تسفي برئيل: تهديد ويتكوف الخفي ضد مصر هو أيضًا تهديد لعلاقاتها مع إسرائيل

A+
A-
تظاهرة ضد تهجير الفلسطينيين على الجانب المصري من معبر رفح في 31 يناير 2025 (شينخوا

تظاهرة ضد تهجير الفلسطينيين على الجانب المصري من معبر رفح في 31 يناير 2025 (شينخوا

بصوته الهادئ والمستقر، وبنبرة تشبه خطاً مستقيماً على شاشة المراقبة، ألقى المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، قنبلة صادمة ذات تأثير هائل. هذه القنبلة نشرت الذعر وأحدثت موجات صدى عاصفة في مصر، ولم تقتصر تداعياتها عليها فقط. ففي مقابلة طويلة مع تاكر كارلسون، وضع ويتكوف مصر تحت المجهر، ومن دون تمهيد أو تخدير، قرر أن مصير المنطقة يعتمد على مصير غزة، وأن مصر الآن في عين الخطر.

وقال: "كل ما حدث في لبنان، مثل تعيين الرئيس الجديد نتيجة القضاء على السنوار ونصر الله، قد ينقلب رأساً على عقب إذا خسرنا مصر". ولكن لماذا يرى أننا قد "نخسر" مصر؟ لأن نسبة البطالة فيها، وفقاً للإحصاءات، مرتفعة للغاية، حيث تصل بين الشباب دون سن 25 إلى 45%. وأكد ويتكوف أن أي دولة لا يمكنها الاستمرار مع مثل هذه النسبة المرتفعة من البطالة.

وأضاف المبعوث الأمريكي: "إلى حد كبير، مصر على وشك الإفلاس وتحتاج إلى دعم هائل. وإذا شهدنا حدثاً سيئاً هناك، فسيعيدنا ذلك إلى الوراء". هذه التصريحات كانت بمثابة شحنة ناسفة كلامية قام ويتكوف بتركيبها بمهارة. تعليق مستقبل 110 ملايين مصري بمصير مليوني فلسطيني في غزة كان الجزء الأقل استفزازاً في تصريحاته. ومن هناك، تصاعدت تصريحاته حتى وصلت إلى وصف مصر بأنها "دولة مفلسة"، مستخدماً أرقام بطالة غير دقيقة، حيث تشير الإحصاءات الرسمية المصرية، المدعومة بأبحاث غربية، إلى أن معدل البطالة العام يبلغ 6.3%، بينما يصل بين الشباب إلى نحو 14.5%. كما أن تأكيده أن مصر لن تتمكن من الاستمرار مع هذا المعدل من البطالة كان استنتاجاً مثيراً للجدل. وأخيراً، كان هناك تلميح خفي لكنه خطير بشأن اعتماد مصر على المساعدات الأمريكية.

في مصر، تم ربط نشر المقابلة مباشرةً بتقرير نُشر في اليوم السابق في صحيفة "الأخبار" اللبنانية المقربة من حزب الله، والذي ادعى أن مصر وافقت على استقبال نصف مليون فلسطيني من غزة مؤقتاً في مدينة ستُقام في سيناء. وسارعت مصر إلى نفي هذا التقرير رسمياً، لكنها فوجئت بتصريحات ويتكوف التي شكّلت صفعة قوية لها. ولم تتأخر الردود المصرية؛ حيث كتب الصحفي والمحلل المصري نشأت الديهي: "ويتكوف هو مجرد مستثمر عقاري لم يقرأ التاريخ، ولا يعرف الجغرافيا، ولا يفهم طبيعة المنطقة وتعقيداتها، ولا يدرك دور مصر المحوري". وأضاف: "مصر ليست دولة مفلسة، فليذهب دعمكم إلى الجحيم".

من جهته، صرح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حسين الهريدي، في مقابلة مع صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية بأن تصريحات ويتكوف تشكل "تهديداً مبطناً لمصر"، معتبراً أنها "نوع من الابتزاز والترهيب لإجبار مصر على قبول التهجير القسري للفلسطينيين وعدم عرقلة المحاولات الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية". كما علّق الإعلامي المصري البارز أحمد موسى قائلاً: "رغم أزماتنا الاقتصادية، فقد دعمنا أشقاءنا الفلسطينيين بأموالنا وعرقنا، وقدمنا 75% من إجمالي المساعدات الدولية التي دخلت إلى غزة. لكننا سنقف في وجه أي ضغوط، ولن نسمح بتمرير مخطط التهجير حفاظاً على أمننا القومي".

لا شك أن مصر تواجه أزمات اقتصادية خانقة، لكنها ليست بسبب غزة. بل على العكس، الرئيس عبد الفتاح السيسي قام بتنفيذ إصلاحات اقتصادية معقدة، من بينها رفع أسعار الوقود ثم أسعار الخبز، وهي قرارات لم تجرؤ الأنظمة السابقة على اتخاذها لعقود، كما قام بتعويم الجنيه المصري، ما أدى إلى انخفاض قيمته بنحو 40% مقابل الدولار. لكن الإنجاز الأبرز للسيسي تمثل في جذب دول الخليج للاستثمار بمليارات الدولارات في مشاريع تنموية ضخمة. فقد تعهدت الإمارات بضخ 35 مليار دولار في مشروع عقاري، بينما خصصت السعودية نحو 10 مليارات دولار، في حين تستعد قطر لرفع استثماراتها إلى 7 مليارات دولار.

صحيح أن الدعم الاقتصادي الذي تقدمه دول الخليج لمصر – والذي يفوق أضعاف المساعدات الأمريكية – لا يكفي لإنهاء أزماتها، كما أنه لا يعوّض عن الغطاء السياسي والعسكري الذي توفره واشنطن للقاهرة، والذي يفتح لها أبواب المؤسسات المالية الدولية. لكن هذا الدعم يتيح لمصر رسم خطوطها الحمراء، والتصدي للضغوط السياسية التي تعرضت لها سابقاً، مثل تلك التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدفعها مع الأردن إلى استقبال نحو مليوني فلسطيني من غزة. وقد تراجع ترامب لاحقاً عن هذا الطلب، مؤكداً أنه لن يكون هناك إجلاء قسري لسكان غزة، وذلك بعد محادثات مكثفة مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان. غير أن تصريحات ويتكوف الأخيرة، تزامناً مع الإعلان عن إنشاء "إدارة الهجرة الطوعية" في إسرائيل، أعادت المخاوف المصرية إلى الواجهة.

مصر قدّمت المساعدة لسكان غزة ومستعدة لمواصلة ذلك، كما أنها تتطلع للمشاركة في إعادة إعمار القطاع، وهو مشروع قد يحقق لها مكاسب اقتصادية في حال تنفيذه. لكن استقبال سكان غزة على أراضيها، حتى لو كان "طوعياً"، مسألة مختلفة تماماً. من منظور القاهرة، يمثل هذا السيناريو تهديداً متعدد الأبعاد، يبدأ بالمخاوف على أمنها القومي، إذ قد ينشأ من بين اللاجئين فصائل مسلحة لا تستهدف إسرائيل فقط، بل قد تتعاون مع جماعات متشددة تنشط بالفعل داخل مصر.

مصر لا تزال تخوض معركة دموية ضد التنظيمات الإرهابية، وآخر ما تحتاجه هو تعزيز هذه الجماعات بمقاتلين مدربين قادمين من غزة. إضافة إلى ذلك، فإن استيعاب الغزيين على أراضيها يعني، عملياً، "تصفية القضية الفلسطينية"، كما كتب نشأت الديهي، وتحويل حلها إلى داخل حدود مصر، حتى لو تم احتجاز اللاجئين داخل مدينة مخصصة لهم مقابل تعويضات مالية ضخمة. ولهذا السبب، يُنظر إلى اقتراح يائير لابيد بأن "تتولى مصر إدارة غزة لفترة مؤقتة" على أنه غير واقعي تماماً.

صحيح أن مصر استقبلت نحو 100 ألف غزي فرّوا إليها في بداية الحرب، عندما كان معبر رفح لا يزال مفتوحاً، لكنها فرضت قيوداً صارمة على حركتهم، ومنعتهم من العمل، بل وحتى من تلقي مساعدات من "الأونروا"، لأن المنظمة لا تملك تفويضاً للعمل في مصر. أما الجرحى والمرضى الذين دخلوا إلى المستشفيات المصرية، فيُعاملون في ظل قيود مشددة، حيث يُطلب منهم أحياناً شراء أدويتهم بأنفسهم، فيما لا يُسمح لمرافقيهم بمغادرة المستشفى إلا بموافقة أمنية ولفترات محدودة.

الرفض المصري لاستقبال سكان غزة يحظى بدعم جميع الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، التي تتبنى موقفاً صارماً ضد أي خطة للترحيل القسري. ورغم معرفة ويتكوف وترامب بالموقف السعودي، فإن تصريحات المبعوث الأمريكي أغفلت الإشارة إلى أن "تغيير التركيبة السكانية في غزة" سيصطدم بمعارضة المملكة، مما سيُجهض أيضاً حلم التطبيع بين إسرائيل والسعودية.
وعلى الرغم من حديث ويتكوف عن توسيع "اتفاقيات أبراهام"، فإنه لم يتطرق إلى المخاطر التي قد تترتب على العلاقات بين إسرائيل ومصر بسبب خطة التهجير، وما قد تسببه من تهديد لاتفاقية السلام بين البلدين. ومع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، والتلميحات حول احتلال طويل الأمد، تزداد المخاوف في مصر من أن تفتح إسرائيل معابر نحو أراضيها، ما يضع القاهرة أمام خيارين: إما استيعاب اللاجئين تحت الضغط، أو استخدام القوة لمنع دخولهم، وكلا السيناريوهين يحمل تداعيات كارثية على العلاقات المصرية الإسرائيلية.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية