الأديب محمد نفّاع مثال للأدب الملتزم| د. فؤاد خطيب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

رحل الرفيق والأديب الكبير محمد نفاع والشيوعي القدير الذي حافظ حتى الرمق الأخير على الرسالة الشيوعية الماركسية، ودافع عنها بقلبه وعقله ووجدانه وقلمة وأدبه الملتزم الذي انحاز إلى طبقة العمال والفقراء والمعدمين، مؤمنًا حتى لحظته الأخيرة بأنّها الطريق الوحيد لخلاص البشرية بعد أن عاش ورأى بأم عينيه وبفكره المتقد تنمر الإمبريالية وعدائها السافر لحقوق الشعوب وخاصة شعبنا الفلسطيني وشعوبنا العربية وشعوب أفريقيا وآسيا بعد غياب الاتحاد السوفياتي العظيم الذي كان درعًا للشعوب المستضعفة في الأرض كلها.

 سيرة حياته والنتاج الأدبي والفكري والسياسي لهذا الرفيق الأديب الفذ الملتزم يذكرني بأدباء شيوعيين كبار سبقوه إلى العالم الآخر بعدما خلفوا أدبًا -شعرا ونثرًا- واقعيًا ملتزمًا بقضايا شعوبهم وبقضايا الانسانية العادلة أمثال ناظم حكمت الشيوعي التركي الكبير، والكاتب حنا مينا العربي السوري القدير، والقرغيزي السوفياتي جنكيز ايتماتوف، والبرتغالي الشيوعي الكبير سراماغو وغيرهم كثر. الأديب الملتزم الفذ محمد نفاع ترك أثرًا انسانيًا جميلاً لا يصله الموت ويعلق بأحرف من ذهب في تاريخ شعبه. أدبه وفكره النير والرفيع وهو كما الكبار من ثوار العالم باق كنبراس للطريق وقدوة لكل المخلصين والمبدعين لقضايا شعوبهم وحرياتها وحقوقها.

 بقي الراحل الكبير أمينًا لمبادئه الماركسية لتصبح جزءًا من فكره ووجوده لصالح قضايا شعبه وقضايا كل الشعوب العادلة المظلومة وشوكة حارقة في فم الإمبريالية والرأسمالية. لم يترك "السفينة الغارقة" بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وظلّ قبطانًا مقاتلاً يصارع مع سفينته الأمواج والعواصف كلها مبحرًا إلى طريق السلامة وإلى مينائه الموعود. هناك رفاق تركوا الحزب الشيوعي ورحلوا إلى "برّ الأمان". هناك أحزاب شيوعية حلّت ذاتها أو غيرت اسمها وخانت قضيتها كما الحزب الشيوعي العراقي الذي هلل واحتفل بقدوم الأمريكان المحتلين بعد أن دمروا العراق وبعد أن سقطت بغداد عاصمة الرشيد والمأمون والقلب النابض تحت أقدام الطغاة. هناك رفاق كانوا مرة اصدقاء بصقوا في صحن الاشتراكية التي علمتهم وجعلت منهم للأسف أكاديميين انتهازيين من الدرجة الأولى، واليوم بصلافة منقطعة الضمير وخيانة سافرة يقفون في المتراس الآخر ضد الحزب الشيوعي ويعادونه جهرًا وبوقاحة. ترك الأديب محمد نفاع وراءه ارثًا أدبيًا وثوريًا راقيًا وجميلاً. علّمنا هذا الرفيق الكبير أن نعرف الوطن ونحب هذا الوطن بصخوره وجباله وطيونه وزعتره وعليقه وشقائق نعمانه، وعلمنا الأهم وهو معنى الكرامة الوطنية وأهمية البقاء والتطور في وطن ليس لنا سواه.

 

**

الالتزام بالأدب بصورة عامة بدأ بالظهور في الأدب الأوربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين وخصوصًا بين الحربين الكونيتين الأولى والثانية لما جلبته من كبائر دمّرت الشّعوب وغيرت الخرائط الجيوسياسية وخلفت وراءها دمارًا اقتصاديًا واجتماعيًا جلبته على مصائر الناس.. معظم الناس الذين عبثت بهم الأقدار وشرّدتهم من وجودهم وحياتهم وتطورهم ووضعت تساؤلات كثيرة عن مصير البشرية والبشر.

على اعتبار أن الأدباء والفنانين هم قرون استشعار وطليعة متقدمة فكريًا وثقافيًا لحاضر وماضي ومستقبل الشعوب، وقعت عليهم المصائب وأغلقت عليهم الدوائر كلّها في فهم آمال وآلام اللحظة ومن ثم العمل على تغيير العالم وإعداده شرحه كل مرة من جديد ومن ثم الإشارة إلى مستقبل البشرية الموعود ومحاولة إنقاذه وتجديده أو حتى تغييره.  من الكتاب والفنانين من اعتزل في برجه العجي وكتب الفن لجماليته ولم يهتم لمصائر البشر حوله، ومنهم من نزل إلى الساحات والشوارع وكتب عن معاناة الناس وعن مشاكلهم التي حدثت أمام عيونهم وحاول بفنّه وأدبه أن يدافع عن مصائر البشر العاديين وأن يفسّر أسباب تعاستهم التي جلبتها الحروب الرأسمالية، على اعتبار أن معظم الحروب -غير الحروب الوطنية التحرّرية من نير الاستعمار الغربي الذي بدأ بعد الثورة الصناعية وتطور وسائل السفر الى البلاد البعيدة-، كانت تصنع وما زالت حتى يومنا هذا لتدافع عن مصالح فئة معينة من الناس، إنهم البرجوازيون والدول الرأسمالية الجديدة التي اغتنت من نتاج ثورة المواصلات وخاصة البحرية التي كانت الطفرة في الثورة الصناعية كما أشرنا. في القرون الوسطى كانت معظم الحروب من نتاج ومصلحة رجال الدين والكنيسة وقد دارت حروب في أوروبا امتدت إلى عشرات ومئات السنوات بسبب الخلاف بين الكاثوليكية والبروستانتية على فهم المسيحية ومن أجل السيطرة الدينية السياسية على الجماهير على اعتبار أن الدين وقف وما زال يقف إلى الطبقات الحاكمة المارقة المعادية لمصالح الشعوب. في عصر البعث الأوروبي مع ظهور الثورة الصناعية ومن ثم الرأسمالية والطبقة البرجوازية التي أدارت الحروب وما زالت إلى الآن من أجل الربح ومن ثم الربح ونقصد هنا طبقة الرأسماليين والشركات والسنديكات والكارتيلات والتروستات التي ظهرت وعبرت الدول واستغلت شعوبها وبدأت فعلاً تبحث عن الثراء على حساب سرقة ثروات الشعوب الأخرى في العالم، وطبقة الفقراء والمعذبين في الأرض. من ثم تبلورت البروليتاريا اي عمال المصانع التي بدأت تدافع عن حقوقها ووجودها أمام الطبقات البرجوازية الغنية. قويت وتنظمت مع ظهور الماركسية كفلسفة مادية جدلية تحاول تفسير العالم من نوع جديد، وجاءت لتغييره إلى الأفضل، وهذا ظهر جليًا في البيان الشيوعي الذي كتبه كارل ماركس وفريدريك انجلز والذي غير الفلسفة كلها وحركة التاريخ فعلاً وليس قولاً.

كل ما نراه اليوم من أمر طبيعي وعادي لم يكن قبل ظهور الماركسية وكتاب ماركس الأكبر "رأس المال" الذي خلق فلسفة من نوع جديد تميل إلى العمال والفقراء مثال على التغيير الذي حصل مع ظهور الماركسية وبعجالة في هذا المقام هو تحديد يوم العمل بثماني ساعات، ومنع استغلال الأطفال في العمل، ومساواة المرأة بالرجل من حيث الأجور وظروف العمل، وحقوق العمال بالمرضية والنقاهة ومنع استغلالهم بعد أن تأسست النقابات العمالية الضخمة والقوية التي وقفت مع حقوق العمال. كما ظهر أوّل أيّار في ولاية شيكاغو الأمريكية عام 1886 ضد الرأسمال وضد الطبقة المستغلة اي البرجوازية الغنية التي امتلكت وسائل الانتاج كلها. نعم ما نعيشه اليوم من رفاهية وان كانت ليست مطلقة هي نتاج مبكر للفكر الماركسي الثوري ومن هذا المنطلق علينا أن ننظر ونحلل هذا الفكر وليس من نتاج سقوط التجربة الاشتراكية الأولى في الاتحاد السوفياتي لظروف يطول شرحها، وما من مجال في هذا المقال نحدده حول هذه التجربة الانسانية الكبيرة والثورية بسطور وبكلمات محدودة.

الفكر الغربي الرأسمالي وعلى رأسهم الفيلسوف سارتر الفرنسي الوجودي حاول خلق نظريته "الوجودية" كحل عادل للبشرية بين الحرية والعدل. قصد في هذا أن حكم العدل هي الشيوعية التي تمتلك وسائل الانتاج وتوزع هذا الانتاج على الناس أجمعين بصورة عادلة والحرية هنا المقصود بها الحرية المطلقة أي أن تسود المجتمعات حرية مطلقة بما فيها حرية الأفراد ومن ثم الصراع على العيش بين الغني والفقير كما عرفته الانسانية في بداية تبلورها. سقطت الوجودية لأنها لم تكن واقعية، واستمرت الرأسمالية التي وصلت أعلى مرحلة من التوحش أي الإمبريالية، واقترب دورها التاريخي من نهايته بعد أن تطورت الشعوب القوية التي امتلكت كل التقنيات الحاصلة وحتى الجيل الخامس منها وبدأت تهدد فعلاً سيطرة الغرب الولايات المتحدة اقتصاديًا وعسكريًا على العالم وخاصة الصين الشعبية. الماركسية هي النظرية الفلسفية القابلة والقادرة على التغيير وخلق مجتمع العدالة الاجتماعية التي تصبو لها الانسانية منذ المرحلة الاقطاعية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين