أحد "الأدلّة السريّة" المركزية التي تشير إليها إسرائيل ودولة مخابراتها "الشاباك" في إعلانها عن ستّ مؤسسات حقوقية فلسطينية (الحقّ، الضمير، الحركة العالمية للدفاع عن الاطفال فرع فلسطين، لجان العمل الزراعي، ولجان النساء) أنها "إرهابية"، هو أن الشخوص التي ترأست هذه المؤسسات في الماضي أو في الحاضر، انتمت أو تنتمي للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، و"متورّطة" في دعمها ماديًا.
والرسالة هي أنّ أي مؤسسة مجتمع مدني تريد تشغيل أو ضم نشطاء أحزاب (أخرجتهم اسرائيل – أيضًا – عن "القانون") مصيرها الإعلان عنها كمنظمة ارهابية. أي أنه لا مكان للعمل الحزبي، وكل نشاط حزبي منوط بأثمان طائلة.
في البداية لاحقت اسرائيل الأحزاب السياسية والأطر الحزبية وضيّقت عليها الخناق وأخرجت العشرات منها عن "القانون" بحجّة دعم "الارهاب" (في الضفة وغزة والداخل)، لتولد الحاجة بمؤسسات مجتمع مدني.
بهذا تم مصادرة العمل السياسي الحزبي الشمولي لصالح مؤسسات تعنى بالعمل المدني، كلّ منها في مجال معيّن ومحدد، وسط توزيعة القوى بين عشرات المؤسسات، مع أجندات ورغبات مختلفة لمموّليها. من ضمن كل هذا، تحوّل المطلب بالحقّ السياسي وهو حقّ طبيعي للتأثير على الحياة السياسية العامة، لمطالب حقوق إنسان أوليّة وفردية (الحق في الحياة، الأمن، الكرامة، المحاكمة العادلة، الحركة)، وانتقل العمل السياسي من عمل لتغيير جذري لعمل يحاول – بنوايا طيبة – التحسين من ظروف الحياة (أو الظلم) ويحافظ على أبجديات العيش الكريم فقط.
في كل مرّة حاولت مؤسسات المجتمع المدني أن تتحدى الرقعة الضيقة هذه، وأن تكون جزءًا نشيطًا وفعّالاً في طرح نضالات أكبر نحو التحرر بمفهومه الأوسع، لاقت مئات المؤسسات وبينها جمعيات ولجان شعبية ومنصات إعلامية وحركات طلابية، نفس مصير الأحزاب، أي خارج "القانون" وفي خانة "الإرهاب". قائمة "الإرهاب" لدى اسرائيل تطول، وتحتوي على أكثر من مؤسسة ("إرهابية" أو "غير قانونية").
إسرائيل لا تخاف الجمعيات الحقوقية، ولا مؤسسات المجتمع المدني، وهي حتى لا تهاب "خطاب حقوق الانسان"، فهذا كلّه ضرورة لتحافظ على "المعايير" الغربية لتعريفها بـ "ديمقراطية ليبرالية"، والدليل هو اضطرارها اليوم لتفسير خطوتها هذه في المحافل الدولية.
إسرائيل، وأذرعها الأمنية، تستطيع أن "تتحمَّل" خطاب حقوق الانسان، الذي وبالرغم من كونه خطابًا كونيًا وطبيعيًا إلا أنه نحيف وأولي، يتعامل مع الأفراد كأفراد، منزوعي السياق السياسي والمجتمعي والطبقي. ما لا تتحمله إسرائيل هو خطاب سياسي جماعي جامع وعميق، خطاب لبنيان مجتمعي، والذي بمقدوره أن يزعزع النظام الاجتماعي العرقي الذي بنته وتبنيه.
لكنّ إسرائيل لن تحتمل مؤسسات مجتمع مدني مع أُفق وطرح سياسي. لن تقبل خطاب حقوق غير منزوع عن سياقه الاستعماري وعن ضرورة التغيير العميق. هي تريد مؤسسات حقوقية تنشغل في قضايا موضعية وعينية ولا تتحدى هيمنتها العميقة. تريد موظفين وموظفات متعلقين بجهات التمويل.



.png)

.png)






.png)
