فقد الأدب العربي والحركة الوطنية والثورية والقوى التقدمية اليهوديّة، وفقدت شخصيًا رفيقي وصديقي، القاص والروائي والقائد المكافح محمد نفّاع، ابن بيت جن البار، وابن الحزب الشيوعي المغوار، وابن الجبهة الجبّار، وابن الشعب العربي الفلسطيني بدون غبار، وابن العلاقات العربية اليهودية القائمة على الندية والاحترام المتبادل والسّلام العادل، سلام الشعوب بحقّ الشعوب والذي لا يُشَقُّ له غبار.
لم يكن الخامس عشر من تموز 2021م يومًا سهلاً عندما نعى النّاعي خبر وفاة هذا الرجل.. الرجل.. وبدأنا نتحقق من صحة الخبر... خاصّة وأن أمثالي كانوا يرسلون له السلامات والتحيات بشتى الطرق.. وكنت شخصيًا.. ابلغ نجله وبكره رفيقي الأديب والشاعر هشام نفّاع التحيات للوالد والوالدة عبر الهاتف وكان يطمئنني ويؤكد إيصال السلامات، ولكنني لم أتصور كالكثيرين أمثالي أن يد القدر وأن المرض قد أخذ منه مأخذًا لدرجة عدم استطاعته مقاومته، بل التسبب بوفاته.
محمد نفاع في حياته كان متفائلاً أبديًا لم تكسره الهزائم - ووضع العرب ... الذي قد يسبب اليأس للكثيرين -، بل بنظرته الثورية الثاقبة كان يعرف أن المستقبل للشعوب العربية وأن المستقبل لشعوب العالم وليس للحكام الرجعيين ولا للدجالين.
محمد نفّاع الأديب المثابر قرّر أنه صديق للقصة والرواية فأبدع بهما أشد وأكثر الإبداع ... ودرست قصصه في الجامعات ومدارسنا الثانوية وترجمت إلى لغات شتى.
في حياته السياسية الغنية انتخب أمينًا عامًّا للشبيبة الشيوعية، وأمينًا عامًا للحزب الشيوعي في أحلك الظروف (وقد كتبت مقالاً بعد انهائه عمله كأمين عام نشرته الاتحاد مثمنًا هذه الفترة الصعبة من حياة الحزب والتي وقف بها منافحًا عن الحزب بشكل يثير الاحترام والتقدير ويدلّ على المسؤولية التاريخية له في هذه الحقبة)، ومحررًا مسؤولاً لجريدة الاتحاد الغراء، جريدة شعبنا الباقية في حيفا كما بقينا كل واحد في قريته رغم الحكم العسكري ومحاولات الترحيل الباقية بشتى الطرق حتّى الآن.
أذكره في حياتنا الحزبية رفيقًا متواضعًا ولكنَّه يصغي لكل كلمة تقال حوله، وعندما وقفت في أحد المؤتمرات الحزبيّة أقول قولة خالد محيي الدين "إن الأحزاب الشيوعية مدارس للنضال وليست للكفر والالحاد كما يقول أعداؤها" وقف أبو هشام في المؤتمر يؤكد نظرية الحزب الماركسية اللينينية، فقلت له مباشرة بعد أن نزل عن منصة المؤتمر: لا أقصد ان يتحول الحزب إلى حزب ديني وأنت تعرف جيدًا موقفي من الأحزاب الدينية ولكن القضية المركزية اليوم هي النضال الطبقي والقومي والوطني، فقال أنا أفهمك ولكن في مثل هذه الحالات يجب تأكيد العمود الفقري للحزب تأكيد نظريته، احترمته جدًّا وتابعنا الاحترام المتبادل.
كُنّا أكثر من مرة على موعد معه أنا ورفاقي جهاد عقل وغازي قاسم ومصطفى وشاحي ولكنَّ ظرفا ما من طرفنا أحيانًا ومن طرفه أحيانًا أخرى يمنعنا من زيارته في بيته في بيت جن، حتى كانت زيارتنا الأخيرة في وداعه الأخير.. حزنًا عليه وتقديرا لدوره.
أذكره وهو معنا مع الأدباء يزور المدارس ويتحدث للطلاب كمعلّم متمكّن وأديب أريب، وأذكره يوم اتفقنا أن أستضيفه في صفحات ضيف العدد في مجلة الإصلاح، اتفقنا أن نلتقي في مكاتب الاتحاد وبتواضع وبرغبة وثناء أجاب على الأسئلة التي نشرناها في المجلة، كان بسيطًا بساطة فلاحينا، حكيمًا حكمة هذا الشعب، تحبه لكل هذا للتواضع، للحكمة، للارتباط بالشعب والوطن والحزب الثوري.
ولد الأديب محمد نفّاع في الرابع عشر من أيّار (مايو)1940 في بلدة بيت جن في الجليل الأعلى لوالدين عملا في فلاحة الأرض وربما كان هذا عاملاً أساسيًا في معرفة محمد نفّاع لأنواع النباتات المختلفة في فلسطين وكذلك مواسم الفلاحة، تعلّم في مدارس القرية الابتدائية ومن ثم انتقل ليتابع تعليمه الثانوي في بلدة الرامة المجاورة درس في الجامعة العبرية في القدس سنتين موضوع اللغة العربية وتاريخ الشرق الأوسط، ولكنه لم يكمل انجاز الشهادة الأولى بسبب الأوضاع الماديّة الصعبة لأسرته، وخرج إلى سوق العمل. وعمل فترة قصيرة جدًّا في التعليم واشتغل بالأعمال الزراعية منها قطف الحمضيّات في منطقة المركز كما كان يحدثنا هو بنفسه، تعرف على الشيوعيين وأفكارهم من خلال نفي الشيوعيين من المثلث إلى بيت جن كعقاب لهم على نشاطهم السياسي ومنهم (محمود حسين حصري اغبارية (أبو العفو)، وعثمان أبو راس وعبد الحميد أبو عيطة) وغيرهم، وكان يذكر هذه الفترة بشكل دائم ليتحدث عن الترابط بين أبناء الشعب الواحد والتأثير الإيجابي بين أبناء شعبنا من شتى الطوائف.
كتب بشكل دائم ومثابر في مجلة الشبيبة الشيوعيّة المحتجبة "الغد" وفي جريدة الحزب المركزية الاتحاد التي أصبح في قابل الأيام محررها المسؤول حتّى وفاتهِ، وكتب كذلك في مجلة الجديد الأدبية الثقافية بينها قصته بعنوان "لكل لحظة قصة"، نشرت في العدد السابع الصادر في عام 1968م ص23-25، وقد ترجمت قصصه إلى عدة لغات بينها العبرية الانجليزية والفرنسية، والروسية، والاسبانية، والألمانية. من أعماله: العودة إلى الأرض – قصص قصيرة 1964م، الأصيلة -قصص قصيرة، إصدار دار عربسك عام 1976م، وديّة – إصدار دار الأسوار – عكّا - 1976م، ريح الشَّمال – إصدار دار الأسوار – عكّا- 1979م، كوشان (قصص قصيرة)، إصدار دار الأسوار عكّا -1980، الذئاب – قصص قصيرة، إصدار دار الأسوار عكّا -عام 1986م، ورواية مرج الغزلان- دار الاسوار عكا 1982م، أنفاس الجليل 1998م، التفاحة النهريّة 2011م، ورواية فاطمة، وغيرها مما لم يصدر بعضها في كتب وطبعًا له كتابات مختلفة لم تجمع بعد.
تتصف كتابات محمد نفاع بأنها تحمل لغة بسيطة قريبة من روح الشعب والقرية بشكل عام ولغتها ولهجتها، فيها الكثير من وصف المكان بتفاصيله ومعتقداته وعاداته وتقاليده وخاصّة قريته بيت جن التي لم يغادرها ولم تغادره. ويعتبر محمد نفّاع عاشقًا صوفيًا للأرض، فقصصه الكثيرة تتمحور حول هذا الموضوع، ونفّاع استطاع أن يصف وصفًا دقيقًا لكل منطقة من مناطق الجليل وخاصة بلده، واعتبره البعض يصف كل ذرة من ذرات التراب، ولغته كما أسلفنا موسومة بالبساطة والمحلية تنساب انسيابًا في القصة أو الرواية، فهي لغة الشعب البسيط الذي أنجب محمد نفّاع هذا الكاتب الذي يردد في أدبه الكثير من الأمثال الشعبية الفلسطينية التي حفظها عن ظهر قلب، كما أنه يذكر في قصصه الأدوات المادية مثل الأدوات المنزلية وأدوات الزراعة وخاصّة التراثية منها.
كان محمد نفّاع قائدًا وأديبًا ثوريًّا متفائلاً، ويحمل في قصصه أبعادًا إنسانية عالية المستوى الأخلاقي والأدبي، يقف مع المسحوقين والفلاحين الفقراء ومع العمال والمستضعفين في الأرض ويدافع عنهم، وبسبب وعيه الطبقي والفكري كان يركز في أدبه على الصراع بين الفلاح والسلطة الظالمة له، ولكنه في قصصه متفائلا ويدعو إلى التحدّي ومقاومة الظلم والصمود في وجه الظالم لأن المعركة النهائية هي نصر العمال والفلاحين والفقراء المسحوقين، وهذا نابع من فكره ونظريته الطبقية والأممية التي آمن بها حتى النخاع وكان أدبه بعيدًا عن أدب الشعارات بل من واقع الحياة وانعكاسًا لها وكان موقفه الفكري يجري بانسياب.
كما تناول المرأة في أدبه المرأة، الفتاة، الزوجة، الأم، وتحتل قضية المرأة مساحة واسعة في أدبه، وخاصة انعكاس حياة المرأة الفلاحة في أدبه، كما تناول قضايا التعصب العائلي والطائفي ومواضيع مجتمعية مختلفة من منطلقات فكرية متقدمة.
"الإصلاح" التي تعرف عليها كاتبنا وفقيدنا نعته في موقعها بالفيس بوك وشارك مجموعة من أعضاء هيئة تحريرها بالجنازة في بيت جن وفي تقديم العزاء، تتقدم مرة أخرى بأحر التعازي لنجله الشاعر والأديب والمحرّر في جريدة الاتحاد الرفيق هشام نفّاع وإخوانه، ولزوجته أختنا ورفيقتنا نايفة نفاع أم هشام التي كانت السند الدائم له ولمسيرته، ولجميع آل نفاع ولعموم أهالي بيت جن ولحزبه الشيوعي ولأعضاء هيئة تحرير الاتحاد، ولجميع أبناء شعبنا والقوى الديمقراطيّة اليهودية بأحر التعازي القلبية متمنية للجميع الصبر وتخليده بما يليق به.
(عرعرة - المثلث).
.png)


.png)

.png)






.png)

