شلومو زاند: الحرب على إيران: "الملجأ الأخير للأوغاد"

A+
A-
من مكان سقوط الصاروخ الإيراني في بئر السبع (تصوير: نجمة داوود الحمراء)

من مكان سقوط الصاروخ الإيراني في بئر السبع (تصوير: نجمة داوود الحمراء)

الادعاء الشائع الذي يربط بين النظم السلطوية وبين المغامرات العسكرية لا يستند إلى أسس راسخة.. فالدولة الوحيدة في القرن العشرين التي استخدمت السلاح النووي ضد سكان مدنيين كانت في الحقيقة "الدولة الليبرالية الرائدة في العالم"

كل يوم يمضي يؤكد من جديد صلاحية المقولة الشهيرة: "الوطنية هي الملاذ الأخير للأوغاد". فمنذ الثالث عشر من حزيران/يونيو، وهو اليوم الذي شنت فيه إسرائيل هجومًا على إيران، حظيت حكومة بنيامين نتنياهو بموجات من التأييد من مختلف أوساط الطيف اليهودي في إسرائيل، بل وخارجها أيضًا. فقد انحنى جميع منتقدي نتنياهو سياسيًّا أمام ما اعتبروه جرأة وحسمًا من زعيم لا يُشق له غبار. كل "أمثال يائير لبيد" – سواء كانوا أكثر اعتدالًا أو أقل راديكالية – رأوا في الحرب على إيران ردًّا عسكريًّا مناسبًا على ما يُصوّر على أنه "التهديد الإيراني".
وكما هو معلوم، لم يكن ثمة استفزاز مباشر من الجانب الإيراني يبرر الهجوم الإسرائيلي. كما لا تتوافر أية أدلة على أن نظام الملالي قد أحرز مؤخرًا قفزة نوعية نحو امتلاك سلاح نووي. ما هو معروف أن نتنياهو طالما حلم بالحرب على إيران منذ سنوات، ولم يكن ينقصه سوى التوقيت المناسب لتحويل هذا الحلم إلى واقع. وقد حان هذا التوقيت حين أدرك نهائيًّا أن "الانتصار الحاسم" في غزة – الذي دأب على التنبؤ به منذ اندلاع الحرب – لن يتحقق في المستقبل القريب. فقتل عشرات الآلاف من المدنيين الغزيين بلا رحمة لم يسهم في هزيمة حركة حماس، وجنود الجيش الإسرائيلي لا يزالون يسقطون بمهجية، ولم يُسترجَع الرهائن التعساء، فيما تزايدت مشاعر الاستياء داخل إسرائيل.
وها هو القائد يأتي بالخلاص. لقد وحّد الهجوم على إيران شعبًا ممزقًا. لا ينبغي لأي طرف آخر أن يمتلك سلاحًا نوويًا في الشرق الأوسط. أما نحن، فمسموح لنا بذلك (وفقًا لتقارير أجنبية)، لأننا دولة ديمقراطية نعيش بسلام مع جيراننا ونعترف بحقوق كل من نخضعهم لسيطرتنا، على قدم المساواة. أما النظام الإيراني فهو سلطوي، ويقمع شعبه بقبضة من حديد. لا أدري إن كان النظام الإيراني أكثر سلطوية وقمعًا من النظام السوفييتي عام 1949، حين أجرى ستالين أول تجربة نووية له، لكن الوضع الحالي يذكرني بشكل مذهل بأجواء الحرب الباردة التي سممت السياسة العالمية في خمسينيات القرن الماضي. كثير من الأمريكيين آنذاك اعتقدوا أن تسلّح الاتحاد السوفييتي نوويًّا سيقود إلى حرب عالمية مدمرة. ألم يكن السوفييت يشجعون ويدعمون كل القوى المناهضة للولايات المتحدة – من الأحزاب الشيوعية إلى الحركات المناهضة للاستعمار؟
ومع ذلك، كان الواقع مختلفًا تمامًا. فقد حرص خلفاء ستالين على الامتناع عن نشر الأسلحة النووية، وفي عام 1962، في ذروة الصراع بين المعسكرين، أبدوا مسؤولية تفوق تلك التي أظهرها الأمريكيون في ما يخص منع نشوب حرب نووية بين القوتين العظميين. وكانت السياسة السوفييتية المتحفظة حيال انتشار السلاح النووي أحد الأسباب الرئيسية للقطيعة التي وقعت في أواخر خمسينيات القرن بين الاتحاد السوفييتي وحليفته المقربة الصين الشيوعية. فقد غضب ماو من رفض موسكو تزويد جيشه بالسلاح النووي، فنجحت الصين في تطويره بنفسها عام 1964. والعجيب أن النظام الماوي، رغم كونه سلطويًا وقمعيًا لا يقل عن نظيره السوفييتي، امتنع أيضًا عن نشر الأسلحة النووية.
الادعاء الشائع الذي يربط بين النظم السلطوية وبين المغامرات العسكرية لا يستند إلى أسس راسخة. فقد وُلدت هذه الفرضية من تجربة النظام الفاشي في إيطاليا والنازي في ألمانيا، لكنها لا تصمد أمام التمحيص التاريخي. فالدولة الوحيدة في القرن العشرين التي استخدمت السلاح النووي ضد سكان مدنيين كانت في الحقيقة "الدولة الليبرالية الرائدة في العالم"، الولايات المتحدة. كما أن فرنسا الديمقراطية كانت أول من أدخل السلاح النووي إلى الشرق الأوسط. وفي الحالتين، لم تكن الخطوات ضرورية، بل ترتبط الحالة الأخيرة ارتباطًا مباشرًا بالوضع الخطير الذي نواجهه اليوم.
أما "مبدأ الغموض النووي" الإسرائيلي، فقد أصبح منذ زمن موضع تندر، وكل ذي عقل في المنطقة يدرك أن إسرائيل ترى في نفسها الطرف الوحيد الذي يحق له امتلاك هذا الامتياز النووي (وفقًا لتقارير أجنبية). لا يغير من الأمر شيئًا أن إيران لم تهاجم في المئة عام الأخيرة أي دولة – فهي قد تفعل ذلك يومًا ما. ولهذا انضم ترامب إلى "صديقه" نتنياهو وزج بالولايات المتحدة في هذا الصراع العسكري.
ليست هذه المرة الأولى التي يشجع فيها رئيس أمريكي على ضربة عسكرية ضد إيران. ففي حرب العراق-إيران في ثمانينيات القرن الماضي، التي راح ضحيتها نحو مليون إنسان، دعمت الولايات المتحدة صدام حسين، وقدمت له معلومات استخبارية عن إيران، بل وزودته بأسلحة كيميائية استخدمها في الحرب. ومن المفارقات أن النزاع الذي نشب لاحقًا بين الحليفين السابقين أدى إلى غزو القوات الأمريكية للعراق في عام 2003، بحجة التخلص من أسلحة الدمار الشامل التي قيل إنها لا تزال في حوزته. وبعد سبع سنوات من تدمير الدولة العراقية على يد الجيش الأمريكي، لم يُعثر على أي من هذه الأسلحة، وأُغلقت ملفات البحث عنها.
ما زلنا لا نعلم ما ستكون عليه نتائج الاتفاق السريع إيران. هل سينهار النظام الاستبدادي وتنتصر المعارضة الليبرالية، أم أن خصوم النظام سيُقمعون في موجة وطنية جارفة، كما حدث غير مرة في التاريخ؟ فالوطنية ليست فقط ملاذ الأوغاد، بل قد تكون أيضًا سبب هزيمة أنصار السلام والحرية.

شلومو زاند | المؤرخ الإسرائيلي، وأستاذ التاريخ العام في جامعة تل أبي

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية