إنّ غطرسة الاحتلال وغدره ليسا من ضمن ما نراه ونعيشه اليوم وحسب، إنّهما عادتان مزمنتان لدى الاحتلال، الذي لم يدر يومًا ما الرأفة ولا الصدق يومًا، وتنكّست راياته التي ما ان انبثقت من بين صفحات الزمان لتجمع أشلاء شعبه، حتّى تنكست بأفعاله، وكان لكذبه وإجرامه دور في رسم هويته الوحشية، حيث لم يترك هذا الاحتلال أي منفذٍ للرأي سوى أن نجابهه ونكون ضده.
للاحتلال تاريخ مظلم من الجرائم لا يعدّ ولا يحصى، ولا ينفك من أن يزيد يوميًا من سياسات تهميشٍ واضطهاد. ولا يعترف الاحتلال بجريمته، ولا يذكرها أصلًا، إنّها بالنسبة له شرفٌ عسكري، لكن التاريخ لا ينسى، فالتاريخ لا يحقد على أحد، ولا يحجب الكُره مجال رؤيته، ولكنّه يذكر ويتذكّر.
إنّ سياسات الاحتلال في القمع والتخريب قد طالت ما يصعبُ إدراكه وتجاوزه، تذكر قرية قانا اللّبنانية ما مرّ على ترابها من دماء قاطنيها، تخاف القرية من كوابيس تكونّت من عناقيد الغضب، تخاف القرية العزلاء من بطشِ القذائف المدوّية. إنّ الاستيقاظ في قانا في الثامن عشر من نيسان عام 1996، لم يكن عاديًا، ولا غير عادي، كان الاستيقاظ داميًا، تملؤه ريح غضب، لم يدر الأهالي ما القصة حينها، ولم يكن العشب الربيعي مشعًّا بالاخضرار، ولا كانت الحلزونات التي نامت طيلة الشتاء مستيقظة، كانت عناقيد الغضب تنفرط حباتها متشبعة في الظلام، في هذا اليوم الذي خرقت فيه إسرائيل اتفاق أيار الذي عقد قبل ثلاث سنوات من الهجوم، غير عابئة بأحد، كأنها تعرف حجم الداعمين لها.
مجزرة قانا لم تكن الجريمة الوحيدة بحق المدنيّين العزل في لبنان، لقد أصبح الأمر معروفًا، إن المجازر من قبل إسرائيل ليست حكرًا على شعب، المجازر التي ترتكبها إسرائيل قد طالت جل المجاورين، لكن ان تشن إسرائيل هجوم على مراكز اليونيفيل لم يكن امرًا اعتياديًا، فبعد ان كشرت طائرات المجرمين عن انيابها وبخَّت نار الحقد على العزل في قانا، هرب الناجون إلى مركز اليونيفيل يطلبون النجدة ويرجون النجاة من سم الكراهية المعبأ بقذائف تتعطش لدم الأبرياء، حينما استشهد في هذا الهجوم 106 من المدنيين، بالإضافة إلى إصابة الكثير بجروح لها دور في التذكير الدائم والمنقوش في الأذهان لما حصل، وقد اجتمع في تلك الأثناء وفي أعقاب الحادثة الدموية مجلس الأمن للتصويت على قرار يدين إسرائيل، ولكن، أم إسرائيل، الإمبريالية العالمية -الولايات المتحدة الامريكية- أجهضت القرار مستخدمة حق النقد الفيتو.
أجبِر المدنيون الجنوبيون العزل في الثامن عشر من نيسان، اللّجوء إلى معسكر الأمم المتحدة في قانا، لحماية النساء وكبار السّن والأطفال، وقد ظنوا ان إسرائيل لن تضرب المعسكر احترامّا لعلم الأمم المتحدة، لم يكن للبنانيين تجربة كافية مع من خلقوا والغدر سوية.
طالت قذائف المدفعية قاعدة الأمم المتحدة، وراح ضحية الهجوم أكثر من 100 ممّن كانوا قد لجأوا من نساء وأطفال وكبار.
يبحث قادة الاحتلال عن الإرهاب، متجاهلين الذاكرة بين صخور قانا، ومعرضين عن صور تكدّست في أرشيف اجرامهم، لم يعترف الاحتلال يوما بما ارتكب، بل اعترف بما أنجز، هذه عادة الاحتلال أينما حل، لا يرتاح ولا يهدأ له بال الا بالمجازر وجرائم الحرب، لا يرتاح الا بانتهاك المعاهدات العالمية، يحب أن يترأس قائمة المجرمين غير آبه لشيء تحت اسمه المستعار، لا تغرب شمسه قبل أن يقتل، قبل أن يضطهد، قبل أن يسرق ويستولي بالقوة على أراض قد شربت نخاع أصحابها حبًّا وعملًا، هذا ما نعرفه عن الإرهاب، أمّا ما يعرفه الاحتلال عن الإرهاب فهو في دفاعنا نحن عن الأرض، وعن الكرامة، في صوت انضخ من حنجرة صرخت قهرا، يرى الاحتلال الإرهاب في سواعد قد بنت، بحبات العرق على آخر المحصول مدافعة عن بقيته.
تذكر قانا كل عام، غيومًا في أوج الربيع، لم تترك ما ينفع في الأرض ولا فوقها، كانت الغيوم سوداء، وأمطارها سوداء كذلك، حتى حركتها، لم تكن ربيعًا. عرفت قانا أنّ الرعد ليس صوتًا منبثقًا من ظاهرة طبيعية، حين أدركت مخالبُ النار قانا، حين التهمت حممُ الظلام نور الربيع وأشعلت بسمائه راية السّلام، لم يعد لون السّلام أبيضَ كما كان، لم يعد للسلام لون، تلاشت أبعاده، اضحى ظلامًا، لم ير سكان قانا الا نارًا في آخر النفق... لم يكن النور حاضرًا البتة.
*عضو الجبهة الطلابية في القدس.



.png)

.png)






.png)
