د. سيباستيان بن دانييل: ألموغ كوهين اقتحم درسي مُهددًا،  وعشرات المحاضرين تضامنوا معي

A+
A-
محاضرون يكتبون شعار الفاشية لن تمر على ألواح التدريس (زو هديرخ)

محاضرون يكتبون شعار الفاشية لن تمر على ألواح التدريس (زو هديرخ)

الشكل الصحيح والأكثر فاعلية للعصيان المدني يجب أن يكون منظمًا وعلنيًا. وإذا منح القانون نائب وزير حصانة لاقتحام حصة جامعية، فلن نسمح له بالمرور

ليس سهلاً ولا مريحًا الوقوف أمام كراهية اليمين واستعراض القوة العنيفة لسلطته وله ثمن، لكنه أقل بكثير من الثمن الذي سندفعه إذا سمحنا لهم بالمرور

هذا الأسبوع تمّ تجاوز الخطوط الحمراء في بئر السبع، المدينة التي أعيش فيها وأدرّس. لم يحدث ذلك في مظاهرة صاخبة عند مفترق طرق، ولا في مواجهة عنيفة على شبكات التواصل؛ بل في داخل أروقة مدرسة ثانوية، مكان يفترض أن يكون آمنًا ومحميًا. مجموعة من الطلاب حاصرت صفًّا لبرنامج المتفوّقين، وبدأت تقرع بقوة على الأبواب وهي تهتف: "الموت لليساريين وكابلان" و"بيبي الملك". واضطرت المعلّمة، في خطوة يائسة، إلى إغلاق الصف من الداخل لمنع اعتداء جسدي أو لفظي على طلابها.

وفي حادثة أخرى هذا الأسبوع في بئر السبع، اعتدت معلمة روضة أطفال على عضوة في طاقم جامعة بن غوريون عندما جاءت لاصطحاب طفلها، بدعوى أنها "كابلانيستية". كما اقتحم نائب وزير من حزب يمين متطرف درسًا في جامعة بن غوريون (توضيح: الدرس كان درسي، ونائب الوزير تقدّم ضدي بشكوى للشرطة)، بينما رفضت شرطة المدينة، التي يبدو أنها نسّقت معه، الحضور للمكان، ما أتاح له حرية التحرك. وهذه هي الشرطة نفسها التي وصلت قبل أسبوع فقط إلى حرم الجامعة العبرية لاعتقال معلم صرخ بالحقيقة في وجه الوزير إيتمار بن غفير.

إن اختيار هؤلاء الفتية من مؤيدي نتنياهو مهاجمة صفّ المتفوّقين ليس صدفة. فهو يجسد الاحتقار العميق لكل ما يُعدّ "آخر" أو "مثقف"، وهو احتقار بُنيَ بعناية على يد سياسيين محليين صنعوا حياتهم المهنية على تقويض الضواحي في المركز وبين "إسرائيل الثانية" و"إسرائيل الأولى". 

الطلاب الذين هاجموا زملاءهم لم يروا أمامهم أطفالًا في سنّهم يحبون الرياضيات، بل رأوا خيالات كرتونية لـ"يساريين"، نتيجة شيطنة غُذّيت لهم بجرعات من سمّ إعلامي. ووزير التعليم التزم الصمت كذلك. وما شأنه بالتعليم؟ وما المشكلة إذا كان هؤلاء الفتية يقدمون عرضًا حيًا يجمع بين "الموجة" و"أمير الذباب"؟

وفي مدينتي أيضًا، حرّض نائب رئيس البلدية شمعون طوبول على الإبادة الجماعية في بث مباشر. وهذا ليس مفاجئًا بالنسبة له؛ فقد وُثّق في الماضي وهو يضرب عاملًا بدويًا بوحشية في محطة وقود، كما لاحق طالبة عربية في الثانية عشرة لأنها تجرأت وقالت في الصف إن في غزة أبرياء. وبالطبع، لن يُستدعى طوبول للتحقيق بعدما دعا إلى قتل مئة ألف غزّي يوميًا؛ فهو لم يسمِّ "كهاني" صراحة، بل طلب فقط من الجيش الذي يخدم فيه احتياطًا، وبزيّه يعتدي على المدنيين أن ينفّذ إبادة جماعية.

وكل هذه الأحداث مرت بلا أي ردّ من رئيس بلدية أكبر مدينة في جنوب البلاد، روبيك دنيلوفيتش، الذي يبدو أنه يخشى ناخبيه؛ فهو منشغل بالتقرّب من وزراء اليمين المتطرف لضمان إعفاءات ضريبية للمدينة بهدف "جذب فئات قوية" وكأن الفئات الموجودة اليوم في المدينة، من أكاديميي الجامعة وطلابها، وطاقم مستشفى سوروكا، والعاملين في المحاكم، لا تليق به. ومن الصعب تصديق أن "فئات قوية" ستأتي في حين ينتقل دنيلوفيتش من حديث أجوف عن "عاصمة السايبر" في النقب إلى حديث فعلي عن مدينة تتحول إلى "عاصمة الكهانية".

لكنني رأيت في المدينة هذا الأسبوع أمورًا أخرى أيضًا. رأيت مظاهرة في بئر السبع، تُقام منذ عامين، في قيظ الصيف الصحراوي وفي أمطار غزيرة كالتي شهدناها السبت الماضي، للمطالبة بإعادة المختطفين، وبإنشاء لجنة تحقيق في الكارثة، وبالمساواة والكرامة المتبادلة. ورأيت مئات الأشخاص يسافرون لمساعدة الفلسطينيين في قطف الزيتون في القرى، وهم يعلمون أنهم سيتعرضون لاعتداءات من إرهابيي المستوطنات الذين عادة ما يرافقهم الشرطة ومسلحو الحكم العسكري. ومع ذلك، فهم يذهبون كل أسبوع.

ورأيت جيراني حتى الذين يختلفون معي سياسيًا، يسألون كيف يمكنهم المساعدة دون الحاجة لقول الكثير. كما رأيت عشرات من زملائي أعضاء هيئة التدريس في جامعة بن غوريون ينظمون أنفسهم، يتوزعون إلى مجموعات، ويقفون في كل دروسي هذا الأسبوع من الثامنة صباحًا (أعتذر) حتى الثامنة مساءً. يقفون عند المداخل، ورغم عدد لا يُحصى من التعليقات، لم يسمحوا لأي نائب وزير فاشي بالدخول. زملائي جسّدوا عمليًا شعار "لن يمرّوا" (No pasaran) الذي ردّده طلاب الجامعات في مدريد خلال الحرب الأهلية الإسبانية. وأمام كراهية مُهندسة، رأيت تضامنًا إنسانيًا وقوتها.
قرأت في الفترة الأخيرة عدد لا بأس به من المقالات التي تدعو إلى العصيان المدني بالمعنى الفردي، الذي يطالب بعدم المشاركة في الظلم. لكن هذا الأسبوع علمني أن كسر القانون المدني يجب أن يتم ضمن مجموعة. هناك تكمن القوة، ومن هناك تستمدّ شرعية العصيان المدني. إن الشكل الصحيح والأكثر فاعلية للعصيان المدني يجب أن يكون منظمًا وعلنيًا. وإذا منح القانون نائب وزير حصانة لاقتحام حصة جامعية، فلن نسمح له بالمرور. وحين تُلغى محاضرات صحفيين وقيادات احتجاج خوفًا من تهديدات فاشية، سنُظهر بأجسادنا أن هناك طريقًا آخر.

العصيان المدني ليس عملًا تخريبيًا، بل نداء للإصلاح. وعندما تعمل مؤسسات الدولة بما يتعارض مع القيم الأساسية، يصبح العصيان المدني، المنظّم والعلني، ليس حقًا فحسب، بل واجبًا ديمقراطيًا، واجبًا في رفض العمل مع آليات تضرّ بالجمهور، مثل لجان تحقيق عبثية يعيّنها الجناة أنفسهم، وواجبًا في تعطيل مؤسسات فقدت ثقة المجتمع وواجبًا في العمل المشترك على كل الجبهات القانونية لفرض معايير عامة جديدة. العصيان المدني ليس علةً تُصيب الديمقراطية، بل يكون في كثير من الأحيان علاجها.

ليس سهلاً ولا مريحًا الوقوف أمام كراهية اليمين واستعراض القوة العنيفة لسلطته. صدّقوني، أعلم ذلك جيدًا. لهذا ثمن. لكنه أقل بكثير من الثمن الذي سندفعه إذا سمحنا لهم بالمرور. يجب ألا نخلط بين عنفهم القمعي وبين العدالة أو القوة المدنية. فهم ليسوا الأغلبية، وليسوا "الشعب" لا في إسرائيل، ولا حتى في بئر السبع.

الكاتب: د. سيباستيان بن دانييل (جون براون)

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية