترامب يلمّح دائمًا إلى أن الدول الأخرى هي من تدفع هذه الرسوم — تمامًا كما ادّعى سابقًا أن المكسيك ستدفع ثمن بناء الجدار. لم يحدث ذلك قط، ولن يحدث هنا أيضًا. هذه ضريبة أميركية بكل وضوح.
وهنا أمر لافت يكشف مدى عمق التحوّل الحاصل: الحزب الجمهوري، الذي بنى هويته لعقود على أنه "الحزب المناهض للضرائب"، هو نفسه من يفرض اليوم واحدة من أضخم الضرائب الممكنة. لماذا هذا التغيير الجذري؟ لأن لدينا مشكلات ضخمة، وهذه الضربات الموجهة إلى بقية العالم ما هي إلا محاولة لمعالجة جزء بسيط منها. لكنها محاولة محكوم عليها بالفشل، لأن الولايات المتحدة لم تعد تملك القوة التي كانت تتمتع بها في السابق.
المحاورة: أودّ أن أنتقل إلى رئيس اتحاد عمال السيارات (UAW)، شون فاين، الذي أعرب عن دعمه للرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها ترامب، قائلاً الأسبوع الماضي: "نحن نحيّي إدارة ترامب على تحركها لوضع حد لكارثة التجارة الحرة التي دمّرت المجتمعات العمالية لعقود."
وولف: أشعر ببعض الخيبة. أنا أحترم شون فاين، وكثيرون غيري كذلك، لكن هذا الموقف كان مخيبًا. أن يقول بشكل أساسي: "سأدعم الرئيس لأنه يفعل شيئًا قد يساعد نقابتي" — رغم أنه، كما يعلم معظم الاقتصاديين، يعرف تمامًا أن فرض ضريبة على السلع المستوردة سيؤدي إلى ارتفاع أسعارها، لأننا نحن من سندفع تلك الضريبة الآن.
وهذا سيمنح المنتجين المحليين فرصة لرفع أسعارهم أيضًا، لأن منافسيهم الأجانب أصبحوا في وضع غير متكافئ بفعل هذه الضرائب. ونتيجة لذلك، نتوقع موجة تضخم جديدة، ستكون لها آثار ضارة على الطبقة العاملة الأميركية، خصوصًا إذا تصاعدت — وهو أمر شائع في مثل هذه الحالات من فرض الرسوم الجمركية.
وأودّ أن أذكّر الجميع، بمن فيهم شون فاين، أن عمال السيارات الأميركيين لا يعملون فقط في مصانع تُنتج للسوق المحلي، بل يمثلون أيضًا عمالًا في مصانع تعتمد على الأسواق الخارجية والتصدير. وعندما ترد الدول الأخرى بإجراءات مضادة — وهو أمر مرجّح للغاية — سنفقد تلك الأسواق، وسنفقد معها فرص العمل.
ولا أحد — دعوني أُشدّد على ذلك — لا أحد يعلم حتى الآن ما إذا كانت الوظائف التي ستُفقد نتيجة هذه الحرب التجارية ستكون أكثر أو أقل من الوظائف التي قد تُخلق. إنها مغامرة كبرى يخوضها السيد ترامب. وإذا لم تسر الأمور كما يخطط، فستكون العواقب وخيمة على الاقتصاد الأميركي. لأن ارتفاع الأسعار يعني أن الناس ستنفق أقل، ما يؤدي إلى تراجع المبيعات وفقدان الوظائف.
عند النظر إلى مجمل هذه الصورة، يتضح أن ما يجري هو مقامرة محفوفة بالمخاطر — محاولة لإلقاء اللوم على العالم، ومعاقبته، ثم التمنّي بأن تسير الأمور على ما يُرام.
يُذكرني هذا بما يُعرف في كرة القدم الأميركية بـ"تمريرة الأمل الأخيرة" — ترمي الكرة بعيدًا وتُصلّي أن تلتقطها يد فريقك. هذا بالضبط ما يحدث هنا: مجازفة بعيدة الاحتمال، لكنها تكشف إلى أي مدى وصل الاقتصاد الأميركي من اضطراب وقلق.
المحاورة: هل يمكنك أن تضع هذا في سياق أوسع؟ حدثنا عن التخفيضات الضريبية وكيف ترتبط بالرسوم الجمركية — نحن نتحدث عن شيء بحجم 4 تريليونات دولار من التخفيضات الضريبية — ومن المستفيد منها؟ ثم تطرّق إلى قضايا أخرى يصرّ الرئيس ترامب على القول إنه لن يمسّها، رغم أن ما يصفه كثيرون بـ"الرئيس الشريك"، إيلون ماسكK يستهدف برامج مثل الضمان الاجتماعي، والمساعدات الطبيةوغيرها من القضايا الأساسية.
وولف: دعيني أبدأ بقضية الضرائب. أكبر إنجاز تشريعي حققه ترامب خلال ولايته الأولى كان خفض الضرائب في ديسمبر 2017. وعندما أُقِرّ هذا التخفيض قانونيًا، كان مشروطًا بموعد انتهاء — ما يُعرف بـ"غروب التشريع" — أي أنه سينتهي مفعوله في عام 2025.
إذا ما سُمح لانتهاء هذه التخفيضات بالحدوث، فإن الشركات والأثرياء — الذين كانوا المستفيدين الأساسيين منها آنذاك — سيواجهون زيادة ضريبية كبيرة. ترامب لا يريد لذلك أن يحدث، لأن هؤلاء يشكّلون قاعدته السياسية وداعميه الماليين. لا يريد أن تعود الضرائب عليهم للارتفاع.
إذًا، ما الذي سيفعله؟ إذا استمر في الإنفاق ورفض رفع الضرائب، فسيضطر إلى الاقتراض بمبالغ ضخمة، تمامًا كما حدث في السنوات الماضية. لكنه لا يريد أن يُنظر إليه كرئيس يُغرق البلاد في مزيد من الديون — خصوصًا في ظل اعتماد الولايات المتحدة على قروض من العالم الخارجي، والذي لم يعد راغبًا في الاستمرار بذلك كما في السابق. إذًا، هو في مأزق ويحتاج إلى مخرج.
أمله الوحيد الآن هو تقليص الإنفاق الداخلي بشراسة. انظري لما يفعله. إيلون ماسك يظهر أمامنا بمنشار كهربائي، ليرسل إشارة واضحة: "سأحل المشكلة على حساب الطبقة العاملة. سأُقيلهم جميعًا. لا يهمني ما يعانيه بقيّة العمال. لا إشعار، لا خطة، فقط طرد جماعي".
تسميته لهذا بـ"الكفاءة" مجرّد نكتة سخيفة. فالكفاءة تتطلب وقتًا وخبراء وتنظيمًا، لا فوضى عشوائية. ما يجري ليس كفاءة، بل مجرد خدعة لتمويه الواقع.
ترامب الآن محاصر. لا يمكنه الخروج من هذا المأزق إلا بحل جذري للمشكلة المتراكمة، وليس أمامه سوى هذا الطريق — محاولة سحب قدرة الاقتراض والإنفاق من عامة الشعب. لنكن صريحين: عندما تفرض تعرفة جمركية، تصبح السلع المستوردة أغلى، فيشتري الناس منها أقل، ويقلّ مستوى معيشتهم. وإذا استغلت الشركات الأميركية هذه الفرصة لرفع أسعارها — كما تفعل دائمًا — فإن ذلك يضاعف العبء على الطبقة العاملة.
إنه يُفقر العمال في محاولة لحل أزمة لم يعرف كيف يعالجها في السابق.
لكن هنا تكمن المفارقة المقلقة التي قد ترتدّ علينا في النهاية: أوروبا، التي فشلت في التوحد تحت مظلة التحالف الأميركي، أصبحت تتقارب بسبب العداء الأميركي. فعداوة واشنطن وحدت القارة الأوروبية بشكل أفضل من أي تحالف رسمي. وكما أشرتِ، من المهم جدًا ملاحظة أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية — رغم تاريخها الطويل من التوتر — بدأت بالتقارب لمواجهة هذا الواقع.
واو! نحن الآن نوحّد العالم… ضدنا.
وإذا أردتِ رؤية الصورة الأشمل من وجهة نظري، فبعد الحرب العالمية الثانية، علّمنا جورج كينان مبدأ "الاحتواء": "علينا احتواء الاتحاد السوفييتي".
المفارقة، التي كان هيغل ليُعجب بها، هي أننا الآن نحن من يتم احتوائه. نحن من يعزل نفسه.
سواء في تصويتات الأمم المتحدة — حيث تقف الولايات المتحدة أحيانًا وحدها، أو مع إسرائيل وبعض الدول القليلة — أو في العزلة السياسية والاقتصادية المتنامية، أصبحنا الأمة المارقة بنظر العالم.
قد لا نحب هذا الواقع، وقد لا نتفق معه، لكن ما يهم هو كيف يرانا الآخرون — وهذا بالضبط ما يحدث الآن.
المحاورة: تحدثتَ عن تقارب كوريا الجنوبية واليابان والصين. لكن إحدى أبرز الإعلانات المتعلقة بالرسوم الجمركية كانت موجّهة ضد تايوان. الأمر أكثر تعقيدًا بالنسبة لتايوان، ما يجعل انضمامها إلى هذا التكتل أكثر صعوبة.
وولف: دولة أخرى كانت ضمن قائمة العقوبات الجمركية هي فيتنام، التي تلقت ضربة ثقيلة جدًا. أيعقل ألا يكون هناك أي اعتراف بما فعلته الولايات المتحدة بهذا البلد في الماضي؟ ربما لا ينبغي سحقه بهذا الشكل بعد كل ذلك.
ما أقصده هو أن ما نشهده اليوم يمثّل تحوّلًا حقيقيًا. إنها إشارة للعالم بأن الولايات المتحدة، مع دخولها في مرحلة أفول الإمبراطورية، تتحول إلى قوة غاضبة، مشوشة، تلوّح وتضرب وتؤذي هنا وهناك، في محاولة يائسة للتعامل مع واقعها المتدهور.
المحاورة: وزير المالية اليوناني السابق، يانيس فاروفاكيس، كتب مؤخرًا مقالًا بعنوان: "الخطة الاقتصادية الكبرى لدونالد ترامب"، وجاء فيه:
"هذا ما لا يفهمه منتقدوه. إنهم يظنون خطأً أنه يعتقد أن الرسوم الجمركية ستُقلّص العجز التجاري الأميركي من تلقاء نفسها. لكنه يعلم أنها لن تفعل ذلك. فائدتها تكمن في قدرتها على صدمة البنوك المركزية الأجنبية ودفعها إلى خفض أسعار الفائدة المحلية. ونتيجة لذلك، سيضعف كل من اليورو، والين، مقابل الدولار، ما سيُبطل تأثير ارتفاع الأسعار الناتج عن الرسوم الجمركية على السلع المستوردة إلى الولايات المتحدة، ويُبقي الأسعار التي يدفعها المستهلك الأميركي دون تغيير. وبهذا، فإن الدول الخاضعة للرسوم ستكون فعليًا هي من تدفع ثمن تلك الرسوم."
هل تتفق مع هذا الرأي، بروفيسور وولف؟
ريتشارد وولف: لا، رغم أن يانيس وأنا نتعاون كثيرًا، وعادةً ما أحترم تحليلاته الرائعة وأتفق معه، لكني لا أعتقد أن هذا التحليل دقيق. هل ما يقوله ممكن الحدوث؟ نعم، لكن…نحن في وضع معقّد — دعيني أشرح الأمر بهذه الطريقة: الرسوم الجمركية ليست شيئًا جديدًا، بل موجودة منذ مئات السنين. وعندما تُدرّس مادة "الاقتصاد الدولي" — كما فعلتُ أنا — تقول للطلاب: "إليكم ألف كتاب، وخمسة آلاف مقال... نحن نعرف".
لكن الحقيقة هي أنه عندما تفرض تعرفة جمركية، لا يمكنك التنبؤ بالنتيجة، لأن التأثير لا يتوقف على الرسوم بحد ذاتها، بل على عوامل أخرى كثيرة — مثل أسعار الفائدة، أسعار صرف العملات، نمو أو تراجع الاقتصادات العالمية.
لا يمكنك أن تعرف النتائج مسبقًا. ولهذا السبب، ولخمسين عامًا مضت، اعتمد العالم، بإشراف أميركي، على ما يسمى بالتجارة الحرة، أو النيوليبرالية، أو العولمة.
كل ذلك انتهى الآن. الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الفوز ضمن هذا النظام، ولذلك تتجه نحو الحمائية الاقتصادية و"القومية الاقتصادية".
وهذا تحوّل جذري يُربك النظام العالمي. على مدى نصف قرن، كان هناك إجماع شبه تام على عدم اتباع ما يقوم به ترامب اليوم.
إن شئت، يمكنك أن تعتقد أن جميع من آمنوا بهذه المبادئ الاقتصادية طوال 50 عامًا كانوا مخطئين، وأن ترامب، "العبقري"، هو الوحيد الذي كان على حق — لكن هذه مجازفة كبيرة جدًا.
الرهان الأكثر واقعية هو أن ترامب يحاول إنقاذ مستقبله السياسي، ويحاول مواجهة اقتصاد متراجع دون أن يعترف بذلك صراحة.
هذه الخطوة لن تنتهي نهاية جيدة. عادةً لايحدث هذا.
ما سنشهده هو صراع اقتصادي بين الكتل الكبرى: الكتلة الأوروبية، الكتلة الآسيوية، والكتلة الأميركية — في لحظة تكون فيها الولايات المتحدة أضعف اقتصاديًا وسياسيًا مما كانت عليه منذ عقود.
انظري إلى الإخفاق في أوكرانيا كمثال: سوء التقدير بأن روسيا ستلجأ إلى الصين والهند لمواجهة تداعيات الحرب، وهي حسابات لم تكن موجودة سابقًا، لكنها الآن تعيد تشكيل المشهد بطريقة غير متوقعة.
وليس السؤال هنا "أي طرف تؤيدين"، بل يكفي أن ترصدي كيف تصطفّ القوى العالمية — وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
المحاورة: هل ترى ما يجري الآن كبداية لنهاية الإمبراطورية الأميركية؟
وولف: نعم، أعتقد أننا دخلنا بالفعل في مرحلة الانحدار منذ 10 أو 12 عامًا. ولا يمكن تجاهل ذلك — إليك الإحصائية الأوضح والأكثر دلالة: إذا جمعت الناتج المحلي الإجمالي — أي إجمالي السلع والخدمات المنتجة سنويًا — للولايات المتحدة وحلفائها الكبار في مجموعة السبع (G7)، فستحصل على نحو 28% من الناتج العالمي. أما إذا قمت بالحساب نفسه للصين ودول "البريكس"، فالناتج يبلغ حوالي 35%. هم باتوا يشكّلون كتلة اقتصادية أقوى منّا بالفعل.
كل دولة في العالم تفكر اليوم في بناء سكك حديدية أو توسيع برامجها الصحية — كانت ترسل في الماضي وفودها إلى واشنطن أو لندن طلبًا للدعم. وهي لا تزال تفعل ذلك. لكنها ترسل نفس الوفود بعدها إلى بكين، نيودلهي، ساو باولو — وغالبًا ما تحصل هناك على صفقة أفضل. العالم يتغير. وكان بإمكان الولايات المتحدة التكيّف مع هذا الواقع. لكن، كما هو الحال مع الإدمان، عليك أولًا أن تعترف بوجود مشكلة قبل أن تتمكن من حلها. ونحن — كدولة — لا نزال نرفض مواجهة حقيقة ما تعنيه كل هذه المؤشرات.







.png)


.jpeg)



.png)

