أحمد عبد الحليم الأديب والانسان| مصطفى عبد الفتاح

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

انسان شفاف واضح المعاني بأسلوبه الكتابي، غزير بأفكاره الناقدة والموجهة، يصوغها على شكل خواطر شخصية معبرة وناقدة، خوفًا أن يجرح بها مشاعر أحد، مما يدل على حسّه المرهف، وفكره الصّادق، هكذا هو الأديب أحمد عبد الحليم ابن قرية كفر مندا الجليلية، اذ يكتب الخواطر بشكل دائم يرسلها إلينا أفكارًا ومواقف واضحة في شتّى مجالات الحياة، يصبهّا خواطر ورديّة في صياغة أدبية جميلة راقية، يضعها أمام القارئ، كأنه يضعه أمام الحقيقة التي يؤمن بها مباشرة دون تكلّف، ودون مواربة.   

الأديب أحمد عبد الحليم يحمل في قلبه صفات انسان راق ونبيل يحمل المشاعر الانسانية الحقيقية الصادقة لكل الناس، وهو قبل أن يكون كاتبًا مبدعًا، فإنّه يحمل هموم ومشاعر الإنسانية، فتنعكس في كتاباته وفي أفكاره السلسة الجميلة الراقية مثل روحه المعطاءة. والخاطرة التي يكتبها أحمد هي فن من فنون الكتابة الراقية ان أحسن اتقانها، يفرغ بها الكاتب ما يدور في رأسه من أفكار وقضايا اجتماعية وسياسية وتربوية ونفسية وحتى شخصية، تترجم فيها الأحاسيس بإبداع حسّي ومعان عاطفية عميقة صادقة، يطرحها بأسلوب شعري جذاب دون الالتزام بقواعد الشعر وبحوره.

قبل فترة، أهداني كتابه الجميل وهو إصداره الأخير بعنوان "عبق الماضي" مجموعة خواطر، وهو كتابه الرابع من سلسلة كتب، دأب على إصدارها على شكل خواطر، وهي في متاهات الدروب، ولادة من رحم الزمن، من الألم يولد الأمل، وكتابه الذي بين يدي، عبق الماضي، ومولوده الخامس بعنوان "صرخة" ينتظر الميلاد القريب نتمنى له ولكاتبه كل التوفيق.

وفي كتابه "عبق الماضي" بالإضافة إلى عتبة النص الأولى، التي يفتح من خلالها أحمد خواطره الجميلة المعبرة نحو الماضي وما يمكننا أن نتعلّم منه من دروس وحكم وعبر، فقد شدّني الاهداء في صفحته الأولى " إليك أيتها البذور المندملة تحت التراب الطاهر أما آن لك أن تنبتي وتزهري بعيدًا عن الأحزان". ما أجمله من إهداء يستصرخ فيه البذور التي زرعها السلف الصالح أن تنمو تحت الأرض وتخرج لتكبر وتتعلّم حب التاريخ والتراث واللغة وتعاليم الأجداد، وتحمل الراية وتمضي. انَّه يتحدث ببساطة الفلاح، وبعمق الفيلسوف الذي صقلته الحياة.

يضع الكاتب أحمد عبد الحليم بين أيدينا خواطر تحمل رسائل أخلاقية تربوية تثقيفية سلوكية، وقضايا اجتماعية، يئنُّ تحت وطأتها المواطن البسيط، فيستفزّ فيها القارئ ويحثه على مناقشة الأحداث بأسلوب سلس أنيق ولغة جميلة سليمة منمقة، بعيدة عن التكلف والتعقيد، ومفردات مترابطة ولغة واحدة ثابتة لإضافة الجمالية على الخاطرة، يدعوه للنقاش واتخاذ المواقف من أجل تنقية المجتمع من ادرانه، يوجه خواطره بالأساس إلى جمهور الشباب، ويرى بهم جمهور الهدف، واضح أنّه يتفاعل مع أحداث مجتمعه، ويتوق إلى تصويب مساره خوفًا من انحراف شبابه، ويدعو الجميع إلى التمسّك والالتزام المبدئي والأخلاقي بالعادات والتقاليد والأسس الصحيحة والسليمة التي نشأ عليها مجتمعنا المحافظ، من أجل ضبط إيقاعه، وتصويب مساره، كي يسير في خطى ثابته واعية على طريق السلف الصالح، وهو يرى بهذه الخواطر طريقة من أجل إيصال هذا النور الباهت إلى الشباب الذي يتوه في بحر الحياة المتلاطم، كلما ابتعد عن ماضيه.

يكفي أن نستحضر مثالاً من خواطره الجميلة، في استحضار قصة الشيخ الجليل ابن كوكب وكفر مندا على حد سواء، الشيخ حامد رحمه الله، فقد عاش ردحًا من الزمن في كوكب امامًا ومعلمًا وشيخًا وقائدًا، رغم انه كفيف البصر ولكنه ذو بصيرة ثاقبة، وبديهة حاضرة، وهو صاحب مقولة "ركبناهم ورب الكعبة" في إشارة إلى الانجليز عندما حرقوا قرية كوكب أبو الهيجاء عام 1938 أثناء استعمارهم لفلسطين.

خاطرة أحمد عبد الحليم تروي قصة الشاب الذي جاء إلى الشيخ حامد يطلب الإفتاء له انه يشرب الخمرة ولا يستطيع تركها، ويرغب بالصلاة، فأشار عليه الشيخ أن يصلي ويشرب الخمر، حتى اكتشف لوحده أنّ شرب الخمر حرام فأقلع، وكأنَّ بأحمد عبد الحليم يشير إلى حكمة الكبار في توجيه الشباب، وتصويب المسار، بالحكمة والتسامح واللين، وهذه هي رسالته الأساس إلى مجتمعه.

وأخيرًا نتمنّى للكاتب النجاح في مشروعه الجميل، وأن يستطيع إيصال رسالته وخواطره إلى القارئ أينما كان، وأن تكون لنا جميعا نبراسًا، لك التوفيق والنجاح أيها الكاتب والأديب والجار العزيز.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين