يوم الاثنين، 13 تشرين الأول، رنّت الهواتف المحمولة لعائلات المحتجزين الإسرائيليين. وعلى الطرف الآخر من الخط – ممثلون عن حركة حماس. عَيناف تسنجوكر، جولي كوبرشتاين، روحاما بوحبوط، وأهالٍ آخرون ممن انتظروا مئات الأيام، تلقّوا مكالمة فيديو مع أحبّائهم. ليس عبر الصليب الأحمر، ولا عبر وسطاء – بل في اتصال مباشر من حماس إلى العائلات.
كان التغيير مقارنة بعمليات الإفراج السابقة دراماتيكيًّا. في السابق كانت هناك منصّات، ومسلّحون ملثمون، وجماهير تهتف، وأسرى يُدفعون نحو الكاميرات في مشهد قاسٍ من استعراض القوة والإذلال. أما هذا الصباح – فكانت مكالمات فيديو. حماس اتصلت مباشرة بعائلات المحتجزين. هذا التغيير ليس صدفة، بل هو نتيجة مئات الأيام التي أنشأ الجمهور الإسرائيلي خلالها قناة تواصل جديدة في “ساحة الأسرى”. لم ينتظروا القنوات الدبلوماسية، ولم يكتفوا بالوساطة، بل وقفوا في الساحة وتحدثوا مباشرة – إلى حكومة إسرائيل، إلى العالم، وبالأساس إلى غزة. كانت الرسالة واضحة: نحن هنا، وأطفالنا بشر لهم أسماء وعائلات، ولن نرحل إلى أي مكان.
الأمر يتجاوز مجرد تغيير تكتيكي. فعندما تتصل حماس مباشرة بعائلات الأسرى، فهي تجري تمييزًا متعمّدًا بين المواطنين الإسرائيليين وحكومتهم. وهو التمييز ذاته الذي قامت به السعودية عندما أعلنت أن التطبيع ممكن مع حكومة إسرائيلية أخرى. إنها النظرة التي تنتشر في الشرق الأوسط – بأن الشعب الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية ليسا شيئًا واحدًا. بطبيعة الحال، هذا التمييز تبسيطي، ومع ذلك، فإن مجرد قيام حماس به – رؤيتها درجات وألوانًا بدل الأسود والأبيض، وأشخاصًا بدل “أعداء” – أمر ذو دلالة عميقة.
توسّع هذه المكالمات الهاتفية الشرخ الذي بدأ يظهر في الجدران العالية لنزع الإنسانية المتبادل، تلك التي بُنيت عبر سنوات طويلة. “نزع الإنسانية” – العملية النفسية التي نتوقف فيها عن رؤية الآخر كإنسان – هي آلية دفاع شبه حتمية في النزاعات الطويلة، إذ من الأسهل محاربة عدوّ مجرّد من أن تحارب أناسًا لهم أسماء وعائلات.
وقد تعزز هذا المسار على جانبي الحدود طوال سنوات، وتعمّقت جدران نزع الإنسانية المتبادل، مغموسة بأحداث صادمة ودورات عنف متكرّرة، حتى بلغت ذروتها في هذه الحرب. الخطاب العام على الجانبين أصبح تعميميًا، إقصائيًا، يحوّل جماهير من البشر إلى “آخرين” يُختصرون كرمز للشرّ.
لكن في اللحظة التي تتصل فيها حماس ببيت أسرة إسرائيلية، يحدث تصدّع ما. فحماس تعترف بأن وراء “العدو الصهيوني” أمًّا تنتظر ابنها. والعائلات، وإن كانت على غير رغبتها، تكتشف أن من يحتجز أحبّاءها قادر على رفع الهاتف، والسماح لهنّ برؤيتهم وسماع أصواتهم.
إنها لحظة اعتراف متبادَل، صعبة ومعقّدة. فحماس تعترف بالأسر كأناس لهم مشاعر وألم وحقّ في سماع أصوات أحبّائهم. والعائلات تُجبر على الاعتراف بأن على الجانب الآخر هناك من يستطيع القيام بلفتة تبدو إنسانية، حتى لو كانت محسوبة. إنها مناورة قاسية – استخدام مشاعر الأهل كأداة تفاوض، وتحويل أعمق أشواقهم إلى وسيلة في لعبة سياسية. ومع ذلك، فإن هذه المناورة بحد ذاتها تحمل اعترافًا: هناك آباء وأمهات، لا “أعداء” فحسب.
قالت أمّ هذا الصباح لابنها إنها تحبّه، عبر هاتف تابع لحماس – تلك لحظة تتجاوز السياسة كلها. تنهار كل السرديّات الكبرى للحظة بسيطة واحدة بين أمّ وطفل. وقد أتاحت تلك اللحظة حقيقة أن شخصًا ما في حماس قرر أن يرفع الهاتف. ليس بالأمر الكبير، وربما لا شيء على الإطلاق. لكن مجرد أن حماس اتصلت هذا الصباح ببيوت العائلات الإسرائيلية، واختارت أن تفتح قناة تواصل مباشرة مع الأهالي، يعني أن نزع الإنسانية المتبادل الذي بنيناه على مرّ السنين ليس قدرًا محتومًا
حتى في قلب الصراع الأكثر قسوة، هناك شروخ. تلك الشروخ لن تجلب السلام غدًا، لكنها تذكير بأنه حتى في أحلك الظلمات، لا تختفي تمامًا القدرة على رؤية الآخر كإنسان. والسؤال ليس ما إذا كنا سنحافظ عليها، بل كيف نفعل ذلك دون أن ننسى ما الذي أوصلنا إلى هنا.
هذا لا يمحو شيئًا – لا فظائع السابع من أكتوبر، ولا معاناة المحتجزين، ولا الوضع المروّع في غزة، ولا حطام هذه الحرب. إنه لا يصنع مصالحة، لكنه موجود.
الكاتبة طالبة دكتوراه في الإعلام، جامعة بار إيلان
(هآرتس)







.png)


.jpeg)



.png)

