الكاتب يعد من أبرز الجنرالات ذوي الخبرة الاستراتيجية، وكان لسنوات رئيسا للدائرة السياسية في وزارة الحرب، وأدار لسنوات شؤون جيش الاحتلال في جنوب لبنان المحتل، ويحذر في مقاله من استعادة الحكم العسكري في قطاع غزة
إن خطة إقامة حكم عسكري مباشر في غزة تُذكرنا، للأسف، بالأوهام التي أحاطت بإقامة واقع جديد وحكومة تُناسب إسرائيل في لبنان عام 1982. آنذاك، تبددت هذه الأوهام على مدى 18 عاما دموية، وانتهت بانسحاب أحادي الجانب.
قد يبدو الحكم العسكري المباشر سحريا، إذ يُفترض أنه سيُمكّن حماس من الهزيمة. لكنه في الواقع قد يُضعف إسرائيل، إذ أن الحفاظ على الحكم المباشر يكلف مليارات الدولارات، وستلزم عشرات المليارات لإعادة إعمار غزة المُدمرة. علاوة على ذلك، إذا لم يُنهِ اتفاق فوري وجود إسرائيل في غزة، فقد يُحسم مصير الرهائن الأحياء والأموات.
إن الادعاء بأنه إذا لم نهزم حماس حتى آخر رمق من إرهابييها، فسنواجه 7 أكتوبر آخر، ادعاءٌ واهٍ تماما. لماذا؟ لأن الجيش الإسرائيلي فكك الهياكل العسكرية، وألحق ضررا بالغا بالقيادات العسكرية العليا والدنيا، على جميع مستويات المنظمة. لم يبقَ أحدٌ هناك ينفي هذا. ويجب الآن تحقيق هذه الإنجازات العسكرية من خلال اتفاق سياسي، برعاية أمريكية، يبدأ بالأمر الأهم على الإطلاق: إطلاق سراح الرهائن، ونأمل أن يتم ذلك فورا. وبعد ذلك، سيكون من الممكن توسيع التحالفات الإقليمية لتشمل الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وكذلك الدول الإسلامية غير العربية مثل إندونيسيا.
من ناحية أخرى، فإن تطبيق خطة تجميع الفلسطينيين في "مدينة إنسانية"، جنوب قطاع غزة سيجلب لنا كارثة سياسية وخيمة. ستبتعد الدول العربية عن إسرائيل، وستستمر مكانتنا الدولية في التآكل، بل ومن المحتمل أن يُدير الرئيس الأمريكي ترامب ظهره لنا في نهاية المطاف، بعد أن يتعذر التوصل إلى اتفاقيات مع دول المنطقة، وبالتالي تُلغى خطته للفوز بجائزة نوبل للسلام.
لقد أثبتت قيمة التحالف الاستراتيجي تحت الراية الأمريكية، المتمثل في القيادة المركزية الأمريكية ("CENTCOM")، بما لا يدع مجالا للشك في الصراعات مع إيران، والتي تُوجت بنجاح عملياتي نادر واستثنائي للجيش الإسرائيلي، والقوات الجوية، وجهاز المخابرات، والموساد. ولكن ما دام النظام الإيراني القاتل قائما، فسيواصل سعيه لتدمير إسرائيل، بصفتها قيادة دينية عليا، ولذلك يجب عزل إيران وإضعافها ومنعها من امتلاك أسلحة نووية. ومن شأن التحالف الإقليمي أن يُسهم بشكل كبير في ذلك.
علاوة على ذلك، فإن افتراض إمكانية تحقيق خطة المدينة الإنسانية في رفح، على أساس النفي الطوعي للفلسطينيين هو وهم خطير. لن تسمح الدول العربية الرائدة، وعلى رأسها مصر والسعودية والأردن، بالتهجير القسري للفلسطينيين، لأن ذلك سيُعتبر خيانة في الرأي العام لديها.
قد يجد مؤيدو الفكرة منطقا فنيا في ذلك، لكن هذا لا يعني أنها قابلة للتنفيذ. العالم العربي، بل العالم أجمع، يُنصت إلى شخصيات مثل سموتريتش وبن غفير تُهدد بطرد الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، أو الاستيلاء على "جبل الهيكل" (الحرم القدسي الشريف)، ويرى في ذلك تهديدا حقيقيا لاستقرار المنطقة.
من المهم أن نتذكر أن منع إقامة تحالفات إقليمية مع الدول العربية المعتدلة كان أحد دوافع يحيى السنوار لتنفيذ مجزرة 7 أكتوبر، وهذا من أقوى الأدلة على ضرورتها. إن الإنجازات العسكرية تحديدا هي ما يُهم، ومن المهم خلق واقع جديد في المنطقة، ويجب ألا تتغلب الاعتبارات السياسية الداخلية على المصالح السياسية والعسكرية لإسرائيل.
يضاف إلى ذلك ما يحدث على الساحة الداخلية. لا ينبغي قبول قانون التهرّب من الخدمة العسكرية، المسمى بسخرية "قانون التجنيد"، وفقا للمخطط الذي عرضته وسائل الإعلام. إن هذا الطموح للإعفاء الجماعي لليهود المتشددين دينيا، إلى جانب العبء على الجنود النظاميين والاحتياطيين وتقويض أسس الديمقراطية الليبرالية التي تقوم عليها الرؤية الصهيونية، أصبح تهديدا حقيقيا لمستقبل الدولة، مثل مبادرات الحكم العسكري في غزة والحكم العسكري في يهودا والسامرة (الضفة الغربية المحتلة).
نحن على مفترق طرق تاريخي، وهذا التعبير لم يكن يوما أكثر صدقا. لا بد من قرار شجاع. إن وهم وقوف الولايات المتحدة إلى جانبنا دائما قد يوقعنا في ورطة ويثبت خطأه. لقد حان الوقت لاتخاذ قرار: عمل دبلوماسي بدلا من الغرق في وحل غزة كما غرقنا في وحل لبنان.
"يديعوت أحرنوت"
13 تموز 2025







.png)


.jpeg)



.png)

