إيتان أڤريئيل: إذا استمرت سياسة الحرب في غزة – كل أصل مرتبط باسم "إسرائيل" سيفقد قيمته

A+
A-
العدوان على غزة (شينخوا)

العدوان على غزة (شينخوا)

لن تحصل دولة منبوذة أخلاقيًا على قيمة كاملة لأصولها المالية – بما في ذلك الأسهم، والسندات، والشركات الناشئة، والمصالح التجارية الخاصة. اسألوا صندوق الثروة السيادي النرويجي، أو المخضرمين من جنوب أفريقيا. هل كنتم لتستثمروا في دولة تُتَّهم بارتكاب جرائم حرب؟

هذا السؤال الجوهري لم يُطرح بشكل جدي حتى الآن، بمعزل عن الحسابات السياسية والعلاقات الدولية. غالبًا ما كان الجواب السائد على سؤال: "لماذا ينبغي تجنُّب تجويع سكان غزة وقتل الأطفال؟"، يتمحور حول مبررات نفعية مثل "حتى يسمح لنا العالم بإنهاء المهمة"، دون التطرق للسؤال الأخلاقي الجوهري الذي يتجنّبه كثيرون.

كذلك، لم يُناقَش في الجدل العام موضوع الضرر الاقتصادي الناجم عن ممارسات الحكومة والجيش في غزة. لكن في هذا الجانب، يمكن سدّ الفجوة بسهولة أكبر.

لنبدأ بالنرويج: بفضل عائدات النفط من بحر الشمال، تمتلك النرويج أكبر صندوق سيادي في العالم، بقيمة تُقدَّر بنحو 1.8 تريليون دولار. خلال الأشهر الأخيرة، قرر الصندوق بيع وتصفية استثماراته في عدد من الشركات الإسرائيلية، بسبب العمليات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.

ففي هذا الشهر، أعلن الصندوق عن تصفية حصته في شركة "باز" بسبب نشاطها في المستوطنات. وفي كانون الأول/ديسمبر 2024، باع حصته بالكامل في شركة "بيزك". وقبل ذلك، في آب/أغسطس 2024، وبعد صدور قرار عن محكمة الجنايات الدولية في لاهاي يتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، قرر الصندوق مراجعة استثماراته في "عدد من الشركات".

ووفقًا لموقع الصندوق، فقد كانت قيمة استثماراته في الأصول الإسرائيلية في نهاية 2024 نحو 1.7 مليار دولار، موزعة على عشرات الشركات، من أبرزها بنك هبوعليم، وشركة "طيفع"، وشركة ICL (كيماويات إسرائيل). وقد حذت حذوه صناديق أخرى، سيادية وخاصة، مثل صندوق الثروة السيادي الإيرلندي (الأصغر بكثير) الذي أعلن قبل عام عن تصفية استثماراته بالكامل في أكبر خمسة بنوك إسرائيلية وسلسلة متاجر "رامي ليفي".

وفي اليابان، دعا سياسيون محليون الصناديق الاستثمارية إلى بيع سندات الحكومة الإسرائيلية. كما قامت صناديق خاصة أخرى، رغم عدم إعلانها رسميًا عن سياسات استثمارية، بتقليص تعاطيها مع السوق الإسرائيلية وفقًا لتوجيهات مجالس إدارتها وخلفياتها السياسية. وكل هذا حصل قبل أن يعرف العالم حقيقة المجاعة في غزة.

المعنى واضح: عندما تبدأ شرائح متزايدة من المجتمع الدولي في التبرؤ من أفعال إسرائيل، فإن أول ما تقوم به هو وقف الاستثمار في الأوراق المالية الإسرائيلية. النتيجة المتوقعة: انخفاض قيمة أسهم الشركات في البورصة، وتراجع العائد على السندات الإسرائيلية، والتي ستُتداول بخصم ("ديسكاونت") كبير مقارنة بنظيراتها في دول "طبيعية".

منحدر زلق

هذه الاتجاهات تبدأ غالبًا بشكل محدود – كما حصل مع الصندوق النرويجي – لكنها تكتسب زخمًا سريعًا. هذا الأسبوع، أعلنت عدة دول أوروبية، من بينها فرنسا وبريطانيا، أنها تدرس فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل.

وقد أعلنت بريطانيا أمس، على لسان وزير خارجيتها ديفيد لامي، عن تجميد مفاوضات تحديث اتفاق التجارة مع إسرائيل، واستدعاء السفيرة الإسرائيلية لجلسة توبيخ على خلفية الحصار ومنع إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة. كما صرّح الاتحاد الأوروبي مساء أمس بأنه سيُعيد النظر في اتفاق التجارة مع إسرائيل، على ضوء الشكوك المتزايدة حول التزامها بحقوق الإنسان في عملياتها العسكرية.

كل هذه التطورات تنعكس فورًا على البورصة وقيمة الأصول المالية. فعندما تصدر محكمة أو حكومة قرارًا ما، لا يكون أمام العديد من المستثمرين المؤسسيين خيار سوى الالتزام به. ومن لا يبيع أصوله المرتبطة بإسرائيل، يواجه خطر أن يُوصم بأنه "متواطئ" مع الاحتلال.

صحيح أن الأسواق لا ترحم، وأنه لكل أصل هناك دائمًا من قد يشتريه بسعر ما – حتى الأصول الإسرائيلية. لكن من المؤكد أن كل مواطن إسرائيلي سيدفع ثمن أفعال حكومته في غزة، إما من خلال هبوط قيمة الأصول المالية، أو من خلال الفجوة الكبيرة مقارنة بأصول مماثلة لدول أخرى.

إلى أي مدى قد يتسع "الديسكاونت" على إسرائيل؟

يصعب الإجابة على هذا السؤال الآن، خاصة وأن الحكومة قد تتراجع عن قرارها بالسيطرة على غزة وتجويع سكانها – لا سيما في ظل معارضة غالبية الشارع الإسرائيلي. لكن إذا لم يحدث ذلك، فبالإمكان النظر إلى تجارب سابقة لدول أصبحت منبوذة عالميًا.

جنوب أفريقيا، خلال فترة نظام الأبارتهايد في النصف الثاني من القرن العشرين، تمثل مثالًا دقيقًا. ففي الثمانينيات، وخلال ذروة سياسة الفصل العنصري والاضطرابات في بلدات الأغلبية السوداء، تم تداول الأسهم في بورصة جوهانسبرغ بخصم يتراوح بين 30% إلى 50% مقارنة بدول أخرى ذات مستوى تنمية مشابه.

وشهد سوق السندات نفس الظاهرة، حيث تم تداول السندات الحكومية وسندات الشركات الجنوب أفريقية بعائد أعلى بـ2 إلى 6 نقاط مئوية من مثيلاتها. حتى العملة المحلية عكست نبذ العالم للنظام العنصري، فقد فقدت 80% من قيمتها بين عامي 1961 و1980 مقارنة بسلة من العملات العالمية.

عندما تبدأ عملية النبذ، تنهار كافة المؤشرات الاقتصادية تباعًا: أحجام التداول تنخفض، مضاعفات الربحية تتراجع، علاوات المخاطرة ترتفع، والسوق كله يجف.

ولا ينبغي لأحد أن يساوره الشك: إذا واصلت إسرائيل سياستها الحالية في غزة، فلا يوجد سبب يمنع تكرار ما حدث لجنوب أفريقيا — الدولة الغنية بمواردها الطبيعية والتي كانت تربطها علاقات مالية قوية بمركز لندن المالي — في الحالة الإسرائيلية. فالكثير من الصناديق الاستثمارية ستبيع أصولها الإسرائيلية، ودول ستفرض عقوبات، وسنشهد تراجعًا دراماتيكيًا في قيمة كل أصل يحمل اسم "إسرائيل": من الأسهم والسندات إلى الشركات الناشئة والعقارات.

لا تصدّق؟ اسأل نفسك:

هل كنت لتشتري أوراقًا مالية لدولة – في أميركا اللاتينية أو آسيا – تُتَّهم بارتكاب جرائم حرب في بلد مجاور، وتُفرض عليها عقوبات من دول كبرى، وتبيع صناديق الاستثمار العالمية أصولها فيها؟

على الأرجح، لا.

"ذي ماركر

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية