سباستيان بن دانييل: "الدولة اليهودية" كانت مستعدة للتضحية باليهود منذ زمن طويل، قبل نتنياهو والسابع من أكتوبر

A+
A-
خيمة احتجاج عربية يهودية في تل أبيب، مطلع آب المنصرم، لوقف الحرب على غزة

خيمة احتجاج عربية يهودية في تل أبيب، مطلع آب المنصرم، لوقف الحرب على غزة

يميل الكثير من الإسرائيليين إلى التوكيد على أنّ السابع من أكتوبر كان أكبر مذبحة بحق اليهود منذ المحرقة. غير أنّ هذا الزعم ليس دقيقًا. فالمجلس العسكري الذي حكم الأرجنتين بين عامي 1976 و1983 قتل يهودًا أكثر بكثير مما فعلته حماس، واغتصب نساءً يهوديات بأعداد تفوق ما ارتكبته الحركة الفلسطينية. ومثل حماس، حظي المجلس بدعم حكومات اليمين في إسرائيل، لكن بخلاف حماس، واصل التعاون العسكري معها، تسليحًا وتدريبًا، حتى بعدما صار معلومًا أنّ هذه الأسلحة تُستخدم في قتل اليهود، وأنّ الآلاف "اختفوا" ليُلقوا من الطائرات إلى حتفهم.
قرابة عامين انقضيا منذ السابع من أكتوبر. الإسرائيليون الرهائن ما زالوا في أنفاق غزة، وجثامين من قضوا منهم تتحلل في أرض غريبة. الحكومة التي وعدت بإعادتهم "مهما كان الثمن" ما فتئت تُقدّم مشروع التطهير العرقي لغزة على حياتهم. غير أنّ من يعرف التاريخ الإسرائيلي لن يتفاجأ بهذه الخيانة؛ فهي جزء من نمط راسخ يفضّل ما يُسمّى بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية على حياة اليهود أنفسهم.
لقد قرأتُ عشرات آلاف الوثائق الإسرائيلية عن تلك الحقبة، ومعظمها سيبقى سريًا لتسعين عامًا أخرى، رغم أنّه في آذار/مارس القادم سيصادف مرور نصف قرن على استيلاء المجلس العسكري على السلطة في الأرجنتين عبر انقلاب عسكري. ثمة نتيجة واحدة ينبغي أن تكون جلية للرهائن اليوم في غزة: لا ينبغي لعائلاتهم أن تصدّق كلمة واحدة مما يتفوه به الوزراء أو جنرالات الجيش. لقد كذب هؤلاء من قبل على عائلات اليهود الذين اختفوا في الأرجنتين، ادّعوا أنّهم يبذلون قصارى الجهد للعثور عليهم، والحقيقة أنّهم لم يفعلوا شيئًا تقريبًا. كانت صفقات السلاح وكسب الدعم للاحتلال الإسرائيلي تتغلب دومًا على حياة البشر، ودفع ذلك الحكومات والجيش إلى التواطؤ غير المباشر في قتل ثلاثين ألف إنسان.
قيل للعائلات آنذاك أن تصمت لأنّ "الضوضاء تعيق الإفراج عن أبنائهم"، بينما في الحقيقة كان قادة المجلس العسكري يشترطون ذلك مقابل شراء السلاح من إسرائيل ودعمها في المحافل الدولية. أُخرست النقاشات في الكنيست، وبُذلت جهود لتبرئة ضباط المجلس من تهمة معاداة السامية، ونُشرت في الإعلام الإسرائيلي بروباغندا ملؤها العار حتى في الأرجنتين نفسها، إلى جانب أكاذيب بشأن المختفين. مسؤولون إسرائيليون شككوا في شذرات المعلومات الخارجة من هناك، رغم أنّهم كانوا يعلمون الحقيقة جيدًا.
قرابة 12% من ضحايا جرائم المجلس العسكري كانوا من اليهود، رغم أنّ نسبتهم لم تتجاوز 1% من سكان الأرجنتين. وفي الوقت نفسه، باعت إسرائيل لذلك النظام الدموي سلاحًا بقيمة قاربت المليار دولار. الجنرالات الأرجنتينيون، الذين رسموا الصلبان المعقوفة على جدران غرف التعذيب، وحقّقوا مع المعتقلين اليهود واغتصبوهم، تلقوا من إسرائيل مقاتلات وصواريخ وبنادق ومعدات مراقبة وصواريخ مضادة للدبابات وتدريبات عسكرية. نحو 30% من صادرات السلاح الإسرائيلية آنذاك ذهبت إلى جيش الأرجنتين. طيارون إسرائيليون درّبوا نظراءهم الأرجنتينيين الذين قادوا الطائرات التي أُلقي منها الناس إلى حتفهم. ممثلا الجيش الإسرائيلي، حاييم لاسكوف وموطي غور، تبادلوا الزيارات هناك واستُقبلوا بحفاوة من الجنرال روبرتو فيولا، قائد المجلس العسكري.
هل كانت إسرائيل تجهل مصير اليهود هناك؟ تكشف وثائق أميركية أنّ الجواب سلبي. فهناك وثيقة بتاريخ 24 يونيو 1976 تُظهر أنّ مصادر إسرائيلية كانت تعلم أنّ النظام الأرجنتيني يختطف ويقتل الناشطين اليساريين بانتظام. ووفقًا لمصدر إسرائيلي ورد في الوثيقة، كانت إسرائيل تعرف منذ ذلك العام أنّ نسبة اليهود بين الضحايا مرتفعة على نحو استثنائي. ومع ذلك دافع المصدر عن استمرار التعاون، زاعمًا أنّ الأمر لا يعود إلى معاداة السامية، بل إلى أنّ اليهود ممثَّلون بأعداد تفوق حجمهم النسبي في الأوساط الأكاديمية والثقافية، حيث يتحول كثير منهم إلى ناشطين يساريين. صحيح أنّ نسبة اليهود كانت عالية في تلك الأوساط، لكن هذا التبرير يفضح إلى أيّ مدى كانت حياة اليهود ثانوية أمام اعتبارات أخرى للحكومة الاسرائيلية.
رينيه آبلباوم، التي خُطف أولادها الثلاثة وقُتلوا وكانت من مؤسسات "أمهات ساحة مايو"، قالت: "لم نُرِد أن نعرف أنّ أبناءنا قُتلوا بسلاح إسرائيلي. ما زلنا نتذكر صفعة قادة الجالية اليهودية لنا حين قالوا إنّ ما حدث هو ذنبنا، لأننا لم نربّ أبناءنا على الصهيونية". في الوثائق الأميركية هناك ما يدل على أنّ قادة الجالية اليهودية برّروا أفعال المجلس العسكري بتوجيه من الحكومة الإسرائيلية، بحجة أنّ القمع يستهدف الناشطين اليساريين فقط. الجانب الإسرائيلي شدد على أنّ قادة المجلس أبدوا رضاهم وفخرهم بتعاون قادة الجالية، ونُقل عنهم قولهم: "لو طلبتم من قادة الجالية أن يقفزوا من بناية من عشرين طابقًا، لقفزوا".
وكما في الأرجنتين، فإنّ المصالح الحقيقية للحكومة الإسرائيلية في استمرار الحرب على غزة واضحة: تحتاجها الحكومة للبقاء في السلطة، وتحتاجها الصناعات العسكرية لمراكمة الأرباح، ويحتاجها الجنرالات للتغطية على فشلهم في السابع من أكتوبر. أمّا الرهائن؟ فمثل اليهود الذين اختفوا في الأرجنتين، صاروا هم أيضًا ضحايا دولة تدّعي أنّها تمثّل الشعب اليهودي، بينما تفضّل مرارًا وتكرارًا مصالحها على حياة هذا الشعب.
ما قيمة حياة بعض اليهود الماركسيين إزاء "أمن الأمة"؟ لا بدّ من بيع السلاح للبقاء، لا بدّ من كسب الدعم لدولة كان احتلالها قد جعلها منبوذة آنذاك. واليوم لا بدّ من تنفيذ تطهير عرقي في غزة، وإلا فإنّ السابع من أكتوبر سيعود من جديد.
في الأرجنتين زُعم آنذاك أنّ بيع السلاح سيساعد يهودها. أمّا في غزة، فالحكومة لا تكلّف نفسها حتى عناء تفسير كيف ستعيد القنابل الرهائن الأحياء. إنها تواصل القصف، والجمهور الإسرائيلي، مأخوذٌ بالدعاية والعنصرية، يرفض أن يرى الحقيقة البسيطة: حكومة باعت السلاح لقتلة اليهود بالأمس، ستتخلى عن اليهود اليوم أيضًا.
عائلات الأسرى، مثل أمهات ساحة مايو في الأرجنتين، تواصل التظاهر والمطالبة بالجواب. لكن كما آنذاك، يعيد التاريخ نفسه؛ بخيارٍ واعٍ من حكومة لم تقصد يومًا حماية جميع اليهود، بل فقط من يخدمون مصالحها. رهائن غزة، مثل مفقودي الأرجنتين، برهانٌ على أنّ "الدولة اليهودية" مستعدة للتضحية باليهود على مذبح الحسابات الاقتصادية والسياسية. لكن هذه المرّة، لا عذر لنا بأن نقول لم نكن نعلم.
لا تصدّقوا كلمةً واحدةً من الحكومة. بنيامين نتنياهو وحكومات إسرائيل لا يفهمون إلا لغة القوّة، وإن منحتموهم أنتم الفرصة، فسيختارون دائمًا مصالحهم الضيقة على حساب حياة اليهود — أمس في معسكرات الموت في بوينس آيرس، واليوم في أنفاق غزة.
(هآرتس)

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية