تسفي برئيل: سياسة الجبهات الحربية المفتوحة هدفها خدمة الحكومة ورئيسها وتبرير "العفو"

A+
A-
نتنياهو مع جنود الاحتلال (تصوير: كوبي جدعون، مكتب الصحافة الحكومي)

نتنياهو مع جنود الاحتلال (تصوير: كوبي جدعون، مكتب الصحافة الحكومي)

تثير عدة عمليات عسكرية نفّذتها إسرائيل في الأيام الأخيرة أسئلة حول نواياها الحقيقية في لبنان وسوريا. اغتيال رئيس أركان حزب الله هيثم علي طبطبائي، الهجمات اليومية على "أهداف" في لبنان والاستعدادات لحملة برية، واعتقال ناشطين سوريين في الجولان السوري تطور إلى اشتباك فعلي—كل هذا يبدو، ظاهريًا، كإظهار للعزم على إزالة التهديدات التي تواجه "أمن إسرائيل". لكن من يحاول تفكيك هذه الأحداث إلى عناصرها سيجد صعوبة في العثور على سياسة متماسكة أو استراتيجية منظمة. وفي غياب ذلك، لا مناص من استنتاج أن لهذه العمليات هدفًا خطيرًا واحدًا: إبقاء إسرائيل في حالة دائمة من الحرب، بما يخدم الطموحات السياسية للحكومة ورئيسها، ويوفّر الغطاء الأمني الذي قد يُستخدم لتبرير طلب العفو الذي قد يحصل على الموافقة.

تتمتع إسرائيل في حدودها الشمالية بامتيازات استراتيجية غير موجودة في قطاع غزة. ففي كل من سوريا ولبنان توجد أنظمة تعلن علنًا وباستمرار أنها لا ترغب في الدخول في حرب مع إسرائيل. ولا تُعدّ هذه مجرد تصريحات للاستهلاك الإسرائيلي أو الأميركي: فقد وقّعت لبنان اتفاقًا لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، ورئيسها جوزيف عون صاغ مبدأً تاريخيًا يدعو إلى توحيد السلاح الموجود في الدولة تحت سلطة الدولة وحدها. كما اتخذت الحكومة في بيروت قرارًا تاريخيًا يأمر الجيش اللبناني لأول مرة بجمع السلاح من التنظيمات غير الحكومية—وفي مقدمتها حزب الله والفصائل الفلسطينية.

الجيش اللبناني يعمل بالفعل على جمع السلاح في جنوب لبنان، لكن الوتيرة بعيدة عن تلبية رغبة إسرائيل، ومن المشكوك فيه قدرته على إنجاز المهمة قبل الموعد المتفق عليه—نهاية عام 2025. يوضح عون بطء التنفيذ برغبته في تجنّب صدامات عنيفة بين الجيش، ذي القدرات المحدودة، وبين حزب الله الذي ما زال يمتلك ترسانة كبيرة يمكن أن يوجّهها ليس فقط ضد إسرائيل بل ضد اللبنانيين وجيشهم. في المقابل، تعتقد إسرائيل والولايات المتحدة أن الضغط العسكري والتهديد بالحرب سيدفعان رئيس لبنان للتخلي عن استراتيجية الحوار السياسي مع حزب الله وجرّه إلى مواجهة مباشرة مع التنظيم.

إلا أن الضغط العسكري الإسرائيلي مليء بالتناقضات العملياتية والسياسية. فمعظم نشاطها في لبنان يتم من الجو، في حين تسيطر على خمسة مواقع في جنوب لبنان تُعد ذات قيمة محدودة، من بينها كأوراق تفاوض. ومع ذلك، لا تكتفي إسرائيل والولايات المتحدة بالتفاوض على ترتيبات أمنية وترسيم الحدود البرية وإطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين لدى إسرائيل. بل تطالبان أيضًا بتحويل المفاوضات إلى مباشرة، وتغيير تركيبة لجنة مراقبة تنفيذ وقف النار بحيث تشمل سياسيين لبنانيين وليس عسكريين وخبراء فقط، وأن تنضم لبنان إلى اتفاقات أبراهام.

تعتمد هذه المطالب على ورقة عمل عرضها قبل نحو شهرين توم براك، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون سوريا ولبنان. وبموجب اقتراحه، توقف إسرائيل هجماتها في لبنان لمدة شهرين، وخلالهما تُجرى مفاوضات حول كل هذه البنود وإنشاء "منطقة منزوعة السلاح" بين لبنان والحدود الشمالية لإسرائيل. وكلما تقدّمت المحادثات، تقترح الورقة أن تنسحب إسرائيل تدريجيًا من النقاط الخمس وتسمح للسكان اللبنانيين بالعودة إلى منازلهم. حسب براك، إسرائيل رفضت الاقتراح.

حزب الله ثابت على موقفه الرافض لنزع سلاحه بالكامل، لكن أمينه العام نعيم قاسم يكرر التأكيد أن الاتفاق ينص على أن "الجيش اللبناني وقوات الأمن اللبنانية هما الجهتان المسلحتان الوحيدتان المصرح لهما بالعمل في جنوب لبنان". ووفق تفسيره، هو غير ملزم بنزع سلاحه في شمال لبنان أو بقبول إقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب. إلا أن الحكومة اللبنانية تبنّت مهمة تتجاوز بكثير نص الاتفاق: مبدأ "وحدة السلاح" تحت سيادة الدولة، ما يعني أنها ملتزمة ليس فقط بتدمير منشآت إنتاج السلاح التابعة لحزب الله بل أيضًا بجمع سلاحه في كل أنحاء البلاد. وقد أوضح الرئيس عون بلهجة حادة لأمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني أنه لا ينوي التراجع عن هذا المبدأ، وأنه يتوقع من إيران مساعدته في تنفيذه وإلزام حزب الله بالتعاون مع الحكومة.

لبنان يدرك تمامًا خطورة التهديد الإسرائيلي بتوسيع نطاق القتال، تمامًا كما يدرك تبعات صدام مباشر مع حزب الله قد يتدهور إلى حرب أهلية. والسؤال: هل تدرك إسرائيل هذه التبعات؟ إذا كانت العمليات الهجومية تهدف إلى تسريع تنفيذ الاتفاق، فهذا يعني أن إسرائيل تؤمن بقدرة الجيش اللبناني على تنفيذ المهمة وأن المطلوب فقط قرار سياسي من الحكومة اللبنانية—لكن هذا القرار قد اتُّخذ بالفعل بدعم من خطاب عام مشجع. ويجب التساؤل عما إذا كانت إسرائيل قادرة فعليًا على نزع سلاح حزب الله بقوتها العسكرية. لقد أثبتت حروبها في لبنان وغزة والضفة أن نزع السلاح الكامل هدف شبه مستحيل من دون اتفاق.

في سوريا، توجد معادلة قوة مشابهة. إسرائيل لا تسمح للجيش السوري بالانتشار في جنوب الجولان، بينما تُدير هناك عمليات ضد تموضع تنظيمات إرهابية. وفي الوقت نفسه، المفاوضات حول الترتيبات الأمنية مع دمشق مجمدة. بخلاف لبنان، أدار النظام السوري مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وصرّح الرئيس أحمد الشرع بأن بلاده ستكون مستعدة للانضمام إلى اتفاقات أبراهام "في الظروف المناسبة" التي لم يحددها. الجيش السوري ما زال في طور إعادة التشكيل، وعشرات الميليشيات لم تندمج بعد فيه، وتعمل في المناطق التي "تهم" إسرائيل في جنوب سوريا قوى انفصالية، مثل الميليشيات الدرزية والقبائل البدوية المسلحة وفصائل إسلامية مختلفة.

الوجود العسكري الإسرائيلي في الجولان السوري يساعد بعض هذه التنظيمات. فهو يخلق انطباعًا بالاحتلال المباشر وقد يشجع على انتفاضة، مصطلح بدأ يظهر بوضوح في الخطاب المحلي في تلك البلدات. وكما في لبنان، فإن مصلحة إسرائيل الحيوية تكمن في تمكين الجيش السوري من الانتشار في المنطقة كشريك في منع تموضع التنظيمات المعادية. لكن النظام السوري، الذي حصل على شرعية عربية ودولية وأميركية خصوصًا، يُنظر إليه في إسرائيل بريبة.

تطالب إسرائيل سوريا بالتحرك ضد التنظيمات في جنوب الجولان ونزع السلاح من المنطقة جنوب دمشق، لكنها لا تسمح لها بإدخال قوات ولا توضح من المسؤول عن مواجهة التنظيمات المسلحة التي قد تتمركز في تلك المنطقة. وفي حين أن سيطرة إسرائيل على أراضٍ في سوريا تعطي انطباعًا بـ“منطقة أمنية” ناجحة، من الأفضل استحضار دروس مناطق الأمن السابقة التي أقامتها إسرائيل في لبنان وتلك التي تديرها في قطاع غزة.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية