-سُهراب أحمري هو كاتب ومفكر أمريكي من أصل إيراني، يُعرف بكتاباته المحافظة ونقده العميق للنيوليبرالية والثقافة الغربية الحديثة. يختص بتحليل التحولات السياسية والفكرية في الغرب.
عن مجلة "أنهيرد" الأمريكية
الساعات الأخيرة من الحرب الإسرائيلية–الإيرانية كادت تكون هزلية، لولا أن مصير حرب إقليمية في الشرق الأوسط كان على المحك. مساء يوم الإثنين، أعلن الرئيس دونالد ترامب عن "أفضل وأعظم اتفاق سلام تم التوصل إليه على الإطلاق". في اليوم التالي، كانت إسرائيل تستعد لتنفيذ هجوم جديد على إيران، غير أن ترامب، وقد بدا عليه الانزعاج الشديد، صرّح للصحفيين بأن الدولتين "لا تعرفان ما الذي تقومان به بحق الجحيم"، موجّهاً جل غضبه نحو رئيس الحكومة الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، وموبخًا إسرائيل علنًا بأسلوب غير مسبوق من رئيس أمريكي. وبحلول منتصف النهار، أُلغيت الضربة العسكرية، وأُعلن عن وقف لإطلاق النار، الذي ما يزال قائمًا حتى اللحظة.
مع انقشاع غبار المعركة، تشير تقديرات الدوائر الغربية إلى أن إسرائيل حققت نصرًا كبيرًا. فقد أطلق نتنياهو هجومًا مباغتًا وسريعًا، متجاوزًا المسار الدبلوماسي، وأطاح بطبقة من القيادات العسكرية والعلمية الإيرانية، وألحق ضررًا بالبنية التحتية المدنية والعسكرية للبلاد، وأصاب برنامجها النووي (بمساعدة أمريكية)، وكل ذلك بكلفة اجتماعية محدودة نسبيًا لإسرائيل.
ورغم أن كل ما سبق صحيح إلى حد كبير، إلا أن ثمة أسبابًا وجيهة للارتياب في يقينية هذا "الانتصار". يتضح ذلك عند النظر إلى أبعاد الصراع من منظور إيراني: استمرارية البرنامج النووي، بقاء النظام، وإعادة التماسك الداخلي. في المقابل، من السهل التقليل من الأثمان النفسية والسياسية الباهظة التي دفعتها إسرائيل في مقامرة "الحد الأقصى".
فلنبدأ بالشق الإيراني، أي البرنامج النووي. زعم ترامب أن القنابل الأمريكية "دمرت تمامًا" منشأة فوردو النووية المدفونة تحت جبل. لكن مصادر أمنية أمريكية، في إفاداتها للإعلام، اعترفت لاحقًا بأن القنابل الخارقة للتحصينات لم تلحق سوى "أضرار" بالمنشأة. في الأثناء، كانت وسائل الإعلام الإيرانية قد أفادت في وقت سابق أن المواد المخصبة قد نُقلت من الموقع – وهو أمر مرجّح بل ومتوقع.
هذا ما دفع الصقور في واشنطن للمطالبة بـ"الخطوة الأخيرة" المتمثلة في إزالة "المواد النووية من المواقع"، على حد تعبير جوناثان شانتسر من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات. كما حذر كل من مات دوس وكاتب هذا المقال من أن الهجوم على فوردو سيتطلب بالضرورة عملية تنظيف لاحقة. غير أن فرص تنفيذ هذه العملية باتت ضئيلة جدًا، إن لم تكن معدومة، بعدما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ؛ على الأرجح، تم تهريب المواد المخصبة إلى مواقع مجهولة.
كما قال خبير الأسلحة النووية جيفري لويس للإذاعة الوطنية الأمريكية: "في نهاية المطاف، ثمة أشياء بالغة الأهمية لم تُستهدف. إذا انتهى الأمر هنا، فإنها ضربة غير مكتملة تمامًا". وبالفعل، انتهى الأمر عند هذا الحد، ما يعني أن نتنياهو، من خلال ضربه للمسار الدبلوماسي، دفع البرنامج النووي الإيراني إلى العمل في السر، وربما جعل أي عمليات تفتيش أو مراقبة مستقبلية أكثر صعوبة – بل وربما مستحيلة.
وفي مساء الثلاثاء، أفادت كل من "سي إن إن" و"نيويورك تايمز" بتسريبات من وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية تشير إلى أن القصف الأمريكي لم يؤخر برنامج إيران النووي سوى لأشهر معدودة. أما ترامب فقد سخر من التقرير بوصفه "أخبارًا زائفة"، بينما رأى بعض الخبراء – وعلى رأسهم ديفيد أولبرايت من "معهد العلوم والأمن الدولي" – أن التقرير ربما عكس السيناريو الأسوأ ويتطلب مزيدًا من التحليل. ومع ذلك، يتفق معظم المحللين على أن إيران ما تزال تحتفظ بمعرفة وقدرات التخصيب الأساسية.
أما البُعد الثاني، وهو بقاء النظام، فهو أكثر أهمية من وجهة النظر الإيرانية. في الأيام الأولى للصراع، راود كثيرين – ومنهم كاتب المقال – قلقٌ عميق من انهيار سريع للدولة وفوضى شاملة، خاصة في ظل الأداء المرتبك والبائس للأجهزة الأمنية الإيرانية. وقد لمّحت السلطات الإسرائيلية، في أكثر من مناسبة، إلى أن تغيير النظام كان هدفها النهائي، وتحدث بعض الصقور الغربيين عن تسمية شارع في طهران باسم "بيبي" (لقب نتنياهو). حتى رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، استعدّ لتقمّص دور "الملك العائد".
إلا أن بهلوي، على الأرجح، سيعود الآن إلى عرشه الرمزي في ضواحي واشنطن، لمواجهة قضايا أقل مجدًا. فقد صمد النظام الإيراني، خلافًا للتوقعات، وأظهر متانة ربما فاقت حتى تقديرات قادته. فبعد أيام من الفوضى التي أحدثتها عملية الاختراق الإسرائيلي (الموساد)، تمكنت طهران من استعادة جزء من السيطرة، وظلّ النسيج الاجتماعي والحدود الجغرافية مستقرين. أما المرشد الأعلى علي خامنئي، فقد نجا بحياته.
قد يبدو هذا الحد الأدنى من "النجاة" ضئيلاً، لكنه بالنسبة للجمهورية الإسلامية – التي لطالما شعرت، وربما عن حق، بتهديد وجودي – فإن البقاء بحد ذاته هو كل شيء. ويمكن للنظام أن يدّعي، بقدر من الصدق، أنه صمد في وجه اعتداء شنّته قوتان نوويتان: القوة الإقليمية (إسرائيل) والقوة العالمية (الولايات المتحدة)، رغم الفارق التكنولوجي الهائل أمامهما.
وفي حين تلقت إسرائيل دعمًا ماديًا من القوى الغربية، بقيت الجمهورية الإسلامية شبه وحيدة، إذ لم تقدّم روسيا والصين، حليفتاها الرئيسيتان، سوى كلمات طيبة دون مساعدات ملموسة. وهذه بالضبط هي السردية التي يزدهر بها الخطاب الرسمي الإيراني: إعادة إنتاج لحرب السنوات الثماني مع العراق، حيث استُخدم صدام حسين كوكيل عن الغرب الساعي لخنق الثورة الخمينية الفتية.
وهنا نصل إلى البُعد الثالث: إعادة التماسك الداخلي. لقد تحققت "تأثيرات الالتفاف حول العلم"، تمامًا كما حذر منتقدو الحرب. لم تندلع أي انتفاضات مناهضة للنظام. اللاعب الأسطوري علي دائي، والذي يُعدّ بنظر كثيرين أعظم لاعب كرة قدم إيراني على قيد الحياة، نشر على إنستغرام أنه "يفضّل أن يحترق على أن يصطفّ مع الأعداء الأجانب". تبعه في ذلك فنانون ورياضيون ومشاهير أعلنوا تأييدهم للوحدة الوطنية والصمود. بل إن بعض المعارضين المنفيين للنظام بدأوا ينددون بالعنف الإسرائيلي.
ومن الممكن أنه مع انحسار العداء الخارجي، ستعود مشاعر السخط الشعبي إلى الواجهة، بل وربما تتفاقم نتيجة الغضب الشعبي من فشل الحكومة في مجالَي الاستخبارات والدفاع. مثالاً على ذلك، انهار نظام ميلوسوفيتش في صربيا بعد عام واحد فقط من تدخل حلف الناتو الذي أخرجه من كوسوفو؛ إذ منح الإذلال العسكري على أيدي الغرب فرصةً لقوى المعارضة الديمقراطية كي تتنفس وتستعيد الزخم، وكان ذلك بداية النهاية.
لكن التغيير "الليبرالي" للنظام، الذي لطالما حلم به الصقور في الغرب – أي عبر ثورة مخملية برعاية قاذفات غربية – لم يعد مطروحًا في الحالة الإيرانية. بل إن ما يبدو أكثر ترجيحًا هو انتقال السلطة إلى جيل جديد من ضباط الأمن الذين يتمتعون بنزعة قومية أكثر عدوانية، وينظرون إلى رجال الدين المسنين بازدراء لافتقارهم إلى الحسم والمواجهة.
ننتقل الآن إلى الجانب الإسرائيلي من الميزان، حيث تُسجَّل مكاسب لا يمكن إنكارها.
فلبرهة من الوقت، حافظت الطائرات الإسرائيلية على حرية شبه مطلقة في العمليات الجوية من غرب إيران وحتى العاصمة طهران. وكما هو معهود، أبدعت إسرائيل في استخدام أدوات التجسس والاختراق لزرع الخوف والموت؛ ووفقًا لصحيفة واشنطن بوست، شملت أساليبها الاتصال بعائلات الضباط الإيرانيين وتهديدهم بقتل زوجاتهم وأطفالهم ما لم يصوّروا أنفسهم وهم يعلنون انشقاقهم عن النظام (ولم يُلبِّ أي ضابطٍ هذا الطلب، في إشارة لصمود النظام).
أما الغارات الإسرائيلية، فما زال حجم أضرارها الكامل غير معلوم – وربما لن يُكشف عنه أبدًا. لكن من العدل القول إن "الكثير من الممتلكات الإيرانية انفجرت". ومن المرجح أيضًا أن إسرائيل تمكنت من التوصل إلى "ترتيب وقف إطلاق نار شبيه بلبنان"، يُتيح لها مواصلة خرق الأجواء الإيرانية لاستهداف قوات إيران وعتادها العسكري.
ومع ذلك، استمرت إيران في إطلاق صواريخ باليستية دقيقة نحو أهداف داخل إسرائيل. ورغم أن تلك الصواريخ لم تكن بنفس الفتك الذي أحدثته الغارات الإسرائيلية داخل إيران، إلا أن أثرها النفسي العميق باقٍ. فلن ينسى أحد في المنطقة بسهولة مشهد الصواريخ الإيرانية الفرط صوتية وهي تخترق السماء ليلًا، تتجاوز أنظمة الدفاع وتُحدث انفجارات عنيفة.
وسيبقى في الذاكرة أيضًا أن إسرائيل لم تستطع الدفاع عن نفسها دون دعم أجنبي، بل اضطرت إلى ترشيد استخدام وسائل الدفاع الجوي، ما أجبر الحكومة على السماح لبعض الصواريخ الإيرانية بالوصول إلى أهدافها، حفاظًا على مخزون الدفاعات لاعتراض تهديدات أكثر أهمية.
وكما قال أسامة بن لادن ذات مرة: "عندما يرى الناس حصانًا قويًا وآخر ضعيفًا، فهم بطبعهم يفضلون القوي". وفي جزء كبير من هذا الصراع، كانت إسرائيل هي "الحصان القوي" – لكن ليس دائمًا. ففي لحظات حرجة، بدت هشة – وتعتمد كليًا على "حصان أقوى" منها يقبع عبر المحيط الأطلسي.
حتى في الولايات المتحدة، لاحظ الكثيرون أن إسرائيل – بعدما طلبت في البداية فقط إذنًا بالهجوم – سرعان ما قدمت طلبًا رسميًا لمشاركة الولايات المتحدة في اليوم الثاني من العمليات. وبذلك قضت على الحجة القائلة بأن تشجيع ترامب للهجوم كان مقبولًا، طالما أن الحلفاء مثل إسرائيل سيتولون زمام الأمور بأنفسهم دون استدعاء العمّ سام.
لكن طلب التدخل عزز الانطباع بأن إسرائيل باتت زبونًا يجرّ الولايات المتحدة إلى معاركه. وقد نجحت هذه المرة – وعلى الأرجح لآخر مرة. فوفقًا لاستطلاع أجرته "يو جوف"، أقل من 1 من كل 5 أمريكيين يؤيد تدخلًا عسكريًا في الصراع الإسرائيلي–الإيراني. أما استطلاع مؤسسة بروكينغز الشهر الماضي، فأظهر أن غالبية واضحة من الأمريكيين تفضل الحلول الدبلوماسية على الحربية في الملف النووي الإيراني.
ورغم ذلك، تحدّى ترامب هذه المزاجات العامة – وتجاوز معارضة شرسة ومستدامة من بعض أبرز رموز حركة "ماغا" – ليتدخل عسكريًا لصالح إسرائيل. وسيظل السؤال: لماذا فعل ذلك؟ سيظل مطروحًا للنقاش لسنوات. وتُشير تقارير الكاتب، التي تشمل مقابلات مع مسؤولين في الإدارة وموظفين بالكونغرس من الحزبين، إلى أن الأمر لم يكن نتاج مؤامرة مدروسة بالتنسيق مع نتنياهو، بل قرارًا عاطفيًا وفوريًا بطابع "ترامبي" خالص.
ففي أوائل يونيو، عندما وصلته تقارير استخباراتية تفيد بأن إسرائيل على وشك الغزو، أجرى ترامب اتصالًا بنتنياهو حاول فيه ثنيه عن الخطوة، مخافة أن يُفشل الجهود الدبلوماسية. ومع ذلك، قيل إن ترامب قال له أيضًا: "ربما يمكنك فعلها". ففهم نتنياهو هذه الرسائل المتضاربة كضوء أخضر، ومضى قدمًا.
وفي البداية، كان ترامب مستعدًا للتنصل من العملية إن فشلت – ولهذا أصدر وزير الخارجية ماركو روبيو بيانًا أوليًا ينفي مسؤولية واشنطن. لكن مع ظهور المؤشرات الأولية للنجاح، قرر ترامب أن "يتبنى" الضربة. مستندًا إلى إعلام فوكس نيوز، الذي أعاد سرديات 2003، تخلى ترامب عن وعوده بتجنب الحروب و"منع حرب عالمية ثالثة"، كما تعهد برنامجه الحزبي الجمهوري العام الماضي.
وبعبارة أخرى، لم يكن صحيحًا أن واشنطن وتل أبيب قد خططتا طوال الوقت لتهدئة إيران عبر خداع دبلوماسي، لكن ترامب أعجبه هذا الانطباع، وسعى لتكريسه. ففقاعة فوكس نيوز، إلى جانب نصائح صقور كرئيس أركان الجيش الأمريكي الجنرال مايكل كوريلا، هي التي دفعت ترامب لقصف منشأة فوردو وموقعين آخرين.
وقبل أيام من القصف، بدأ كبار مسؤولي الإدارة باستدعاء المتشككين في معسكر "ماغا" (الحركة المؤيدة لترامب في الولايات المتحدة) لإقناعهم بأن العملية "محدودة النطاق".
في نهاية المطاف، خسر أنصار تقييد التدخل العسكري داخل "ماغا" المعركة داخل الإدارة، وتراجعت قدرتهم الإعلامية أمام قوة روبرت مردوخ (مالك فوكس نيوز المحرضة على التدخل). لكن من الجدير بالذكر أن جمهور فوكس نيوز، الذين يقدمون دعمًا أعمى للحروب الإسرائيلية، هم من كبار السن ويتقدمون في العمر. في المقابل، أظهر استطلاع أن نسبة الجمهوريين بين 18–49 عامًا الذين ينظرون إلى إسرائيل بسلبية ارتفعت إلى 50٪ هذا العام، مقابل 35٪ عام 2019.
وعلى اليسار، من الصعب الادعاء أن المستقبل بيد "الوسطيين المسنين" ممن يرون أن دعم إسرائيل غير قابل للتفاوض. فكل الطاقة والحماسة في صفوف اليسار الشاب تكمن في ناشطين سياسيين مناهضين لإسرائيل، مثل "زهران ممداني"، المسلم الشيعي البالغ من العمر 33 عامًا، والذي فاز بترشيح الحزب الديمقراطي لرئاسة بلدية نيويورك دون أن يعتذر عن دعمه الصريح للقضية الفلسطينية، أو تراجعه عن شعاره: "عولمة الانتفاضة".
ربما لم تعد إسرائيل بحاجة ماسة للدعم الأمريكي كما في السابق. وربما يصمد وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب. وربما تتوصل واشنطن وطهران إلى صفقة ترضي المتشددين في العاصمتين. لكن اللافت أن صقور أمريكا بدأوا فعليًا بالتشكيك في وقف النار، ويصرون على أن "لا بديل عن تغيير النظام"
لكن الجيل الشاب من صنّاع السياسات الأمنية – جمهوريين وديمقراطيين – قد سئموا. ومن المرجح أن يتحول هذا الضيق إلى عزم راسخ لمنع تكرار "مقامرة الحرب التي استمرت 12 يومًا". ولا يبدو أن أية انتصارات استخباراتية أو ميدانية مذهلة من جانب إسرائيل يمكنها تعويض هذه الخسارة السياسية العميقة على المستوى الجيلي.






.png)


.jpeg)



.png)

