"كلّ ما يحتاجه الشر كي ينتصر هو أن لا يفعل الأخيار شيئًا." نحن الإسرائيليين نحبّ أن نقتبس هذه العبارة القوية لإدموند بيرك في يوم ذكرى المحرقة (النازية).
لكن في هذا العام، لا يحق لمعظم الإسرائيليين والإسرائيليات أن يوجّهوا اللوم إلى الألمان الذين وقفوا مكتوفي الأيدي حين قام النظام النازي أولًا بنزع الحقوق، ثم بالإذلال والطرد، وأخيرًا بإبادة عائلاتنا. لا يحق لهم ذلك، لأنّه بات واضحًا اليوم: لو وُضعوا في مكان أولئك الألمان، لفعلوا الأمر ذاته – لصمتوا، لغضّوا الطرف، وواصلوا حياتهم كالمعتاد. فهم يقفون الآن، في هذه اللحظة، موقف المتفرّج، بينما دولتهم تترك عشرات الإسرائيليين لمصير الموت البطيء، المنعزل، واليائس تحت وطأة التعذيب؛ بينما هي تجوّع، وتشرّد، وتدمّر حياة مليوني فلسطيني من سكان قطاع غزة. وإن كان بإمكان بعض الألمان آنذاك ألّا يعلموا، أو على الأقل ألّا يدركوا حجم الفظائع – ففي زمن فيض المعلومات المتاحة للجميع، لا نملك نحن هذا العذر.
معظم الإسرائيليات والإسرائيليين يقفون مكتوفي الأيدي يومًا بعد يوم، ساعةً بعد ساعة، لحظةً بلحظة، ويواصلون حياتهم المريحة على نحو اعتيادي، بما في ذلك وجبات الأعياد، والمناسبات، والحفلات، وغيرها من مظاهر البهجة. جوع المختطَفين، وأطفال غزة، وسائر سكانها – الجوع الذي ينهش أجسادهم ونفوسهم، الذي يسلبهم القدرة على عيش حياة إنسانية، ويطفئ النور من أعينهم والأمل من قلوبهم – لا يقلقهم بما يكفي للخروج إلى الشارع، أو رفع لافتة، أو توقيع عريضة. فماذا عساهم يريدون من الألمان؟
على الأقل، كان لدى الألمان مبرّرٌ حقيقي للصمت: فلو عبّروا عن موقف لا يتماشى مع خط السلطة، لدفعوا حياتهم ثمنًا لذلك. أما نحن، فلم نصل بعد إلى تلك المرحلة: فلم يُخفَ أو يُغتل أي إسرائيلي يهودي بسبب تعبيره عن موقف إنساني. لكن للإسرائيليين والإسرائيليات مئة ذريعة لعدم الخروج في مظاهرة: بدءًا من "هذا لن يُجدي نفعًا"، مرورًا بـ"أنا لست شخصًا سياسيًا"، أو "بعض المتظاهرين يقولون أشياء لا أتفق معها"، ووصولًا إلى "أنا لست من أولئك الذين يندمجون في الحشود". لديهم ضغط في العمل، وأطفال يحتاجون إلى إعداد العشاء. لديهم مناسبة، زفاف، تذاكر لحفل موسيقي في مساء السبت. تمامًا مثل الألمان، الذين كانوا أيضًا يرزحون تحت ضغط العمل، وكان لديهم أطفالٌ يربّونهم. وحتى لو تظاهروا، فالمظاهرات لم تكن لتجدي نفعًا – وكما ذُكر، فقد كانت لتُكلفهم حياتهم. فماذا تريدون منهم؟ انظروا إلى المرآة – وسترونهم. هؤلاء هم الأشخاص الذين يتيحون للشر أن ينتصر.
في هذه المرحلة من النقاش، تبرز – بطبيعة الحال – نبرة الاستعلاء الأخلاقي، المتجلية في التحليلات الدقيقة والفروقات التبريرية: اليهود في أوروبا، كما يُقال، لم يرتكبوا بحق النازيين ما يشبه السابع من أكتوبر؛ لم يشكّلوا تهديدًا وجوديًا؛ إبادتهم كانت جريمة إبادة جماعية نابعة من معاداة مخططة للسامية، لا "أضرارًا جانبية" ضمن سياق حرب. وطبعًا، يُطرح الاعتراض الدائم: "كيف تجرؤين على المقارنة؟" فنحن لم ننشئ معسكرات إبادة جماعية؛ لم نسمّم أحدًا بالغاز، ولم نحرق جثثًا في أفران.
اهدأوا. لا أحد يدّعي أن الظروف متطابقة. أنا أذكر تمامًا مجزرة 7 أكتوبر، وأعرف من ارتكبها، ومن استمتع بفعلها. وأنا أعلم جيدًا أننا لم نقم معسكرات إبادة مزودة بغرف غاز وأفران. لكن هذه الأقوال ما هي إلا مناورات، وتشتيت للانتباه – أشبه بـ: "انظري فوق، عصفور!" أنتم تعلمون جيدًا، كما نعلم نحن، أنه مثلما أن الاحتلال الإسرائيلي لا يبرّر مجزرة 7 أكتوبر، فإن تلك المجزرة، بدورها، لا يمكنها أبدًا أن تبرّر تدمير حياة مليوني إنسان بريء لم يشاركوا بها. ولا شيء يمكن أن يبرّر قتل عشرات الآلاف من الأطفال. العقاب الجماعي للمدنيين الأبرياء ليس من صفات الإنسان، بل هو من أدوات الاستراتيجيا النازية.
وأنتم تعرفون تمامًا أن معسكرات الإبادة ليست السبيل الوحيدة لارتكاب الفظائع. العثمانيون لم يُفنوا الأرمن في معسكرات تحتوي على غرف غاز وأفران. هناك دائمًا طرق أخرى – والوسائل لا تنقص. ما يوحّد بين الفظائع التي يقترفها البشر بحق بعضهم البعض هو اقتران عنصرين اثنين: نزع الطابع الإنساني عن الآخر، وغياب التعاطف العاطفي معه. أي إلغاء قيمة الإنسان وكرامته الجوهرية، بالتوازي مع انغلاق وجداني أمام معاناته. فحين يُجرّد الآخر من إنسانيته، ومن القيمة التي ننسبها لها – أي من كرامته الجوهرية كإنسان – وتوقّفنا عن التماهي مع ألمه، تتحوّل الكارثة إلى تفاصيل تقنية. حين نحوّل الإنسان من ذات واعية إلى غرض، ومن غاية قائمة بذاتها إلى مجرد وسيلة لتحقيق أهداف، وحين نقسّي قلوبنا حياله – نكون قد تجاوزنا الخط الأحمر.
وعندها، يصبح ممكنًا أن: نُهجّره مرارًا وتكرارًا بلا شيء سوى الخواء؛ نُجوّعه؛ نمنع عنه المياه النظيفة؛ نُدمّر مستشفياته ومدارسه؛ نهدم بيته فوق رأسه ونتركه يحتضر تحت الأنقاض – لأن "قدسية الحياة" لا تدخل في الحسبة. يمكننا أن نرى: أطفالًا أيتامًا، مذهولين، تحدّق أعينهم في رعب؛ شبابًا مقطوعي الأطراف؛ آباء يحملون جثث أطفالهم المتفحمة – ثم ننتقل ببساطة إلى الوجبة التالية. فماذا يغيّر الواقع إن لم نكن نقتلهم داخل معسكرات إبادة؟
نتنياهو، والنظام الإسرائيلي الذي أقامه على صورته ومثاله، يفرّق بين المختطَفين وسكان غزة، بين الدم اليهودي والدم الفلسطيني، لكنه يبقى غير مبالٍ بمصير أيٍّ منهم. فبحسب منطقه، نحن نجوع سكان غزة ونحطم حياتهم – من أجل إنقاذ المختطفين. أي أن سكان غزة هم مجرد وسيلة لتحقيق غاية. وفي المقابل، ومن خلال حجة تناقض سابقتها بوضوح، يدّعي أن إسرائيل تضحي بحياة المختطفين – من أجل أن تواصل تدمير غزة وسكانها. أي أن المختطَفين أنفسهم يتحولون إلى وسيلة لتحقيق غاية. اجمعوا بين الحجتين، فتحصلون على نزع كامل للإنسانية وانعدام تام للتعاطف تجاه كلا المجموعتين.
لا يُتوقع من نتنياهو وحكومته لا قيم ولا مشاعر إنسانية. أنصاره يرددون "آمين"، والأغلبية الصامتة – صامتة. تقف مكتوفة الأيدي. لكن حتى أفضل الإسرائيليين، أولئك الذين يشاركون بلا كلل في المظاهرات المطالِبة بالإفراج عن المختطَفين، يفرّقون بين دم ودم. "لا شيء أهم، يجب إعادة كل مختطَف" – هذا هو النداء في كل مظاهرة ومسيرة. ولكن، في الغالب، يسود الصمت التام عندما يتعلق الأمر بخراب غزة وقتل سكانها. تعاطفعميق مع عشرات "منّا" الذين "يعانون ويموتون" – وتجاهل تام لمعاناة وموت مليوني فلسطيني. لا يريدون إزعاج أحد، ولا تنفير أحد، ولا تقسيم الصفوف. لا يريدون إقلاق راحة أولئك الذين يقفون جانبًا.
لكن الإنسانية كونية. لا يمكن إظهار التعاطف مع معاناة المختطَفين وعائلاتهم، وفي الوقت نفسه إغلاق القلب أمام معاناة الآخرين. صحيح أن لا شيء أكثر أهمية من إنقاذ المختطَفين فورًا – لكن هنالك ما لا يقل أهمية: الحياة الإنسانية لمليوني إنسان في غزة. الاعتراف بقيمة الإنسان والتعاطف الإنساني يفرضان النضال من أجل هؤلاء وأولئك، معًا. وهم يستحقون ذلك بما يكفي لأن نقف من أجلهم، حتى لو أغضب الأمر البعض أو نفّرهم. للأسف، قلة فقط من المتظاهرين ضمن "الكتلة ضد الاحتلال"، و"نقف معًا"، و"فري جيروزالم" يصرخون: "كل طفل بريء"، و"لا يتحقق النصر على جثث الأطفال/المختطَفين". أو ببساطة: "كفى للحرب!"
طوال حياتي لم أستطع فهم كيف استطاع الألمان أن يقفوا مكتوفي الأيدي، أن يدعوا الفظائع تقع، وأن يواصلوا حياتهم وكأن شيئًا لم يحدث. قرأت كتبًا، شاهدت أفلامًا، درست مقالات أكاديمية. وجدت تحليلات كثيرة – تاريخية، سوسيولوجية، ونفسية. لكن لم يستطع أي منها أن يشرح لي فعليًا كيف يمكن استيعاب نزع الإنسانية بهذا العمق، ومحو التعاطف مع الآخر. كيف يُفقد الإنسان إنسانيته. أما الآن، وأنا أسير في الشوارع التي عشت فيها طوال حياتي، أدرك أن معظم من يحيطون بي يقفون مكتوفي الأيدي؛ يقفون على دم المختطَفين وسكان غزة؛ يتركون الفظائع تحدث ويواصلون حياتهم دون أن يرفّ لهم جفن. كيف يمكن لهذا أن يكون؟
في هذا اليوم لذكرى المحرقة، ينبغي لكل إسرائيلية وإسرائيلي أن يروا أنفسهم وكأنهم في غزة: محاصرون، مضروبون، جوعى في الأنفاق؛ يجوبون بين أنقاض عالمهم المدمر، مفجوعين، تائهين، منهارين، ولا يملكون شيئًا. عليهم أن يشعروا بالمعاناة التي لا تطاق للمختطَفين ولسكان غزة. أن ينكمشوا في رعب. ومن هذا المكان، يبدأ الحساب مع الذات. ثم عليهم أن يجدوا السبيل ليصرخوا: "كفى للحرب!"، لأننا نذكّر – أن كل ما يحتاجه الشر لينتصر هو أن تواصلوا الصمت.
هآرتس







.png)


.jpeg)



.png)

