يغيل ليفي: هكذا تعمل "صناعة الإبادة الدقيقة" في غزة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

ما الذي يضمن أن ينفّذ الجنود مهامهم دون مواجهة معضلات أخلاقية؟ تتفاقم أهمية هذا السؤال حين ينفَّذ العمل العسكري عن بُعد، بعيدًا عن ساحة القتال ودون تعرض مباشر للخطر، وحين تُستَحضر القيم الفردية التي يحملها الجنود معهم إلى الجيش — تلك التي قد تولّد، بطبيعتها، صراعًا داخليًا أخلاقيًا. وقد قدّم عالم الاجتماع البولندي-اليهودي زيغمونت باومان إجابة فريدة عن هذا التساؤل، في تحليله لآلة الحرب الألمانية إبّان الحرب العالمية الثانية.

يرى باومان أن استخدام العنف بات فعّالًا و"اقتصاديًا" إلى أقصى حدّ بفضل البيروقراطية، التي تفصل بين تشغيل أدوات القتل وبين التقييم الأخلاقي لأهدافها. تقوم هذه البيروقراطية، في جوهرها، على تقسيم وظيفي صارم للعمل، بحيث "تنشأ مسافة فاصلة بين الأفراد المنخرطين بطريقة أو بأخرى في النتيجة النهائية للعمل الجمعي، وبين النتيجة ذاتها".

ويضيف باومان أن "هذه المسافة العملية والذهنية للعاملين في التسلسل الهرمي البيروقراطي التي تبعدهم عن المرحلة النهائية من العملية، تجعلهم قادرين على إصدار أوامر دون إدراك كامل لعواقبها الميدانية، بل وحتى عاجزين غالبًا عن تخيّل مآلاتها... هذا التقسيم إلى مهام وظيفية مجزّأة ومنفصلة يجعل الوعي بالنتائج عديم الصلة". والنتيجة؟ بلادة أخلاقية ممنهجة.

في هذا السياق، يقدّم حديث الطيّارين وأفراد سلاح الجو الإسرائيلي لصحيفة هآرتس (18 نيسان) مثالًا تطبيقيًا مباشرًا على طرح باومان. ففي سلاح الجو الإسرائيلي، ثمة فصل مؤسسي بين من يحدّد الهدف، ومن يصادق عليه، ومن يختار نوع الذخيرة، ومن يُقدّر عدد الضحايا المدنيين المقبول، ومن يراقب قانونيًا – وجميعهم منفصلون عن الطيّار المنفّذ ذاته. كما قال أحد الطيارين السابقين: "اليوم، الطيّارون ليسوا أكثر من حمّالين. لا أحد يُعلمهم إذا ما كان هناك مدنيون بين الضحايا".
هذا الفصل الوظيفي يستند إلى الثقة. أحد طياري الاحتياط يوضح: "أنا مضطر للوثوق بأن من يختار الهدف، ويحسب الأضرار الجانبية، ويقرر نوع الذخيرة، يفعل ذلك بأفضل ما يستطيع. قد يكون أحدهم يرى أن مقتل عشرة مدنيين ضمن الأضرار الجانبية أمر مقبول، بينما أنا لا أستطيع تحمّل ذلك. لكن هذه بالضبط الثقة التي عليّ أن أحسم موقفي منها مسبقًا، قبل أن أصل إلى الميدان".

بالإضافة إلى ذلك، حين يُطلب من الطيّار تقديم دعم جوي للقوات البرية، يُتوقَّع منه أن يلتزم بتقدير قائد القوة الأرضية، الذي يحدد "خطًا" واضحًا: كل من يتجاوزه، حتى لو كان مدنيًا بريئًا، يُعتبر هدفًا مشروعًا للقتل. هذه الثقة المؤسسية تُبعد الطيّارين عن الأسئلة الأخلاقية التي يسعون أصلاً لتجنّبها. وكما قال أحدهم: "لماذا أُثقل على نفسي بأشياء قد لا أتمكن من تحمّلها؟". ونتيجة لذلك، كما وصف آخر: "الطريقة التي مرّ بها موت الأطفال والنساء في المجتمع الإسرائيلي والإعلام، هي نفس الطريقة التي يُمرَّر بها داخل سلاح الجو" – بلا نقاش، بلا مواجهة، وبلا مسؤولية شخصية.

غير أن هذا التقسيم البيروقراطي لا يمكن أن يعمل دون ثقة هرمية تمتدّ حتى قمة القيادة، أي الحكومة نفسها. ومن هنا يمكن فهم احتجاج الطيّارين – سواء خلال معارضة الانقلاب القضائي أو في الوقت الراهن – إذ يشعرون أن خللًا طرأ في أداء السلسلة القيادية، ما دفعهم مجددًا نحو مواجهة أخلاقيات كانوا قد هربوا منها مؤسسيًا.

ومع ذلك، حتى في حوارهم مع صحيفة هآرتس، لا يُظهر هؤلاء الطيّارون تأنيب ضمير حقيقي حيال مقتل آلاف المدنيين، بقدر ما يُراجعون الجدوى العامة للحرب – حرب لا تحقق أهدافها، تُهدد حياة الأسرى، وتخدم أجندات سياسية داخلية.
وهكذا، نصل إلى إجابة أخرى عن السؤال القاسي: كيف أمكن قتل نحو ثلاثين ألف مدني في غزة، جلّهم من النساء والأطفال، دون أن تُثار معضلة أخلاقية حقيقية؟
 الجواب يكمن في نتاج ما أطلق عليه رئيس الأركان السابق، أفيف كوخافي، مصطلح "صناعة الإبادة الدقيقة" – وهي ذروة التقاء البيروقراطية، والتكنولوجيا، والثقة العمياء بالمنظومة.


هآرتس

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية