طوال عمري وأنا أعشق القرآن وصوت قارئ القرآن، أما الآن... لا وألف لا! لن يعجبني القرآن وحسب. بل يعجبني كل صوت ينادي بالرحمة ومخافة الله في خلقه من أصغرهم إلى أكبرهم، إن كان توراة أو كان إنجيلا أو كان قرآنًا كريما... يعجبني كل نداء للرحمة... رحمة الإنسان للطبيعة ورحمة الطبيعة للإنسان. نحن من بدأ الظلم وتجاهلنا رحمة بعضنا البعض، فكم بالحري رحمتنا تجاه الطبيعة. وكأن لعنة الكورونا لم تكف البشرية درسًا تتعظ منه.
لشد ما أصاخ بِسَمْعي مشاهدة التراتيل الدينية في قناة نور اللبنانية بعد ذلك الانفجار الهائل في بيروت، أعجبني الصوت وأعجبني الكلام... كلام ينادي للسلام والوداعة والرحمة.ويا لهول ما بثته القناة من مشاهد للكارثة التي حاقت ببيروت. بيروت بلد الصخب والحياة، تحضر احتضار ذلك الصخب إيذانًا بميلاد صخب آخر!
"السجود القرباني من أجل لبنان والعالم من الصرح البطريركي، الديمان". هذه أول مرة أسمع بهذه الصلاة وأول مرة أتعرف على اسم هذا المكان. لماذا ننتظر لنصل إلى هكذا موقف؟ لم لا نتحِدُ ضد الظلم وضد الإهمال، لم لا نقف وقفة رجلِ واحدٍ ونقول لا، كفى لكل مفسد في الأرض. فلنستبدل الريـاء بالعمل. كفانا طنطنة وسخافات ونجد للأمور محمل جدٍ لها. ما كان سبب ذلك الإنفجار سوى لهفة أصحاب الكراسي نحو كراسيهم وحسابات بنوكهم، تلك أفراد نحن من أعطاهم الرخصة للعب في مصائرنا ونحن نستمع لترهاتهم خاملين خامدين. لم يعد يهمهم مصلحة الشعب بل جلّ همهم أي كرسي يجلس عليه إن كان في السيارة أو في المكتب، فكلاهما يؤديان لنفس النتيجة، مَلْءُ الجيبة... لا... لا بل تجريعنا الخيبة.
هالني منظر القسّ في صومعته وهو يرتل وينشر عبق البخور في الأجواء، وفجأة تنهار تلك الصومعة على من فيها... تخنق من فيها بعبق الغبار المنبثق من الجدران. فالموت حقٌّ يطال جميع الأمكنة لا يرحم دَيِّـنًا ولا كافرًا، لا يميز بين دين وآخر، فجميعنا لنا وجهة واحدة هي الحق، هي الكلمة، هي كلمة حق، تلك الوِجهة التي تؤدي إلى سلامة البشرية من شرور البشرية.
ولكم أعجبتني تلك العروس الفارهة بفستانها الأبيض الجميل، وتلك النظرة البراقة الشوّافة نحو مستقبل رحيب. فجأة وبلحظة رهيبة تنقلب الأمور رأسًا على عَقِب. تلملم تلك العروس أطرافها نحو مخبأ يأوي أحلامها... مباشرة نرى أي خراب ودمار آلت إليه هذه المدينة الصاخبة، باريس الشرق، مدينة الأنوار بيروت.
أي صخب تنتظره لبنان بعد جميع هذه الويلات التي ما فَتِئَت الصحافة تنعاها بشكل يومي. هل نحتاج إلى كارثة في كل مرة، لنتذكر البؤس الذي سببناه لهذا الكوكب ولكي نوقظ الحس الإنساني فينا؟ ألا يكفي أن نتعلم من درس واحد؟ ألا يكفي أن نتعظ من دروس أسلافنا؟ زاد الظلم في الأرض، تضخم الفساد فيها، استفحل الاستغلال لموارد هذه الأرض، بل طال الاستغلال بعضَنا بعضًا. أما من توبةٍ نصوح؟! أما آن لهذا الاستغلال أن يتوقف؟!
يبدو أنّ كوارث 2020 لن تتوقف عند كورونا التي استوطنتنا منذ أ شهر، يبدو أن المقام أعجبها، فلا نحن متعظين لهول استيطانها حنايانا... ولا نحن خائفين خباياها. لقد استبحنا الحياة لغاياتنا، استبحنا السماء والبر والبحر بدون أي وازع أو وَجَل. لا دِينٌ نَرْهَبُه ولا أخلاقٌ تردعُنا.
(سخنين)



.png)

.png)






.png)
