يجيل ليفي: إسرائيل لا تقتل أطفال غزة كـ"هواية"، هذه سياسة وماكينة قتل منظمة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

مقال عالم الاجتماع الاسرائيلي يجيل ليفي نشر في صحيفة هآرتس

في السابع من أكتوبر قال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو: "هاجمونا بصنادل وكلاشنيكوفات وشاحنات صغيرة"، في حين صرّح يائير غولان بأن "دولة عاقلة... لا تقتل الأطفال كهواية". ثمة قاسم مشترك في هذه التصريحات الصادرة عن سياسيين من طرفي الطيف السياسي، ويتجلى في ما اختاروا تجاهله، وفي المصالح التي تخدمها هذه التجاهلات، وفي الرسائل التي لم تحظَ بالاهتمام.

كلاهما تجاهل البعد المنظم للعنف الذي تمارسه الأطراف منذ السابع من أكتوبر. نتنياهو تجاهل آلة الحرب المنظّمة التي أنشأتها حركة حماس تحت إشرافه من دون أن يتخذ أي خطوات سياسية أو عسكرية للحيلولة دون تفعيلها – وهي آلة حرب تمكّنت، في صباح الهجوم، من تحقيق تفوق مؤقت على الجيش الإسرائيلي. نتنياهو اختار التركيز على الهجوم العفوي الذي شكّل "الموجة الثالثة"، والتي نشأت استجابةً لدعوة يحيى السنوار لسكان غزة باجتياز السياج واستثمار المفاجأة.

أما غولان، فقد تجاهل عن وعي هو الآخر البعد المنظم لماكينة الحرب الإسرائيلية. هذه الماكينة لا تقتل مدنيين وأطفالاً "كهواية"، ولا حتى "من دون داعٍ"، بل تمارس القتل بصورة منظمة بناءً على ما تعتبره حاجة. جزء كبير من الضحايا هو نتيجة مباشرة لعمليات سلاح الجو التي تُنفّذ وفق تخطيط وتحت رقابة قانونية. على سبيل المثال، فإن السياسة التي اتُّبعت في بداية الحرب، والتي أجازت "قتلاً جانبياً" لما يصل إلى عشرين مدنياً في كل ضربة جوية تستهدف عنصراً من حماس، وما يصل إلى مئة في حال استهداف قائد، لم تكن وليدة هوى، بل نتيجة تخطيط دقيق، لا "هواية".

غير أن غولان لم يتجاهل هذا الواقع فقط لأنه لاذ بالصمت في بداية الحرب، ولا فقط لأن شركاءه من معسكر الوسط–اليسار جزء من هذه الماكينة الدموية، بل لأنه، كنائب لرئيس الأركان، كان من المهندسين الرئيسيين لهذه الآلة، والتي صُمّمت أيضاً لاستهداف مناطق مأهولة. إن الاستحضار اللفظي لكلمة "هواية" يوحي بخفة اليد على الزناد لدى العديد من الجنود في سلاح البر، والهدف من استخدام غولان لهذا التعبير كان النأي بنفسه وبمؤيديه عن المجموعات اليمينية والدينية التي تهيمن على الجيش البري. هؤلاء هم "مقاتلو الياقات الزرقاء" الذين يُلقى عليهم، من قبل المعسكر الليبرالي، عبء المسؤولية عن "التوحش" الذي أصاب إسرائيل.

إلا أن الحقيقة هي أن هذه الخفة في الضغط على الزناد ليست مجرد "هواية"، بل جزء من سياسة تجمع بين فقدان السيطرة على القوات وصياغة مقصودة لسلوكها – وغولان شريك تاريخي في هذه الصياغة. في مقال نقدي سابق كتبته عن "خطاب العمليات" الذي ألقاه غولان حين كان نائباً لرئيس الأركان، تساءلت: "ما جدوى الوعظ بشأن نقاء السلاح، عندما يتكرّر تصوير العدو العربي في الخطاب العسكري–الديني بصورة عماليق؟" وخلصت إلى أنه، رغم استحقاق شجاعة غولان للتقدير، كان عليه أن يبدأ باستخدام أدوات القيادة المتاحة له كنائب رئيس أركان، بدلاً من الوعظ للمجتمع.

إن النسيان الذي يعاني منه السياسيون إنما يخدم مصالحهم في التنصل من المسؤولية. ولكن في غمرة الجدل الذي تثيره زلات اللسان، يُغفل الرأي العام أيضاً عناصر الحقيقة التي تتطلب مواجهة. حتى وإن لم يكن الجيش يقتل "كهواية"، فإن فقدانه للسيطرة الداخلية وتصاعد نفوذ القيادة القومية الدينية فيه يشجّعان على إطلاق النار بدوافع الانتقام وحتى "للمتعة"، كما يظهر في تسجيلات فيديو منشورة للجنود. وعلى الرغم من أن كلام نتنياهو عن "الصنادل" يستحق النقد، فإنه ينبغي أن يثير التفكير حول الفشل الحقيقي للجيش في السابع من أكتوبر. فالمشكلة لم تكن فقط في عنصر المفاجأة، بل في عجز الجيش عن صدّ الهجوم وعن الانتشار السريع في البلدات المستهدفة. هذا الفشل يقع بالكامل على عاتق الجيش، وليس على عاتق السياسيين. أما صنادل "الموجة الثالثة" للمهاجمين، فتمثل رمزاً موجعاً لهذا الفشل.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية