مقابلة مع شـاهريار باسـنديده هو محلل عسكري وأمني بارز، متخصص في قضايا الاستراتيجية العسكرية والصراع في الشرق الأوسط. باحث في جامعة جورج واشنطن الأمريكية ويركّز في أبحاثه على تأثير التطورات في التكنولوجيا العسكرية على السياسة الدولية. يتناول في أبحاثه تأثير الأسلحة الجديدة، مثل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، على علاقات القوة والنفوذ بين الدول.
أجرى معه المقابلة مرتضى حسين هو صحفي ومحلل سياسي كندي، وهو صوت بارز في تغطية قضايا الأمن القومي، والسياسة الخارجية الأميركية، والعلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي، خصوصًا ما يتعلق بإيران، العراق، وسوريا. وقد نشرت هذه المقابلة على مدونته الشخصية.
هل يمكنك أن تزوّدنا بنظرة عامة موجزة عن كيفية اندلاع الحرب من الناحية التكتيكية؟
افتتحت إسرائيل الحرب بهجوم مفاجئ منحها سلسلة من المزايا العملياتية الحاسمة. ففي اللحظات الأولى، أطلقت إسرائيل صواريخ باليستية تُطلق من الجو باتجاه أهداف داخل إيران، يُرجّح أنها انطلقت من مواقع في العراق أو سوريا، تزامنًا مع عمليات برية سرّية نفذتها عناصر من جهاز "الموساد" وقوات خاصة إسرائيلية، والأهم من ذلك، بمشاركة ما يبدو أنه عدد كبير من المتعاونين المحليين داخل إيران، كانوا تحت إشراف مباشر من الموساد. صُمِّمت هذه الضربات الأولية لتقويض شبكة الدفاع الجوي الوطنية الإيرانية، وشبكات القيادة والسيطرة، وشلّ قدرة إيران على تنفيذ ردٍّ انتقامي عاجل، وذلك في الوقت الذي سعت فيه إسرائيل إلى تحقيق أحد أهدافها الرئيسة المتمثلة في اغتيال عدد من كبار العلماء النوويين الإيرانيين.
من خلال المبادرة بالهجوم المفاجئ، تمكنت إسرائيل من تقليص مستوى التعقيد وعدم اليقين الملازمين لخطة استهدافها الواسعة. وقد باغتت إيران وهي في وضع منعدم الجاهزية، ما مكّن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من البناء سريعًا على الزخم الأولي الذي تحقق.
تشير التقارير الإعلامية التي ظهرت في الأيام الأولى من الحرب إلى أن إيران كانت بصدد التحضير لعملية ردّ شاملة تتضمن إطلاق نحو 1000 صاروخ باليستي. وبما أن عدد منصات الإطلاق المتاحة يُمثّل عنق الزجاجة في هذا السياق، يبدو أن إيران كانت تخطط لإطلاق عدة رشقات صاروخية ضخمة خلال فترة زمنية تتراوح بين 24 إلى 48 ساعة. وبعبارة أخرى، فإن إيران كانت تعتزم تنفيذ موجات قصف باليستي كثيفة، على نحو يشبه الضربة الصاروخية الباليستية التي شنّتها ضد إسرائيل في أكتوبر 2024.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إيران تخطط لاستخدام صواريخ كروز نفّاثة أو طائرات مسيّرة هجومية مدفوعة بالمراوح بالتوازي مع عملية الإطلاق الباليستي الواسعة تلك، التي تضمّنت نحو 1000 صاروخ ضمن ما وُصف بأنه ضربة انتقامية كبرى محتملة.
كيف قوّض الهجوم المفاجئ الاستراتيجية الإيرانية للردّ الانتقامي، التي تعتمد على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الهجومية؟
من خلال تقويض شبكة الدفاع الجوي الوطنية الإيرانية، وشبكات القيادة والسيطرة، يبدو أن إسرائيل قد أضعفت بشدة قدرة إيران على تنفيذ عملية ردّ انتقامي عاجلة. إضافة إلى ذلك، استهدفت القوات الجوية الإسرائيلية، إلى جانب عملاء إسرائيليين وغير إسرائيليين داخل إيران، الوحدات العسكرية الإيرانية المكلّفة بتشغيل ليس فقط الصواريخ الباليستية، بل كذلك صواريخ الكروز والطائرات المسيّرة الهجومية.
وفقاً للتقارير، أطلقت إيران في الليلة الأولى من الحرب نحو 100 صاروخ باليستي، في حين يُقدّر أنها أطلقت نحو 180 صاروخًا في هجومها الكبير في الأول من أكتوبر 2024. من غير الواضح ما إذا كانت هذه الضربة المحدودة في 13 يونيو 2025 ناتجة عن رغبة إيرانية متعمّدة في الحفاظ على ما تبقى من ترسانتها الباليستية المُستنزفة. تجدر الإشارة أيضًا إلى أن عمليات الاغتيال الدقيقة التي استهدفت بعض كبار القادة العسكريين الإيرانيين، من المرجح أنها أدت إلى شلل مؤقت في منظومة القيادة والسيطرة العسكرية الإيرانية.
لقد ساهم هذا التأثير المعقّد، المتمثّل في استهداف القيادات العسكرية العليا، والمنشآت الحيوية للاتصالات العسكرية، إلى جانب الاستخدام المحتمل للهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية، ناهيك عن الحملة النفسية الشرسة التي شنّتها إسرائيل فعليًا، في إرباك الاستراتيجية الإيرانية للردع، لا سيّما في الأيام الأولى من الصراع.
وعلى الرغم من أن إيران أطلقت، بحسب التقديرات، نحو 550 صاروخًا باليستيًا طوال فترة الحرب، تُشير التقارير الإسرائيلية إلى أنها أطلقت أيضًا نحو 1000 طائرة مسيّرة هجومية، إلى جانب نماذج محدودة من نسخة نفاثة متقدمة لطائرة "شاهد-136" الشهيرة. وتزعم القوات الإسرائيلية أنها دمّرت أكثر من 950 طائرة مسيّرة هجومية إيرانية على الأرض، أي قبل أن تُطلق في الجو. وعلى الرغم من أن البيانات تشير إلى أن إيران أطلقت ضعف عدد المسيّرات مقارنة بالصواريخ الباليستية، فإن جهود الردّ الإيرانية الأولية كانت محدودة أيضًا من حيث عدد الطائرات المسيّرة التي استُخدمت فعليًا في الهجمات.
وبالرغم من التوقعات بعملية انتقامية إيرانية أوسع نطاقًا، فإن الهجوم الإسرائيلي المباغت والفعّال أدى سريعًا إلى تقليص قدرة إيران الهجومية. فقد لحقت أضرار كبيرة بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الأنفاق التي تؤدي إلى القواعد الصاروخية تحت الأرض. ومع شبه انهيار منظومة الدفاع الجوي الإيرانية في غرب البلاد، يبدو أن الوحدات المكلّفة بتشغيل الصواريخ والطائرات المسيّرة اقتصرت على العمل ليلاً، على الأرجح لتفادي الرصد من قبل الأقمار الصناعية العسكرية والتجارية التي تدور في الفضاء.
وبجملة القول، نجحت إسرائيل في الحدّ من حجم وكثافة الهجمات الباليستية التي تمكنت إيران من شنّها خلال الحرب.
هل يمكنك وصف طبيعة الضربات الصاروخية الباليستية الإيرانية خلال الحرب؟
بعد الموجات الأولى التي اتّسمت بكثافة نسبية من إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الهجومية، اتّجهت إيران — سواء بدافع القرار أو تحت وطأة الظروف — إلى حملة أكثر تواضعًا من حيث الحجم ولكن أكثر قابلية للاستمرار في الأيام التالية. وعلى الرغم من أن هذه الضربات كانت كبيرة نسبيًا — ويُقال إنها شملت ما بين 24 إلى 36 صاروخًا باليستيًا متوسط المدى في معظم الأيام — إلا أنها لم تبلغ مستوى الكثافة التي توقّعها العديد من المحللين، ولا تلك التي بلغتها إيران في هجماتها المركّزة خلال يوم واحد في أبريل وأكتوبر 2024.
ومع مرور الوقت، شرع الجيش الإسرائيلي في نشر مجموعة كبيرة من مقاطع الفيديو التي توثّق استهدافه لعمليات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية — وبعض الأهداف التي يُرجّح أنها مجسّمات خداعية لقاذفات صواريخ. وقد جاءت هذه الخسائر فوق عدد غير معلوم من قاذفات الصواريخ الباليستية والصواريخ نفسها التي تم تدميرها أو شلّ حركتها عمليًا داخل القواعد الصاروخية تحت الأرض التابعة لإيران، والتي يُعتقد أنها كانت عرضة لمراقبة إسرائيلية شبه دائمة، بالإضافة إلى طلعات جوية متكررة لطائرات مسلّحة إسرائيلية مأهولة وغير مأهولة.
وكانت النتيجة التراكمية لذلك تراجعًا تدريجيًا في وتيرة الإطلاقات الإيرانية، وهو ما عكس في آنٍ واحد تدهورًا ماديًا في القدرة على الإطلاق، إلى جانب ظهور محفّز نفسي واضح لدى فرق الإطلاق الإيرانية يدفعها إلى البقاء في مواقعها المموّهة وعدم المجازفة بالخروج منها.
من "انتصر" في هذه الحرب برأيك؟
من منظور تكتيكي وعملياتي، لا جدال في أن إسرائيل ألحقت ضررًا أكبر بكثير بطرف الخصم، وخرجت متفوقة ميدانيًا. فقد بدا أداء إيران العسكري ضعيفًا بشكل ملحوظ في عدد من المجالات الأساسية، وعلى وجه الخصوص في الدفاع الجوي والأمن الداخلي. ومع ذلك، فإن تقييم الحرب من منظور النتائج التكتيكية وحدها — كمشاهد تدمير منصات إطلاق الصواريخ وما شابه — يُغفل الأبعاد السياسية والاستراتيجية الأوسع. فالحروب لا تُحسم فقط في ميدان المعركة؛ بل تُقرّر وتُدار وتُختم بدوافع سياسية على يد قيادات سياسية. وتُشكّل هذه القرارات السياسية بناءً على الأهداف الاستراتيجية التي تحددها الدولة لنفسها، وهي الأهداف التي تُشكّل في النهاية المعيار الأساسي لتحديد النجاح أو الإخفاق.
تشير العديد من الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل خلال الحرب، بالإضافة إلى تصريحات علنية صدرت عن مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، بمن فيهم رئيس الحكومة، إلى أن من بين أهداف إسرائيل المعلنة كان الدفع باتجاه تغيير النظام من الداخل في إيران. وبما أن إسقاط النظام كان أحد الأهداف الذاتية التي رسمتها إسرائيل لنفسها عندما قررت خوض الحرب وبدءها بهجوم مفاجئ، فإن الواقع حتى الآن يدل على أن إسرائيل أخفقت في تحقيق هذا الهدف. فقد احتفظ المجتمع الإيراني بتماسكه رغم الهجوم الإسرائيلي المباغت وما تبعه من سقوط أعداد متزايدة من الضحايا المدنيين، حتى مع دعوات المسؤولين الإسرائيليين — وأحيانًا الأميركيين — للإيرانيين بالخروج إلى الشوارع للإطاحة بالجمهورية الإسلامية.
عسكريًا، احتفظت إيران بقدرتها على مواصلة إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الهجومية حتى في الأيام والساعات الأخيرة من الحرب التي امتدت اثني عشر يومًا. وعلى الرغم من أن حجم الضربات كان أقل بكثير مقارنة ببدايات الحرب، ناهيك عن العمليات المكثفة التي نفذتها إيران في أبريل وأكتوبر 2024، فإن استمرار هذه الهجمات أظهر حدود الإنجاز العملياتي الإسرائيلي.
ومع ذلك، فقد نجحت كل من إسرائيل والولايات المتحدة في الحفاظ على مظلة دفاعية صاروخية قوية فوق الأراضي الإسرائيلية، وفشلت الرشقات الإيرانية في اختراق أنظمة الدفاع الباليستي الإسرائيلية والأميركية بشكل منتظم، خصوصًا عندما استهدفت أهدافًا عالية القيمة كان من شأنها، لو أُصيبت، أن تغيّر مسار الحرب. ومع ذلك، فإن مجرد احتفاظ إيران بأي قدرة على الرد بعد تعرضها لهجمات مكثفة ومتواصلة، يثير تساؤلات حقيقية حول مدى نجاح إسرائيل على المستويين التكتيكي والعملياتي — لا سيما في ظل السياق العسكري المؤاتي الذي وفّره لها الهجوم المفاجئ المدعوم أميركيًا. وعلى الرغم من أن إسرائيل حققت عددًا من النجاحات الميدانية اللافتة، وخرجت متفوقة بوضوح على إيران في هذه الجولة، فإنها في نهاية المطاف لم تنجح في تحييد قدرات إيران الصاروخية والهجومية بشكل حاسم، كما أنها فشلت في فرض استسلام سياسي صريح من طهران.
كيف ساهم حلفاء إسرائيل في تعزيز أدائها خلال الحرب، وكيف أثّرت عزلة إيران على أدائها في هذا الصراع؟
دخلت إيران الحرب وهي معزولة إلى حدّ كبير — ومعزولة أيضًا بإرادتها — عن المسرح الدولي. فهي لا تمتلك حلفاء عسكريين رسميين، ولم تسعَ فعليًا إلى بناء مثل هذه التحالفات. وعلى الرغم من علاقاتها البراغماتية التي تحكمها المصالح الظرفية مع كل من روسيا والصين، فإن أياً من هاتين القوتين لا يلتزم بالدفاع عن إيران، كما أن طهران لا تبدي رغبة في التورط في التحديات البنيوية العديدة التي تواجههما. فهذه العلاقات تظل في جوهرها دبلوماسية واقتصادية. لا موسكو ولا بكين قدمتا لطهران دعماً ملموساً خلال مجريات الحرب.
وعلى النقيض التام، استفادت إسرائيل إلى حدّ بالغ من دعم الولايات المتحدة، التي لم تكن مجرد شريك داعم طويل الأمد، بل تحوّلت منذ أكتوبر 2023 إلى شريك حامٍ نشط ومتدخل بشكل مباشر. ومن المرجح أن الدعم الأميركي كان حاسمًا، سواء من خلال ردع إيران عن اتخاذ عدد من الخطوات، أو عبر تعزيز قدرات إسرائيل الدفاعية ضد الصواريخ الباليستية، كماً ونوعاً، من خلال نشر أنظمة أميركية متقدمة للدفاع الصاروخي على اليابسة وفي البحر.
ومن جملة العوامل التي ساهمت في اندلاع حرب يونيو 2025 بين إيران وإسرائيل، كان وجود مظلة دفاع صاروخي أميركية مسبقة التمركز في إسرائيل، تمثلت في نشر منظومة "ثاد" الأميركية المتقدمة للدفاع ضد الصواريخ الباليستية. فقد أقدمت إدارة بايدن، في خطوة غير مسبوقة، على نشر بطارية "ثاد" في إسرائيل في أكتوبر 2024. ولا يمكن المبالغة في أهمية هذه الخطوة، خصوصاً في ضوء التراجع الحاد في مخزون إسرائيل من صواريخ الاعتراض خلال جولات القتال في أبريل وأكتوبر من نفس العام. وكما في تلك الجولات، نُشرت خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً عدة مدمرات أميركية من طراز "ايجيز" التابعة للبحرية الأميركية، بهدف تعزيز قدرات إسرائيل على اعتراض الصواريخ الباليستية. هذه الأنظمة الأميركية البرية والبحرية عززت إلى حدّ كبير قدرة إسرائيل على التصدي لرشقات الصواريخ الإيرانية، خاصة عند إطلاقها بكثافة.
ويُعتقد أن الولايات المتحدة قدّمت مساعدات إضافية أقل وضوحاً، مثل دعم الاستهداف القائم على بيانات الأقمار الصناعية وعمليات إلكترونية سيبرانية، وإن كانت معظم هذه المساهمات لم تُؤكَّد رسمياً حتى الآن.
أما الدول الأوروبية، فقد تكون ساعدت إسرائيل بمعلومات استخباراتية عالية الدقة، أو على الأقل منحتها وصولاً تفضيليًا إلى صور أقمار صناعية تجارية — وهو دعم قد لا يُعدّ عسكريًا من حيث الشكل، لكنه لعب على الأرجح دورًا مؤثراً في مسار العمليات.
إضافة إلى ذلك، يُرجّح أن جيران إيران الإقليميين ساهموا بدور أكثر سلبية لكن لا يقل تأثيرًا، إذ لم تُعلن أي من هذه الدول دعمًا مباشرًا لإسرائيل، غير أن بعضها قد يكون تعاون بهدوء مع الجهود الأميركية أو الإسرائيلية في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، مما يعمّق الشعور بعزلة إيران الإقليمية.
ولولا قيام الولايات المتحدة بنشر منظومات دفاع صاروخي متقدمة وأصول بحرية في وقت مبكر، لكانت إسرائيل قد واجهت صعوبات جمّة في امتصاص الرشقات الصاروخية الإيرانية. بل ومن غير المرجّح أن تكون إسرائيل قد بادرت إلى بدء هذه الحرب في توقيتها الحالي وشكلها الهجومي لولا هذا الدعم. ومن هذه الزاوية الحاسمة، يمكن القول إن الولايات المتحدة لم تكن فقط ممكّنًا استراتيجيًا طويل الأمد لإسرائيل، بل إن نشرها المتقدّم لمنظومات الدفاع الصاروخي كان أحد الأسباب المباشرة — وليس العوامل التحتية فحسب — التي أدّت إلى اندلاع حرب يونيو 2025 بين إيران وإسرائيل.
اقترح بعض المراقبين أن إيران قد تسير على نهج باكستان وتتجه إلى الصين كمصدر رئيسي للتسلّح. فهل يُعدّ التوجّه نحو بكين خيارًا واقعيًا لصنّاع القرار في طهران؟
يمثّل الخيار الصيني نقطة جذب لافتة، ليس فقط نظرًا لتقدّم الصين في مجالات التكنولوجيا العسكرية، بل أيضًا بسبب الأداء القوي الذي أظهرته الأسلحة الصينية الصنع خلال النزاع بين الهند وباكستان. وبعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، لم تعد روسيا — التي شكّلت تاريخيًا مصدراً متقطعًا وإن كان مهمًا لتسليح إيران — قادرة على تزويد طهران بأنواع عديدة من الأنظمة القتالية، أو على الأقل ليس بالوتيرة التي تحتاجها إيران أو دول أخرى. في المقابل، نجحت الصين في تقليص الفجوة بشكل دراماتيكي، ليس فقط مع روسيا، بل كذلك مع الولايات المتحدة، في طيف واسع من التقنيات العسكرية، ما جعلها مورّدًا أكثر جاذبية لمجموعة متنوّعة من المنظومات.
فهل يمكن للصين أن تساعد إيران في سدّ الفجوات الحرجة التي كُشف عنها خلال الحرب؟ يعتمد ذلك على عوامل عديدة. في المقام الأول، هناك مسألة الموارد. فالقدرات المالية الإيرانية محدودة نتيجة لعقود من العقوبات الاقتصادية وسوء الإدارة البنيوية. ومع أن الصين قد تكون مستعدة لتقديم تسهيلات واسعة — مثل القبول بمقايضة النفط والغاز بدلًا من الدفع النقدي — إلا أن المسألة لا تتعلّق فقط بالقدرة على الدفع، بل كذلك بالأولويات. كيف تنظر إيران ما بعد الحرب إلى احتياجاتها العسكرية؟ على سبيل المثال، أظهرت الحرب أن إيران خصّصت وقتًا وموارد ضخمة للتحضير لمواجهة محتملة مع الولايات المتحدة ودول الخليج، لكنها أهملت إلى حد كبير الجبهة الإسرائيلية. ولو كان الوضع مغايرًا، لكنا رأينا تركيزًا دفاعيًا جويًا أكبر في غرب إيران.
هل بوسع إيران أن تعتمد على الصين لتوريد طائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي على نطاق واسع؟ فلنفرض توافر الموارد، واستمرار السياسات الحالية، وعدم وجود أي عوائق لوجستية، وأن الصين مستعدة لتزويد إيران بكل ما تطلبه. حتى في هذه الحالة، كم عدد الطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي التي تحتاجها إيران لإحداث تحول جوهري في توازن القوى مع إسرائيل؟ الإجابة: المئات، وربما أكثر من ذلك. وحتى مع ذلك، سيظل سلاح الجو الإسرائيلي — المتفوق نوعيًا والمدعوم أميركيًا على نحو مستمر — قادرًا إلى حد كبير على تحييد هذه القدرات سواء على الأرض أو في الجو، نظرًا لتفوقه المستمر وعدم وجود قوات جوية حليفة لإيران على طول المسافة الممتدة من طهران حتى تخوم إسرائيل.
واحدة من أهم الديناميات التي برزت في حرب إيران–إسرائيل تمثلت في العجز الكامل لكل من سوريا والعراق عن التدخل أو حتى مجرد التفكير في التصدي للعمليات الجوية الإسرائيلية. فهناك نحو ألف كيلومتر من المجال الجوي السوري والعراقي تفصل بين إيران وإسرائيل، وتحديدًا ما يقرب من 1500 كيلومتر من طهران إلى الأجواء الإسرائيلية. وبغياب أي تهديد من الدفاعات الجوية أو الطائرات المقاتلة السورية والعراقية، تمكّن الطيران الحربي الإسرائيلي من تقليص حمولته من صواريخ جو–جو، والتركيز على تنفيذ طلعات هجومية بعيدة المدى ومرتفعة القدرة على التحمل باتجاه العمق الإيراني.
لتجنّب تكرار سيناريو الحرب من خلال خيار وحيد يتمثّل في اقتناء الطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي من الصين — أو من أي دولة أخرى — سيتعين على إيران أن تشتري وتدير بين 300 و400 طائرة قتالية متقدمة، إلى جانب عدد ضخم من منظومات الدفاع الجوي المناسبة لمساحتها الشاسعة وطبيعتها الجغرافية الجبلية. وإذا ما اعتمدت إيران هذا المسار الأحادي لتعزيز قدراتها العسكرية، فإنها تكون قد راهنت على نقطة ضعف لا على نقطة قوة. من المرجح أن تحتفظ إسرائيل بتفوّقها العسكري، وستكون الاستثمارات الإيرانية، على ضخامتها، ذات مردود محدود. باختصار، لا الصين ولا روسيا قادرتان على تقديم حلول سريعة أو سهلة للقصور الهيكلي الذي أظهرته الحرب الأخيرة في المنظومة العسكرية الإيرانية.
ما هي آفاق امتلاك إيران للسلاح النووي بعد الحرب؟
يُعدّ هذا، من دون شك، السؤال الأكثر حساسية وتأثيرًا الذي يواجه إيران اليوم — وهو سؤال ظلّ يخيّم على الأفق الاستراتيجي الإيراني لعقود. وحتى هذه اللحظة، لا تزال درجة الضرر الفعلي الذي لحق بالمرافق النووية المعلَنة في إيران غير واضحة تمامًا. واستنادًا إلى التقارير الراهنة، يبدو أن كلًّا من الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية تعتقدان أن المرشد الأعلى، علي خامنئي، لم يتخذ بعد قرارًا استراتيجيًا بالمضي قدمًا في خيار "الاختراق النووي". غير أن هذه التقديرات الأولية قد تكون مستندة إلى معلومات ناقصة أو مضلِّلة، وقد تتغير مع مرور الوقت.
ورغم ما تكبّدته إيران من خسائر، فإنني أرى أن السعي نحو امتلاك سلاح نووي ليس خيارًا حكيمًا، لا من الناحية العملية ولا من الزاوية الاستراتيجية. لا ينبع هذا التقييم من المخاوف التقليدية المرتبطة بانتشار السلاح النووي في المنطقة، أو من احتمال اندلاع حرب نووية مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل يستند إلى التحديات الجسيمة التي ستواجهها إيران في سبيل بناء استراتيجية نووية متكاملة ومستدامة.
فأكثر الوسائل العملية التي تملكها إيران لتوصيل رأس نووي هي الصواريخ الباليستية. وكما كشفت الحرب الإيرانية–الإسرائيلية، بالإضافة إلى ضربات إيران الصاروخية المركّزة في أبريل وأكتوبر 2024، فإن النجاح في إيصال رأس نووي إلى العمق الإسرائيلي، أو حتى القدرة على التهديد القابل للتصديق بذلك، يواجه تحديات شديدة التعقيد. لا تقتصر هذه التحديات على الجانب النووي التقني، بل تشمل كذلك القدرات العسكرية التقليدية لإيران، والتي أظهرت هشاشتها في مواجهة شبكة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية المتقدّمة.
ورغم أن هناك طرقًا نظرية قد تتيح لإيران الالتفاف على بعض هذه العقبات، إلا أن الواقع المالي يقف عائقًا كبيرًا. فكل دولة امتلكت سلاحًا نوويًا اضطرت إلى تخصيص جزء ضخم من موازنتها الدفاعية لبناء تلك الترسانة وصيانتها، ولتطوير البحث العلمي اللازم لتفادي التقادم التكنولوجي. وبالتالي، فإن إيران النووية قد تكون ضعيفة على الجبهتين: لا تملك ردعًا تقليديًا فعّالًا، ولا تمتلك قدرة نووية مكتملة؛ ما يجعلها عرضة لأسوأ السيناريوهات الاستراتيجية، من دون أن تحصد مزايا حقيقية.
وبالنسبة لإيران، التي تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية خانقة، فإن عبء الحفاظ على ردع نووي حديث وفعّال سيكون مرهقًا إلى درجة قد تُقوِّض استقرارها الاستراتيجي. وعلى عكس دول مثل باكستان أو كوريا الشمالية، التي طوّرت برامجها النووية في ظروف جيوسياسية خاصة ومُيسِّرة، فإن إيران ستجد نفسها في مسار أكثر صعوبة وتعقيدًا لتطوير عقيدة نووية قابلة للاستمرار. ويجب التذكير بأن إيران ستكون "متأخرة" زمنيًا في هذا المضمار: فإسرائيل تمتلك تفوّقًا زمنيًا يناهز الستين عامًا في المجال النووي، وستواصل بلا شكّ تطوير ترسانتها الصاروخية والنووية في الوقت الذي ستكون فيه إيران لا تزال في طور التأسيس.
وبناءً على كل هذه الاعتبارات، فإن خيار التسلّح النووي، حتى بعد الحرب الأخيرة، قد لا يكون جذابًا كما يُخيّل للكثيرين. بل قد يُفضي إلى نتائج عكسية تجعل الوضع الإيراني أشد هشاشة بدلًا من أن يعزّزه.
ما الذي ينبغي على إيران فعله لاستعادة موقعها الاستراتيجي بعد الحرب؟
إذا افترضنا أن لدى إيران ما بين 30 إلى 40 مليار دولار لإنفاقه، فإن من الحكمة ألا تُخصّص هذه الموارد بالكامل لشراء معدات عسكرية من الصين أو روسيا، بل أن تركز بالدرجة الأولى على تعزيز قدراتها الضاربة الحالية—وتحديدًا الطائرات المسيّرة الهجومية، والصواريخ الجوالة، والصواريخ الباليستية—وذلك لما تُوفّره هذه الوسائط من قدرة ردعية عالية، لا سيما في أعقاب الحرب مع إسرائيل. وإذا افترضنا كذلك استمرارية التوجّه السياسي الراهن، فإن من غير الحكمة أن تُهمل القيادة الإيرانية ما تبقّى من "محور المقاومة"، بل ينبغي توسيع قدراته الهجومية. فقد أظهرت الحرب أن إيران باتت في حاجة ماسّة إلى حلفائها غير الدولتيين في الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى.
وعلى سبيل المثال، إذا استأنفت إيران إنتاج صواريخ "خيبر شكن" الباليستية، وكان بوسعها تصنيع 50 صاروخًا شهريًا، فإن الخيار المنطقي يقضي بتخصيص نصف هذا الإنتاج لتعويض مخزونها المحلي، في حين يُنقل النصف الآخر—نحو 25 صاروخًا شهريًا—إلى جماعة أنصار الله في اليمن. ففي لحظة الضعف الاستراتيجي الراهنة، تبدو القيمة الحدّية لنشر صاروخ إضافي داخل الأراضي الإيرانية أقل من القيمة الاستراتيجية الناتجة عن تعزيز قدرات الشركاء الإقليميين، وعلى رأسهم أنصار الله. إذ يتيح "التموضع الأمامي" للذخائر الإيرانية الهجومية في شمال اليمن تجاوز القيود الجغرافية التي تفرضها حدود إيران، ويجبر الخصوم الإقليميين—الولايات المتحدة، إسرائيل، ودول الخليج—على إعادة توجيه جزء من دفاعاتهم الجوية والصاروخية نحو التهديد المتعاظم من اليمن. وهو ما من شأنه أن يُحسّن فرص نجاح الذخائر المطلَقة من الأراضي الإيرانية في اختراق الدفاعات المعادية.
إن تعزيز قدرات الحلفاء غير النظاميين، مثل أنصار الله، يُعقّد من حسابات الحرب لدى إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج، ويُوفّر لإيران وسيلة سريعة وفعّالة من حيث الكلفة لإعادة بناء قدراتها الردعية، دون أن تخرج عن إطار ما تجيده أصلًا.
لقد انتهجت إيران سياسة خارجية طموحة للغاية، تمثّلت في مواجهة مباشرة مع كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، رغم كونها دولة من الفئة الوسطى وبدون تحالفات مماثلة. وقد فرض هذا المسار أكلافًا باهظة على طهران، وتركها أمام مجموعة من الخيارات المعقّدة والثقيلة. والسؤال المطروح اليوم هو: هل تستطيع القيادة الإيرانية مواصلة هذا المسار؟
غالبًا ما تفكّر الدول التي تجد نفسها في مثل هذا الوضع في خيار "الانكفاء الاستراتيجي " (retrenchment)، كوسيلة لتقليل المخاطر وشراء الوقت. وهذا الخيار متاح لإيران، ولو بدرجات متفاوتة؛ فليس المطلوب انسحابًا كليًا، ولا الإصرار على الثبات الكامل، بل يُمكن المساومة بينهما.
وقد يتطلّب هذا الانكفاء من إيران خفض مستوى التهديد الهجومي الذي تُمثّله، وبالتالي تخفيف التهديد المتصوَّر من قِبَل إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج. ويتوقف اتخاذ طهران لهذا المسار بدرجة كبيرة على إدارتها لبرنامجها النووي. فكل تحرّك نحو التسلّح النووي، أو محاولة إعادة تفعيل مستويات "الكمون النووي" السابقة، قد يُفضي إلى تصعيد خطير وربما إلى استئناف الأعمال العدائية مع إسرائيل، وربما أيضًا مع الولايات المتحدة. أما إذا اختارت إيران الإشارة إلى استعدادها للتفاوض في بعض الملفات، أو اتخاذ خطوات أحادية لخفض التصعيد في ملفات أخرى، فقد تتمكن من كسب هامش استراتيجي ضروري لتركيز جهودها على تحسين اقتصادها الوطني—وهو السبيل الوحيد الذي يضمن لها القدرة على خوض منافسة عسكرية طويلة الأمد، والاستثمار في بناء قدرات دفاعية أولًا (خصوصًا الدفاعات الجوية)، ثم لاحقًا توسيع ترسانتها الهجومية من الصواريخ الباليستية والمسيّرات والصواريخ الجوالة.
في نهاية المطاف، ينبغي على كل دولة أن تُلائم بين طموحاتها ومواردها، وأن تأخذ بعين الاعتبار نوايا وقدرات خصومها. وإذا كانت قدرات إيران قد تآكلت أو أصبحت غير كافية لتحقيق أهدافها السابقة، فإن مراجعة جادة لأهدافها الاستراتيجية تبدو ضرورية. نعم، هناك أمثلة تاريخية لدول تمسّكت بأهدافها رغم الظروف الصعبة وحقّقت النجاح في نهاية المطاف—لكن هذه أمثلة استثنائية، وليست القاعدة.







.png)


.jpeg)



.png)

