التيار الديني الصهيوني تلقى ضربة قاصمة في انتخابات آذار 2020، وحوّل أحزابه إلى فتات *وهذا أحد انعكاسات الصراعات بين التيارات، داخل التيار الواحد، واستفحال التطرف السياسي والديني؛ وأيضا، بسبب توغل الليكود في هذا التيار، حتى بات عنوانا لشريحة واسعة جدا من مصوتيه
تلقى تحالف أحزاب المستوطنين "يمينا"، الذي يمثل أحزاب التيار الديني الصهيوني، في انتخابات آذار الماضي 2020، ضربة قاصمة أشد، من تلك التي تلقاها في كل واحدة من جولتي الانتخابات في العام الماضي 2019. فهذا التحالف الذي تشكّل عشية انتخابات 2013، وحصل على 12 مقعدا، بات اليوم مع نصفها، وهذا انعكاس لأزمات داخلية، منها ما هو نتاج استفحال التطرف الديني والسياسي، من جهة، ومن جهة أخرى، توغل الليكود في هذا التيار الحليف له، على حساب أحزاب التيار، التي تحولت إلى فتات، وأبرزها حزب المفدال (البيت اليهودي) الذي بلغ تمثيله ذات يوم 15 مقعدا، وبات اليوم مع مقعدين فقط.
ويضم تحالف "يمينا" ثلاثة أحزاب، أقدمها حزب "المفدال"، الذي بات يحمل اسم "البيت اليهودي"، وهو أول وأقدم أحزاب التيار الديني الصهيوني، وكان في العقود الأولى لإسرائيل، ذو وزن سياسي كبير، ووصل تمثيله إلى حتى 15 مقعدا، وكانت فيه تيارات إصلاحية وأخرى محافظة.
ولكن مع السنين، شهد المفدال الكثير من الانشقاقات، وشهدت الأحزاب التي انشقت عنه، هي الأخرى انشقاقات، ومن بينها الحزبين الحليفين له في تحالف "يمينا"، "هئيحود هليئومي" (الاتحاد الوطني)، الذي ظهر لأول مرة في نهاية سنوات التسعين، ومعقله الأساسي بين المستوطنين في الضفة. وحزب "اليمين الجديد" بزعامة نفتالي بينيت، وأييليت شكيد، والأخيرة هي علمانية، وشريكة سياسية قديمة لبينيت، وقد انشقا عن تحالف "البيت اليهودي" في نهاية العام 2018، تمهيدا لانتخابات نيسان 2019، وخاضا الانتخابات بقائمة مستقلة، وخسرت ولم تتمثل في الكنيست، بعد أن لامست نسبة الحسم.
وفي الجولات الانتخابية الثلاث الأخيرة، كان واضحا الأزمة التي تعصف بهذا التيار، فقد خاض انتخابات نيسان 2019 بقائمتين، الأولى هي السابق ذكرها، "اليمين الجديد" بزعامة بينيت وشكيد، والثانية ضمت "المفدال- البيت اليهودي"، وحزب هئيحود هليئومي (الاتحاد الوطني)، وحركة "عوتسما يهوديت" (قوة يهودية) المنبثقة عن حركة "كاخ" الإرهابية المحظورة صوريا في إسرائيل. وهذا التحالف الثاني تم بضغط من شخص بنيامين نتنياهو، إذ أن الحزبين الأولين، رفضا بداية التحالف مع "عوتسما يهوديت"، بسبب شدة تطرفها، فمن صفوفها تخرج عصابات إرهابية ترتكب جرائم ضد الفلسطينيين في الضفة والقدس وفي إسرائيل.
وقد حصل هذا التحالف الثلاثي على 5 مقاعد، في الوقت الذي خسر فيه التيار ككل ما يعادل 4 مقاعد، كانت لقائمة "اليمين الجديد".
وفي انتخابات أيلول 2019، أقيم تحالف ثلاثي ضم "اليمين الجديد" و"البيت اليهودي" و"هئيحود هليئومي"، وتم استبعاد قائمة "عوتسما يهوديت"، رغم كل ضغوط نتنياهو، كي يتم التحالف معها، منعا لحرق عشرات آلاف الأصوات. وحصل التحالف على 7 مقاعد، في حين أن "عوتسما يهوديت" خاضت الانتخابات بقائمة مستقلة، وحرقت أكثر من 83 ألف صوت، ما يعادل أكثر من مقعدين برلمانيين.
ولكن حصول التحالف على 7 مقاعد، كان مؤشر فشل إضافي لهذا التحالف، الذي انشق على نفسه في اليوم التالي، بتشكيل كتلة مستقلة لحزب "اليمين الجديد". إلا أنه مع حل الكنيست الـ 22، إثر فشل تشكيل حكومة بعد انتخابات أيلول، مورست ضغوط على الأحزاب الثلاثة، لتتحالف من جديد، وهذه المرّة أيضا تم رفض التحالف مع "عوتسما يهوديت"، التي وجّهت 80% من قوتها الانتخابية لصالح حزب الليكود، كما يثبت هذا واقع النتائج النهائية.
في المقابل، فإن التحالف الذي مصدر قوته السياسي هو المستوطنات، تلقى ضربة أخرى، وحصل على 6 مقاعد، نصفها لحزب "اليمين الجديد"، ومقعدين لصالح "البيت اليهودي" والسادس لإيحود هليئومي. ويتضح من النتائج أن هذا التحالف خسر أيضا 20 ألف صوت، مقارنة بما حصل عليه في انتخابات أيلول، ولكن إذا أخذنا بالحسبان نسبة التكاثر الطبيعي لدى جمهور هذا التيار الديني، وارتفاع نسبة التصويت، فإن هذا التحالف خسر فعليا حوالي 24 ألف صوت من معاقله.
والاستنتاج الأول، هو أن هذا التحالف خسر أصواته لصالح حزب "الليكود"، الذي في كل واحدة من الانتخابات البرلمانية، منذ العام 2013، وحتى الانتخابات الأخيرة في آذار 2020، يُظهر توغلا متزايدا في هذا التيار الديني.
وحسب تقديرات خاصة، فإن تحالف "يمينا" حصل على 45% من أصوات التيار الديني الصهيوني، الذي يشكل نسبة تتجاوز 11% من اجمالي ذوي حق التصويت، علما أن نسبته بين الجمهور العام في حدود 13%، وبين اليهود وحدهم في حدود 15%، ولكن نسبة تكاثره الطبيعي 2,8%، ما يجعل نسبة مَن هم دون 18 عاما، أعلى من المعدل العام.
ولكن نسبة هذا الجمهور من اجمالي المصوتين في يوم الانتخابات تتجاوز نسبة 12% ولربما أكثر، لكون نسبة التصويت في أوساطه، تتجاوز نسبة 85%، مقابل 71,5% نسبة عامة في الانتخابات الأخيرة. ونسبة التصويت هذه من الممكن أخذها من المستوطنات التي كل المستوطنين فيها من التيار الديني الصهيوني، وتشكل نمط تصويت لهذا التيار عامة، ويضاف لها نسبة المصوتين خارج أماكن سكناهم، بموجب ما يجيزه القانون، وكانت نسبتهم العامة 7%، وبين اليهود وحدهم 8%، ولدى في هذا التيار لربما تجاوزت 8%.
واستنادا لهذه المعادلة، كان الاستنتاج بأن تحالف "يمينا" حصل على 45% من الأصوات، في حين أنه على أساس ذات التقديرات الخاصة، التي أجريناها، فإن الليكود حصل على حوالي 38% من أصوات هذا التيار. ولديه 6 نواب من المتدينين الصهاينة، مقابل 5 لدى تحالف "يمينا"، و3 نواب من تحالف "كحول لفان" قبل انشقاقه في الأيام الأخيرة، على ضوء قرار رئيسه بيني غانتس، الانضمام لحكومة بنيامين نتنياهو.
الأزمة الفكرية وتوغل الليكود
على مدى عقود، كان التيار الديني الصهيوني، يشهد تيارات متنوعة في داخله، مثل التيار المحافظ، والتيار الإصلاحي، وآخر وسطي. وهذا التنوع داخل التيار الديني الصهيوني ما زال قائما بين اليهود المتدينين في العالم، ولكنه تلاشى في إسرائيل، على الأقل على مستوى الواجهة السياسية.
فحزب المفدال التاريخي كان معروف عنه أن في داخله تيارين متنافسين، إلا أن التيار الإصلاحي تضاءلت قوته، مع استفحال التوجهات اليمينية المتطرفة في داخل "المفدال"، وما رافق هذا من انشقاقات سياسية، ما عزز أكثر التنافس داخل الحزب، على المواقف الأشد يمينية، وهذا كان ملموسا بشكل اقوى ابتداء من النصف الثاني من سنوات التسعين، خاصة بعد أن انشق التيار الإصلاحي "ميماد" في نهاية سنوات الثمانين، وكان هذا بداية النهاية لهذا التيار في "المفدال". وخاض حزب "ميماد" الانتخابات مع حزب "العمل" في انتخابات العامين 1999 و2003.
مع تزايد أعداد المستوطنين في الضفة، وبالذات من التيار الديني الصهيوني، القوة السياسية الطاغية على الأجواء السياسية للمستوطنين، باتت المستوطنات مركز القوة السياسية، لكل أحزاب التيار الديني الصهيوني، رغم أن غالبية أصواتها تأتي من خارج المستوطنات، بفعل التوزيعة الجغرافية.
وتحولت المستوطنات إلى دفيئة للتطرف السياسي من جهة، وللتشدد الديني من جهة أخرى، وهذا التشدد الديني عكس نفسه أيضا على قيادات الأحزاب الدينية، التي لم تلتف إلى سائر جمهور المتدينين من هذا التيار، والقصد هنا، التيار الوسطي من حيث التشدد الديني، وحتى السياسي، ولم يعد لهذا التيار حزب من التيار الديني الصهيوني العام ليمثله، ما أوجد فراغا واضحا.
ولهذا الفراغ دخل حزب "الليكود" الذي هو في ظاهره حزب علماني، رغم أنه متواطئ كليا مع كل أنظمة وقوانين الاكراه الديني، من باب الحفاظ على تحالفه السياسي مع الأحزاب الدينية، خاصة من المتدينين المتزمتين "الحريديم". وساعد اختراق الليكود للتيار الديني الصهيوني، وجود ممثلين لذات التيار في الحزب وفي كتلته البرلمانية، وهي مجموعة في تنامي مستمر.
وعلى مر السنين رأينا تعاظم قوة الليكود بين المتدينين الصهاينة، إذ تشكل المستوطنات التي 100% من المستوطنين فيها من هذا التيار، نموذجا لنمط التصويت بينهم. ففي بحث "الخارطة السياسية في المستوطنات- 2013- 2015- برهوم جرايسي، الصادر عن المركز الفلسطيني "مدار" للدراسات الإسرائيلية، رأينا أن الليكود حصل في انتخابات 2013 على 12% من أصوات مستوطنات هذا التيار الديني، ورفع النسبة بعد عامين، في انتخابات 2015، إلى 18,3%، بمعنى أنه تجاوز زيادة 50% بالنسبة المئوية، و64% في عدد الأصوات.
وإذا حصل الليكود في المستوطنات على نسبة كهذه، فهذا يعني أنه حصل على نسبة أعلى من التيار الديني الصهيوني خارج المستوطنات، حتى توصلنا إلى استنتاج حصول الليكود على 38% من أصوات هذا التيار في انتخابات آذار الماضي 2020.
ما يعني أن أحزاب التيار الديني الصهيوني تلقت ضربة من الحزب الحليف، الذي تدعمه في كل واحدة من الانتخابات البرلمانية. إلا أن هذا التنافس الحاد، لا يتسبب بحالة شرخ سياسي بين الفريقين، لأنه لا خيار ثاني أمامهما سوى التحالف السياسي، وهذه معضلة أمام الأحزاب الدينية.
ولكن المعضلة الأكبر والأصعب، التي حلها قد يخفف من الضرر الذي يتسبب به الليكود، هو كيفية الخروج من حالة الحصار الذاتي لهذه الأحزاب في بوتقة المستوطنات، وإعادة الأحزاب أو على الأقل أقدمها "المفدال"، للعمل على المستوى العام في إسرائيل. ولكن طالما أن قيادة دينية متشددة دينيا، ومتطرفة سياسيا هي من تسيطر على الأحزاب، فإنه لن يكون بإمكانها تغيير الواقع، بل هذا سيقود إلى تدهور آخر، وحتى مصارعة نسبة الحسم للدخول إلى الكنيست مستقبلا.
هذه المحاولة أجراها أكثر من مرّة، من يتولى حاليا وزارة الأمن، نفتالي بينيت، حين ترأس حزب المفدال، تمهيدا لانتخابات 2013، إذ استحضر شخصيات من خارج التيار الديني، وأولهم شريكته السياسية أييليت شكيد. وحقق هذا الحزب مع تحالفه في تلك الانتخابات على قوة كبيرة نسبيا، 12 مقعدا، ليبدأ الحديث عن تعاظم قوة هذا التحالف، أكثر لاحقا.
ولكنه في الانتخابات التالية، في 2015، خسر التحالف ثلث قوته، ومن بين الأسباب لهذه الضربة، هو أن التحالف في 2013 ركب أيضا على موجة الاحتجاجات الشعبية ضد كلفة المعيشة في العام 2011، ورفع شعارات اقتصادية اجتماعية، انقلب عليها بعد الانتخابات.
وكرر بينيت المحاولة في انتخابات نيسان 2019، وخاض الانتخابات مع شكيد بقائمة مستقلة، وكما ذكر من قبل، فإن هذه التجربة باءت بفشل ضخم، بعد أن لامس نسبة الحسم، ولم يجتازها، وحرق بذلك ما يعادل 4 مقاعد.
من المفترض أنه بعد تشكيل الحكومة، ومرور الوقت، ستبدأ أحزاب التيار الديني الصهيوني في البحث عن مخرج لورطتها، كي تتدارك تلاشيها كليا عن الساحة السياسية.
(ملحق "المشهد الإسرائيلي"- مركز "مدار")



.png)

.png)






.png)

