جيت هير مراسل الشؤون الأمريكية في مجلة وموقع ذي نيشن ومقدم بودكاست (ذي تايم أوف مونسترز) الأسبوعي فيها
قمع الأصوات الجذرية ليس ظاهرة جديدة، لكنه بات أكثر خطورة وأشد راهنية، كما يتجلى بوضوح في احتجاز محمود خليل، الناشط الطلابي السابق والمقيم الدائم في الولايات المتحدة، الذي قاد التظاهرات في جامعة كولومبيا احتجاجًا على العدوان الإسرائيلي على غزة. في بيان لصحيفة "ذا فري بريس" صرّح مسؤول في إدارة ترامب أن "الاتهام ليس بخرق القانون"، بل إن خليل، حسب زعمه، كان "يحرّض على دعم حماس" ويعبّر عن "عداء للسامية"، مما يجعله، وفق قوله، "يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة". هذه المزاعم، إضافة إلى كونها باطلة من الناحية الواقعية، تشكل سابقة قانونية مفزعة: فالإدارة تزعم حقها في ترحيل أي حامل لبطاقة إقامة دائمة لمجرد أقواله، دون أي دليل مادي على دعمه للإرهاب.
قضية خليل ليست سوى المثال الأوضح على حملة قمع واسعة تستهدف حرية التعبير. جامعة كولومبيا، التي تواجه تهديدًا بخسارة تمويل حكومي بقيمة 400 مليون دولار، اختارت ألا تقاوم بل أن تلعب دور المنفّذ الأمين لهذا القمع: تم تعليق دراسة طلاب عديدين، أو طردهم، أو سحب شهاداتهم منهم. بل وصل الأمر حد أن تنصح الجامعة طلابها الأجانب بالامتناع عن التغريد بشأن غزة أو أوكرانيا.
وفي أماكن أخرى، يحاول عمدة ميامي بيتش إغلاق صالة سينما عرضت الفيلم الوثائقي الحائز على الأوسكار "لا أرض أخرى" وهو إنتاج مشترك فلسطيني-إسرائيلي، بينما علّقت كلية الحقوق في جامعة ييل عمل باحثة استنادًا إلى مقال كُتب بواسطة الذكاء الاصطناعي يتّهمها زورًا بدعم الإرهاب.
وفي عمود بصحيفة نيويورك تايمز، قارنت الكاتبة ميشيل غولدبرغ هذه المرحلة بما يُعرف بـ"الفزع الأحمر" في أواخر الأربعينيات والخمسينيات، حين استغل اليمين الأمريكي الخوف من الشيوعية لتطهير المؤسسات الحكومية والثقافية من اليساريين. لكنها أغفلت الإشارة إلى "الفزع الأحمر" الأول بين 1917 و1920، حين سُجن زعماء راديكاليون كبار مثل زعيم الحزب الاشتراكي يوجين دِبس، ورُحّلت الناشطة اللاسلطوية إيما غولدمان.
ورغم دقة تشبيه غولدبرغ، إلا أن تفسيرها للظاهرة كمجرد نتاج لليمين المتطرف أمثال السيناتور جوزيف مكارثي يبدو قاصرًا. فالحقيقتان التاريخيتان تُظهران أن الحملة على الحريات انطلقت أساسًا بأيدي ديمقراطيين ليبراليين: وودرو ويلسون خلال الحرب العالمية الأولى، وهاري ترومان في بدايات الحرب الباردة. صعود مكارثية الأربعينيات والخمسينيات إنما أظهر فقط كم يسهل على الجمهوريين المعادين لليبرالية توظيف هذه الهيستيريا لقمع اليسار.
في عام 1971، خلص الصحفي موراي كيمبتون إلى أن "المكارثية لم تكن إلا استمرارًا لسياسات ترومان حتى نهايتها المنطقية"، وهو ما أيده الصحفي المعارض الشهير آي.إف. ستون، الذي وُضع على القائمة السوداء خلال تلك الحقبة. أما المؤرخ غاري ويلز فأشار إلى أن ترومان حرّك هذا الذعر لأسباب سياسية داخلية، من بينها إقناع الرأي العام بدعم مساعدات خارجية لليونان، ومحاولة إحباط ترشّح نائب الرئيس السابق هنري والاس عن حزب التقدميين ببرنامج مناهض للحرب. وقد أطلق ترومان سلسلة من المبادرات القمعية شملت: "برنامج الولاء للموظفين الفدراليين، قائمة وزارة القضاء، تأسيس وكالة الاستخبارات المركزية، فصل موظفين من الخارجية بدعوى عدم الولاء، برامج ترحيل الأجانب، إلغاء تصاريح صحفيي البنتاغون،ومحاكمات قانون سميث". كل هذه الإجراءات شكّلت البنية التحتية التي استغلها مكارثي لاحقًا لمآربه الحزبية.
واليوم، يمكننا القول إن "الترامبية" ليست سوى "البايدنية" وقد بلغت مداها الطبيعي. فجو بايدن، الوريث السياسي للترومانِيّة والويلسونية، أظهر ميلًا عميقًا إلى النزعة العسكرية الليبرالية، خاصة في محاولته إحياء النموذج الكينزي العسكري من الحرب الباردة. بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، تبنى بايدن، المعروف بصهيونيته المتشددة، سياسة دعم غير مشروط تقريبًا لإسرائيل، حتى في خضم المجازر التي اعتُبرت الأكثر دموية بحق المدنيين في القرن الحادي والعشرين. ومع تصاعد الاحتجاجات ضد سياساته، لجأ بايدن إلى شيطنة المحتجّين واتهامهم بمعاداة السامية، مستندًا إلى أحداث هامشية لا تمثل الحراك الواسع.
أسهمت هذه الاتهامات في تفكيك التحالف الديمقراطي قبيل انتخابات 2024، ووفّرت لترامب فرصة سياسية ذهبية. وبمجرد عودته للبيت الأبيض، امتلك ترامب الأرضية القانونية والسياسية لمهاجمة النشطاء المؤيدين لفلسطين، مدركًا تمامًا أن قادة الحزب الديمقراطي، أمثال السيناتور تشاك شومر، لن يهبّوا للدفاع عن حرية التعبير، بل سيكتفون بعبارات فارغة ومواقف مترددة.
وجاء تصريح شومر بشأن اعتقال خليل، بعد تأخير ملحوظ، ليجسّد هذا التخاذل: إذ بدأ بالإعراب عن "اشمئزازه من آراء خليل"، وكرّر الاتهامات بمعاداة السامية، واختتم بتعليق قانوني فاتر على "القرار الخاطئ" لإدارة ترامب. وحتى بعدما حُرمت كولومبيا من التمويل الفدرالي بحجة مكافحة معاداة السامية، أيّد شومر الإجراءات قائلًا إن "الجامعات كان يجب أن تتحرك، وكثير منها لم يفعل ما يكفي".
لكن على خلاف "الفزعين الأحمرين" السابقين، فإن حملة القمع الحالية لا تحظى بإجماع شعبي. فقد أظهرت استطلاعات غالوب أن 46% فقط من الأمريكيين يتعاطفون مع إسرائيل أكثر من فلسطين، بينما بين الديمقراطيين لا تتجاوز النسبة 21%، مقابل 59% يتعاطفون مع الفلسطينيين. بعبارة أخرى، لدى الديمقراطيين قاعدة سياسية واسعة لمواجهة "المكارثية" الجديدة. إلا أن بايدن وشومر، ومن لفّ لفّهم، مقيّدون بأوهامهم العسكرية الليبرالية وولائهم الأعمى للصهيونية المتطرفة، مما يجعلهم مجرد شركاء بائسين في قمعٍ تقوده إدارة ترامب.







.png)


.jpeg)



.png)

