غدعون ليفي: لأول مرة منذ اندلاع الحرب على غزة، بات واضحًا أن لدى إسرائيل خطة بعيدة المدى للتطهير العرقي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

"كان يوسف برونر، والد رئيس الموساد الحالي دادي برنيع، في الثالثة من عمره عندما فرّ مع والديه من ألمانيا النازية، قبل بدء خطة الإخلاء. في الأسبوع الماضي، زار الحفيد برنيع واشنطن لمناقشة "إخلاء" سكان غزة (...) حفيد لاجئ من التطهير العرقي في ألمانيا يجري محادثات حول تطهير عرقي. ولا يلوحُ شيء لديه في الذاكرة."

بدأ أدولف آيخمان (أحد المسؤولين الكبار في الرايخ الثالث) مسيرته النازية بوصفه "رئيس قسم شؤون اليهود والإخلاء" ضمن مكتب أمن الرايخ. كان يوسف برونر، والد رئيس الموساد الحالي دادي برنيع، في الثالثة من عمره عندما فرّ مع والديه من ألمانيا النازية، قبل بدء خطة الإخلاء. في الأسبوع الماضي، زار الحفيد برنيع واشنطن لمناقشة "إخلاء" سكان غزة. وقد نشر الصحفي باراك رابيد في قناة "أخبار 12" أن برنيع قال لمحادثيه إن إسرائيل بدأت بالفعل محادثات مع ثلاث دول — وها هي السخرية التاريخية تخجل من نفسها. حفيد لاجئ من التطهير العرقي في ألمانيا يجري محادثات حول تطهير عرقي، ولا يلوحُ شيء لديه في الذاكرة."

لـ"إخلاء" مليوني إنسان من وطنهم، لا بد من خطة. وإسرائيل تعمل على هذه الخطة. المرحلة الأولى هي نقل عدد كبير من السكان إلى معسكر اعتقال، لتسهيل عملية الطرد. في الأسبوع الماضي، نشر الـBBC تحقيقًا مبنيًا على صور أقمار صناعية عن التدمير المنهجي الذي ينفذه الجيش الإسرائيلي في القطاع. قرية تلو أخرى تُمحى عن وجه الأرض، ويُسوّى المكان لتهيئته لإقامة معسكر الاعتقال، وكذلك لضمان ألا تكون هناك إمكانية للعيش مجددًا في غزة. يجري الآن تجهيز الأرض لأول معسكر اعتقال إسرائيلي. إلى جانب ذلك، تنفذ أعمال هدم منهجية في أنحاء القطاع، لمنع السكان من العودة، باستثناء معسكر الاعتقال.

إسرائيل تنفذ ببرود جريمة ضد الإنسانية. ليس بيتًا هنا وآخر هناك، وليس "احتياجات عملياتية" — بل تدمير ممنهج لكل إمكانية للحياة، وإعداد البنية التحتية لتجميع السكان في "مدينة إنسانية"، من المفترض أن تكون معسكر عبور قبل الترحيل إلى ليبيا، أو إثيوبيا، أو إندونيسيا

لتنفيذ هذه الأعمال، هناك حاجة إلى سائقي جرافات. يعرض الـBBC إعلانين للوظائف. الأول: "لمشروع هدم مبانٍ في غزة نبحث عن سائقي جرافات (40 طن). 1200 شيكل يوميًا، يشمل سكنًا وطعامًا، مع إمكانية لتوفير سيارة خاصة". الثاني: "العمل من الأحد إلى الخميس، من السابعة صباحًا حتى 4:45 مساءً. ظروف العمل ممتازة".

إسرائيل تنفذ ببرود جريمة ضد الإنسانية. ليس بيتًا هنا وآخر هناك، وليس "احتياجات عملياتية" — بل تدمير ممنهج لكل إمكانية للحياة، وإعداد البنية التحتية لتجميع السكان في "مدينة إنسانية"، من المفترض أن تكون معسكر عبور قبل الترحيل إلى ليبيا، أو إثيوبيا، أو إندونيسيا — وهي الدول التي حددها برنيع، بحسب ما نشرته القناة 12. إنها خطة لتطهير عرقي في غزة. شخص ما ابتكرها، عقدت حولها مناقشات، طُرحت بدائل، تطهير كامل أم تدريجي، وكل ذلك في غرف اجتماعات مكيفة مع بروتوكولات وقرارات. ولأول مرة منذ بدء حرب الانتقام على غزة، بات واضحًا أن لدى إسرائيل خطة — وخطة بعيدة المدى.

لم تعد هذه حربًا تتدحرج بلا هدف. لم يعد ممكنًا اتهام بنيامين نتنياهو بشن حرب عبثية: فهذه الحرب لها هدف — وهو إجرامي. ولم يعد ممكنًا توبيخ قادة الجيش لأن جنودهم يُقتلون عبثًا: إنهم يُقتلون في حرب تطهير عرقي. تم تجهيز الأرض، ويمكن الانتقال إلى نقل السكان، والإعلانات والمناقصات في الطريق. بعد الانتهاء من عملية النقل، وعندما يشتاق سكان "المدينة الإنسانية" إلى حياتهم بين الأنقاض، والجوع، والمرض، والقصف — سيكون من الممكن الانتقال إلى المرحلة النهائية: تحميلهم قسرًا على الشاحنات والطائرات باتجاه "الوطن الجديد" المأمول — ليبيا، أو إندونيسيا، أو إثيوبيا. وإذا كان "العمل الإنساني" قد أدى إلى مئات القتلى، فإن عملية التهجير ستؤدي إلى عشرات الآلاف. لكن لن يقف شيء في وجه إسرائيل لتحقيق خطتها.

نعم، هناك خطة، وهي أكثر شيطانية مما يبدو. في وقت ما، جلس أناس وخططوا للمؤامرة خلف أبواب مغلقة. من السذاجة الاعتقاد أن كل هذا حدث من تلقاء نفسه. بعد خمسين عامًا، ستُفتح البروتوكولات، وسنعرف من كان مؤيدًا ومن عارض، ومن فكّر ربما في الإبقاء على مستشفى واحد. إلى جانب الضباط والسياسيين، كان هناك مهندسون، معماريون، ديموغرافيون، ومسؤولون في وزارة المالية، وربما أيضًا ممثلون عن وزارة الصحة. سنعرف كل شيء بعد خمسين عامًا.

وفي هذه الأثناء، نفذ رئيس قسم "إخلاء الفلسطينيين"، دادي برنيع، خطوة أخرى. إنه موظف رفيع، مطيع، رمادي، لم يصطدم قط مع رؤسائه. هل يبدو هذا مألوفًا؟ بطل عملية بتر الأعضاء الجماعية عبر الووكي توكي (المقصود عملية تفجير "البيجر" في لبنان - المحرر). إذا أُرسل لإنقاذ مختطفين، يسافر. وإذا أُمر بتهجير ملايين الأشخاص؟ لا بأس لديه. فهو فقط "ينفذ الأوامر".

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية