توماس فريدمان: لم أشعر يومًا بخوف على مستقبل الولايات المتحدة كما أشعر الآن

A+
A-
مظاهرة أمام البيت الأبيض: أوقفوا الانقلاب، 20 تيسان 2025 شينخوا

مظاهرة أمام البيت الأبيض: أوقفوا الانقلاب، 20 تيسان 2025 شينخوا

ترجمة "الاتحاد" عن "نيويورك تايمز"

تجري في عهد إدارة ترامب أحداث يومية حافلة بالفوضى، حتى أن وقائع غريبة للغاية ومليئة بالدلالات تضيع وسط الضجيج الإعلامي المتواصل. من بين هذه الأحداث مشهد وقع في الثامن من نيسان/أبريل في البيت الأبيض، حينما اختار الرئيس الأميركي، وسط احتدام حربه التجارية، أن يوقّع على أمر تنفيذي لدعم قطاع تعدين الفحم.

قال الرئيس ترامب، محاطًا بمجموعة من عمّال المناجم المعتمرين للخوذ الواقية - وهو قطاع تراجع عدده من نحو 70 ألف عامل قبل عقد إلى 40 ألف فقط، بحسب وكالة رويترز: "نحن نعيد للحياة قطاعًا تم التخلي عنه". وأضاف مؤكدًا: "سنعيد العمال إلى المناجم". وللمبالغة في الإطراء، أضاف ترامب: "بإمكانك أن تهدي هؤلاء العمال شقة فاخرة في الجادة الخامسة ووظيفة مختلفة تمامًا، ومع ذلك سيشعرون بالتعاسة. إنهم يريدون استخراج الفحم؛ هذا ما يحبون فعله".

من الجدير بالتقدير أن يثمّن الرئيس جهود الرجال والنساء الذين يعملون بأيديهم. لكن حين يخصّ عمال مناجم الفحم بالمديح، بينما يسعى في الوقت ذاته إلى تقليص تمويل وظائف التكنولوجيا النظيفة في ميزانيته - علماً بأن قطاع طاقة الرياح في الولايات المتحدة وفّر في عام 2023 وظائف لحوالي 130,000 شخص، في حين بلغ عدد العاملين في قطاع الطاقة الشمسية 280,000 - فإن في ذلك مؤشراً على أن ترامب أسير أيديولوجيا "استيقاظية" يمينية متطرفة لا تعترف بوظائف الصناعة الخضراء كوظائف "حقيقية". كيف لمثل هذا النهج أن يقوّي بلادنا؟

إن إدارة ترامب الثانية ليست سوى مهزلة قاسية. فالرجل لم يترشّح لولاية جديدة لأنه يملك تصورًا لماهية النهضة الأميركية في القرن الحادي والعشرين؛ لقد فعل ذلك هربًا من السجن، وسعيًا للانتقام ممن حاولوا محاسبته قانونيًا استنادًا إلى أدلة دامغة. ولا أظن أنه أمضى خمس دقائق من حياته في تأمّل ملامح قوى العمل في المستقبل.

عاد بعد ذلك إلى البيت الأبيض، وهو لا يزال يحمل في رأسه أفكارًا تعود إلى سبعينيات القرن الماضي. وهناك، أطلق حربًا تجارية بلا حلفاء، وبدون إعداد جاد - ولهذا السبب تتغير تعرفة الرسوم التي يفرضها تقريبًا كل يوم - ودون أن يفهم مدى التعقيد الذي أصبح عليه الاقتصاد العالمي، كمنظومة بيئية متشابكة تُجمَّع فيها المنتجات من مكوّنات مصدرها دول متعددة. ثم أوكل إدارة هذه الحرب إلى وزير تجارة يتوهّم أن ملايين الأميركيين يطمحون لاستبدال العمال الصينيين الذين "يركّبون مسامير صغيرة لصناعة هواتف الآيفون".

لكن هذه المهزلة توشك أن تمسّ كل مواطن أميركي. فحين يهاجم ترامب أقرب حلفائنا - كندا، المكسيك، اليابان، كوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي - في الوقت ذاته الذي يهاجم فيه خصمنا الأكبر، الصين، ويُظهر في المقابل تفضيله لروسيا على أوكرانيا، ويدعم صناعات الطاقة المدمّرة للمناخ على حساب الصناعات المستقبلية، وكأن مصير الكوكب لا يعنيه - فإنه بذلك يزعزع ثقة العالم بأسره بالولايات المتحدة.

العالم يرى الآن أميركا ترامب على حقيقتها الآخذة في التشكّل: دولة مارقة يقودها رجل مستبد ومتهوّر، منفصل عن حكم القانون ومبادئ الدستور الأميركي وقيمه الراسخة.

أتدري ماذا تفعل ديمقراطيات العالم بالحكومات المارقة؟ لنربط بين النقاط.

أولاً، تتراجع عن شراء سندات الخزانة الأميركية كما كانت تفعل في السابق. وبالتالي، تضطر الولايات المتحدة إلى رفع أسعار الفائدة على هذه السندات لجذب المشترين - ما يؤدي إلى تداعيات واسعة على الاقتصاد الأميركي بأكمله، من أقساط السيارات إلى قروض الرهن العقاري، وحتى تكلفة خدمة الدين القومي، على حساب كل بند آخر في الموازنة.

تساءلت صحيفة وول ستريت جورنال في افتتاحيتها يوم الأحد، تحت عنوان: "هل هناك علاوة مخاطر جديدة على أميركا؟"

 "هل يتسبب تذبذب قرارات ترامب وضرائب الحدود في إحجام المستثمرين العالميين عن الدولار وسندات الخزانة الأميركية؟"

ربما من المبكر إصدار حكم قاطع، لكنه ليس من المبكر طرح السؤال، لا سيما في ظل ارتفاع العوائد على السندات وتراجع قيمة الدولار - وهما علامتان كلاسيكيتان على تآكل الثقة، وهي خسارة لا يلزم أن تكون ضخمة كي تخلخل الاقتصاد بأكمله.

الأمر الثاني الذي يحدث هو أن حلفاءنا يفقدون ثقتهم بمؤسساتنا. فقد أفادت صحيفة فاينانشال تايمز يوم الإثنين أن المفوضية الأوروبية بدأت توزّع على بعض موظفيها المسافرين إلى الولايات المتحدة هواتف مؤقتة (burner phones)  وحواسيب محمولة أساسية، لتقليل خطر التجسس - وهي إجراءات كانت حتى وقت قريب مقتصرة على البعثات المتوجهة إلى الصين. المفوضية لم تعد تثق بسيادة القانون في الولايات المتحدة.

أما ثالث الأمور، فهو أن الناس في الخارج - وقد سمعت هذا مرارًا أثناء زيارتي الأخيرة إلى الصين - باتوا يخبرون أنفسهم وأبناءهم: "ربما لم يعد من الحكمة بعد الآن الدراسة في أميركا". والسبب؟ إنهم لا يعلمون متى قد يُعتقل أبناؤهم تعسفيًا، أو متى قد تُرحّل أسرهم إلى سجون السلفادور.

هل هذا المسار لا رجعة فيه؟ لا أدري. لكن ما أعلمه بيقين هو أن هناك، في مكان ما على هذا الكوكب، شخصًا يشبه والد ستيف جوبز البيولوجي، المولود في سوريا، الذي جاء إلى شواطئنا في خمسينيات القرن الماضي لينال شهادة الدكتوراه من جامعة ويسكونسن - شخصًا كان يخطط للدراسة في أميركا، لكنه بدأ الآن يفكر في كندا أو أوروبا بديلًا.

إذا فقدت أميركا قدرتها على جذب المهاجرين الأكثر حيوية وابتكارًا في العالم - وهي القدرة التي جعلت منها مركزًا عالميًا للإبداع والتجديد؛ وإذا تراجعت قدرتها على استقطاب الحصة الأكبر من مدخرات العالم - وهي التي سمحت لها أن تعيش لعقود فوق إمكانياتها؛ وإذا فقدت سمعتها كدولة تلتزم بسيادة القانون - فإن النتيجة الحتمية على المدى البعيد هي أميركا أكثر فقرًا، أقل احترامًا، وأشد عزلة.

ربما تقول: "لكن انتظر، أليست الصين أيضًا ما تزال تعتمد على الفحم؟" نعم، صحيح. لكنها تفعل ذلك ضمن خطة بعيدة المدى للتخلص منه تدريجيًا، مع توظيف الروبوتات في أداء الأعمال الشاقة والضارة بالصحة، بدلاً من تعريض حياة البشر للخطر.

وهنا يكمن جوهر المسألة. ففي حين ينهمك ترامب في "نسج خيوطه" المتخبطة - منخرطًا في هذيانات لحظية عّما يراه سياسة جيدة - تنسج الصين، بصبر وثبات، خططًا استراتيجية بعيدة المدى.

في عام 2015، قبل أن يتولى دونالد ترامب الرئاسة بعام، كشف رئيس الوزراء الصيني آنذاك، لي كه تشيانغ، عن خطة نمو طموحة واستشرافية بعنوان "صُنع في الصين 2025". وقد بدأت هذه الخطة بطرح سؤال جوهري: ما الذي سيكون محرّك النمو في القرن الحادي والعشرين؟ ومن هنا شرعت بكين في ضخ استثمارات ضخمة في مكوّنات هذا المحرّك، حتى تتمكّن الشركات الصينية من الهيمنة عليها، محليًا وعالميًا. الحديث يدور هنا عن الطاقة النظيفة، البطاريات، المركبات الكهربائية والذاتية القيادة، الروبوتات، المواد المتقدمة، أدوات التصنيع، الطائرات المسيّرة، الحوسبة الكمومية، والذكاء الاصطناعي.

ووفقًا لمؤشر Nature البحثي الأخير، فقد أصبحت الصين "الدولة الرائدة عالميًا من حيث ناتج البحث العلمي في مجالات الكيمياء، وعلوم الأرض والبيئة، والعلوم الفيزيائية، وتحتل المرتبة الثانية في علوم الأحياء والعلوم الصحية".

هل يعني ذلك أن الصين ستتجاوزنا وتتركنا خلفها في غبار السباق؟ ليس بالضرورة. فبكين ترتكب خطأً جسيمًا إذا اعتقدت أن بقية دول العالم ستقبل بأن تواصل كبح الطلب الداخلي على السلع والخدمات، كي تتيح لحكومتها الاستمرار في دعم الصناعات التصديرية ومحاولة تصنيع كل شيء للجميع - مما يترك اقتصادات الدول الأخرى خاوية ومعتمدة عليها. على الصين أن تعيد التوازن إلى اقتصادها، وفي هذه النقطة فإن ضغط ترامب عليها في هذا الاتجاه ليس بغير حق.

لكن التهديدات الجوفاء التي يطلقها ترامب، وتقلّباته العشوائية في فرض الرسوم الجمركية ورفعها، لا تشكل بأي حال "استراتيجية" - خاصة عندما تقرر مجابهة الصين بعد مرور عقد من الزمن على انطلاق مشروع "صُنع في الصين 2025". وإذا كان وزير الخزانة سكوت بيسنت يعتقد حقًا، كما صرّح بتهوّر، أن بكين لا تملك سوى "زوج من الورقات الضعيفة" (كما في لعبة البوكر)، فأرجو أن يُبلغني أحدكم متى تُقام ليلة البوكر التالية في البيت الأبيض، لأنني أودّ المشاركة.

الصين نجحت في بناء محرّك اقتصادي متين يمنحها بدائل وخيارات.

السؤال المطروح أمام بكين - كما أمام بقية العالم - هو التالي: كيف ستستخدم الصين كل الفوائض التي راكمتها؟  هل ستستثمرها في بناء جيش أكثر تهديدًا وخطورة؟  أم ستنفقها على مدّ خطوط سكك حديدية فائقة السرعة وطرقات سريعة نحو مدن لا تحتاجها؟  أم ستوجّهها نحو تحفيز الاستهلاك والخدمات داخل البلاد، وفي الوقت ذاته تعرض بناء الجيل المقبل من المصانع وسلاسل التوريد الصينية في أميركا وأوروبا، ضمن شراكات تملّك متساوية بنسبة 50-50؟  علينا أن نُشجّع الصين على اتخاذ القرارات الصائبة. لكن، على الأقل، توجد للصين بدائل.

قارن ذلك بالخيارات التي يتخذها ترامب:  إنه يقوّض مبدأ سيادة القانون الذي يُعتبر من ركائز قداسة النظام الأميركي؛  يهدر رصيد التحالفات التي بُنيت عبر عقود؛  يضعف قيمة الدولار؛  ويمزّق آخر ما تبقّى من أمل في وحدة وطنية.  بل وصل به الأمر إلى حد دفع الكنديين إلى مقاطعة لاس فيغاس، لأنهم لا يحبّذون أن يُقال لهم: "قريبًا سنملككم". فأخبروني أنتم: من الذي يلعب بورقتين خاسرتين؟

إذا لم يتوقّف ترامب عن هذا السلوك الخارج عن كل قواعد الدولة، فسوف يُدمّر كل ما جعل من أميركا دولة قوية، محترمة، ومزدهرة. لم أشعر في حياتي قطّ بقلق على مستقبل أميركا كما أشعر الآن.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية