مقال: إيران لن تتراجع ولن تستسلم والذهاب لحيازة السلاح النووي أحد الاحتمالات

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

-د.فالي نصر باحث متخصص في السياسة الإيرانية والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
عن نيويورك تايمز

شكّلت الضربات الأميركية على المواقع النووية الإيرانية نهاية الأسبوع الماضي، والتي جاءت عقب حملة قصف إسرائيلية استمرت أسبوعًا، نقطة تحول مفصلية بالنسبة لإيران. إنّ انخراط واشنطن المباشر في هذا الصراع يُعدّ أحد أكبر التحديات التي تواجه الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979، ولحظة اختبار حاسمة للمرشد الأعلى للبلاد، آية الله علي خامنئي، الذي حافظ طوال 36 عامًا من حكمه على نهج العداء للغرب.

بات مستقبل البرنامج النووي الإيراني ومصير وقف إطلاق النار الهش مع إسرائيل الآن في يد خامنئي — وحتى في ظل تهديد بالغ الخطورة، من غير المرجح أن يتراجع.

قادة إيران ليسوا غرباء عن الحروب. العديد من كبار مسؤولي البلاد، بمن فيهم الرئيس، ووزير الخارجية، وكبار القادة العسكريين، هم من قدامى المحاربين في الحرب الطويلة ضد العراق في ثمانينيات القرن الماضي — صراع مرير كلّف إيران مئات الآلاف من الأرواح ومليارات الدولارات. وتحت قيادة خامنئي، الذي شغل منصب رئيس الجمهورية بين عامي 1981 و1988، ثم أصبح المرشد الأعلى عام 1989، أصبحت دروس تلك الحرب الدموية تشكل أساس رؤية النظام للعالم ولسياسة الأمن القومي.

يرى آية الله خامنئي أن إيران تخوض صراع بقاء مع الولايات المتحدة وحلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل. والسياسات التي انتهجها منذ توليه السلطة — القمع الداخلي، التوسع في البرنامج النووي، ودعم الميليشيات الوكيلة مثل حماس وحزب الله — كلها كانت موجهة نحو كسب هذا الصراع. وقد ازداد انعدام ثقته بواشنطن بعد انسحاب الرئيس دونالد ترامب عام 2018 من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 مع إدارة أوباما.

تعلم الجمهورية الإسلامية جيدًا حدود قوتها في هذا النزاع. فجيشها متخلف تقنيًا مقارنة بترسانة الولايات المتحدة المتقدمة، واقتصادها مشلول بفعل العقوبات الدولية، كما شهدت السنوات الأخيرة موجات غضب شعبي داخلي ضد سياسة "المقاومة الدائمة" للغرب وضد القمع السياسي والاجتماعي. في المقابل، تحافظ الولايات المتحدة على وجود عسكري واسع في المنطقة، حيث تنشر عشرات آلاف الجنود في شبكة من القواعد.

لكن إن دلّ التاريخ على شيء، فهو أن خامنئي لا يتراجع — ناهيك عن الاستسلام. لقد وافق مؤخرًا على وقف إطلاق نار مع إسرائيل، لكن فقط لأنه واثق بأن إيران صمدت في وجه الضربات الأميركية والإسرائيلية. وفي الماضي، أقدم خامنئي على تنازلات حين اقتضت الحاجة؛ إذ دخلت طهران في الاتفاق النووي عام 2015 وجولة التفاوض الأخيرة مع واشنطن لتخفيف الضغط الاقتصادي.

مع ذلك، لا يبدي خامنئي أي اهتمام بتسويات قد تُغير مسار إيران جذريًا. بل إنه يتجنب حتى الظهور بمظهر المتسامح أو المنفتح على حلول وسط، إذ يرى أن الولايات المتحدة ستفسر ذلك ضعفًا. فقد قال في أحد اجتماعاته مع مستشاريه قبل أكثر من عقد: "أميركا كالكلب، إذا تراجعتَ أمامها، تهجم عليك، وإن هجمتَ أنت، فإنها ترتدع وتتراجع".

بدلًا من ذلك، سعى خامنئي إلى نوع من التوازن يمكن تلخيصه بـ"لا حرب ولا سلام". لا يريد مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، ولا تطبيعًا معها. بل يريد من واشنطن أن تتوقف عن محاصرة إيران، وأن تُحرر اقتصادها، وتسمح لها بأن تحتل مكانتها كقوة إقليمية عظمى.

ويؤمن خامنئي بأن بإمكان إيران تحقيق هذا الهدف بمرور الوقت. يعتقد أنه إن صبرت طهران، فستتفوق على شهية واشنطن وتل أبيب للحرب. فقد بنت استراتيجيتها العسكرية على مبدأ الصبر والقدرة على التحمل، وهو ما استخلصه قادتها من تجربة الحرب مع العراق. ففي عام 1980، شنّ العراق هجومًا مفاجئًا واحتل آلاف الكيلومترات من جنوب غرب إيران. وبعد عامين، استطاعت إيران، عبر قوات غير نظامية وهجمات "الأمواج البشرية"، أن تستعيد معظم أراضيها، رغم تفوق الجيش العراقي تسليحيًا. الدرس الذي استخلصه خامنئي ورفاقه: بإمكان إيران إنهاك خصوم أقوى، حتى لو كانت الاحتمالات ضدها.

وقد وجّه هذا الدرس الرد الإيراني على الغزو الأميركي للعراق عام 2003. إذ اعتقد خامنئي حينها أن إيران ستكون الهدف التالي، فكلف الجنرال قاسم سليماني — الذي اغتالته واشنطن عام 2020 — باستغلال الفوضى والتمرد العراقي لصناعة مستنقع يُغرق أميركا. وبالفعل، أنشأ سليماني شبكة نفوذ إيراني واسعة في العراق، واخترق المشهد السياسي، وسلّح الميليشيات الشيعية لضرب القوات الأميركية. ونجحت الاستراتيجية: بحلول 2011، كانت الولايات المتحدة قد سحبت معظم قواتها بعد تمرد طويل ومرهق.

في السنوات الأخيرة، حصلت إيران على الوقت الكافي للاستعداد لهجوم أميركي أو إسرائيلي. فعلى سبيل المثال، دفن منشأة فوردو تحت الأرض ربما أنقذها من الدمار الكامل رغم قنابل واشنطن الخارقة. لكن أي صراع أكبر يشكل تهديدًا أعظم، خصوصًا في ظل هشاشة الاقتصاد وسخط الشارع. ومع ذلك، يبدو أن طهران خلصت إلى أنها تستطيع تحمّل صعوبات الحرب الاقتصادية، وأن الشعب سيتوحد حول العَلَم ويوجه غضبه نحو العدو الخارجي.

بناءً على هذا التصور، شعر خامنئي بضرورة الرد ليُظهر أنه لم يُهزم. كما يسعى لإثبات أن واشنطن لا يمكنها تحقيق أهدافها بالقوة — سواء كانت تغيير النظام أو تفكيك البرنامج النووي. ما تريده إيران هو الردع، لا التصعيد. ويبدو أن الهجوم الصاروخي على قاعدة "العديد" في قطر كان محسوبًا بعناية من حيث الحجم والتوقيت، حيث أبلغت طهران مسؤولين مسبقًا بالضربة المرتقبة.

وإذا انهار وقف إطلاق النار واستؤنفت الحرب، فقد تُقدم إيران على استهداف سفن وقواعد أميركية في الخليج، أو إغلاق مضيق هرمز. سواء فعلت ذلك أم لا، ما يهم هو قدرتها على إبقاء العالم في حالة توتر، واستخدام الغموض للتأثير في أسعار الطاقة والنظام الاقتصادي العالمي.

وإن هاجمت إيران، فإن ضرباتها ستكون على الأرجح مصممة لإرغام إسرائيل والولايات المتحدة على خوض حرب استنزاف. وتعتقد طهران أن حربًا طويلة ستُفشل خطط خصومها لتحقيق نصر حاسم، وتدفعهم إلى القبول بتسوية نتيجة تكاليف الحرب وضغط الرأي العام. ولن ترى إيران في دعوة ترامب للسلام مخرجًا دبلوماسيًا مُرحبًا به. بل قد لا تكون مستعدة للتفاوض إلا بعد أن تستعيد قدرًا من الردع، وربما عبر امتلاك سلاح نووي.

هل يمتلك نظام خامنئي القدرة العسكرية، والصلابة الداخلية، والتحمل السياسي اللازم لخوض حرب استنزاف؟ ذلك الغموض جزء من استراتيجية المرشد الأعلى. فما قد يكون أهم من القدرة الفعلية على القتال إلى ما لا نهاية، هو أن تكون إيران قادرة على الصمود لفترة أطول مما تستطيع واشنطن أو إسرائيل تحمله — خاصة إذا تمكنت في هذه الأثناء من إعادة بناء بنيتها النووية، وربما حتى تجميع ترسانة نووية.

ستعتمد حسابات إيران كثيرًا على تقييمها لما تبقى من برنامجها النووي بعد القصف الأميركي، وما إذا كانت قادرة على تحويل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى سلاح نووي. وقد تغلق منشآتها النووية أمام التفتيش الدولي قريبًا — وحتى إن بقيت موقعة على معاهدة حظر الانتشار، فقد تُبقي العالم في حالة تخمين.

وقد يكون هذا ما يعوّل عليه خامنئي: أن احتمالية اندلاع "حرب أبدية" جديدة في الشرق الأوسط تُرهب الولايات المتحدة كفاية لتُبقيها على مسافة. ومن الواضح أن طهران تعتقد أنها نجحت في إقناع ترامب بقبول وقف إطلاق النار. وحتى الآن، كانت إيران تأمل أن تكون طموحاتها النووية كافية لإنهاء سياسة الاحتواء الأميركية وانتزاع تخفيف العقوبات على طاولة التفاوض. أما الآن، فقد يصل خامنئي إلى قناعة أن السبيل الوحيد لتحقيق أهدافه هو تجاوز الخط النووي — نهائيًا.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية