ما نراه اليوم من تحركات ومبادرات من قبل القائمة العربيّة الموحدة (الحركة الإسلاميّة)، والتي تندرج جميعها تحت عنوان "نرغب باستغلال الظرف السياسي المأزوم القائم لنحقق انجازًا عينيًا سريعا، مما يدفعها إلى السعي بكل الجهود والثمن لعقد مع اليمين الاسرائيلي، وحتى مع الحاخامات أمثال "دروكمان" واشباهه، الذي طالما صرّح بشكل واضح ما يفكر فيه مشيرًا "أنه لا يمكن أن نسمح بتشكيل حكومة- اية حكومة- في دولة اليهود بأصوات العرب"!، والإمعان في هذه المحاولات، لعقد صفقه مع هذه القوى، القائمة اصلا وتستمد شرعيتها من الحفاظ على طهارة الدولة اليهودية، ما هو إلا ضرب من ضروب العبثية في العمل السياسي! ولن اقول ضرب من ضروب "الخيانة"، لأنني اريد انّ اوفر مساحة لحسن الظن.
انها حقا عبثية! التصميم والمثابرة لعقد صفقة مع هذه القوى ما هو إلا مضيعة للوقت، وما هو إلا وسيلة لإبقاء القائمة الموحدة في العناوين، مرة من خلال لقاء حاخامات المستوطنين، وتارة أخرى من خلال لقاءات مع نفتالي بينيت ومرة بإطلاق نداء لـ "بتسلئيل سموطريش" للقبول بدعم القائمة الموحدة مقابل حصوله على منصب وزير.
انها حقا عبثية! التصميم على الاستمرار في تطبيق المثل القائل "بوس الكلب من ثمة حتى توخذ حاجتك منه" ما هو إلا محاولة للامعان في التجمل اكثر واكثر لعل "الكلب" يرضى عنا. ولكن الواقع يثبت ما قلنا منذ شهور "الكلب جربان وموبوء بالعنصرية"، لن يقبل أن "نبوسه"، وبالتأكيد لن يقبل تجملنا.
نتذكر في السياق، تصريحات سموطريش والتي قال فيها أنّ "العرب حاليًا ومؤقتًا هم مواطنين، وأنهم مؤقتًا اعضاء كنيست، ولكن هذا لا يمنحهم الحق أن يقرروا في شكل وتركيبة الحكومة"، كما وتصريحات دروكمان القائل فيها "أنّ الحكومة في دولة اليهود لا يمكن أن تعتمد على أصوات عربية"، هذه التصريحات تؤكد بشكل لا يقبل التأويل مدى استفحال العنصرية عند "حلفاء" مُحتملين.
انها حقا عبثية! لو فرضنا جدلا، انّ القائمة الموحدة من خلال لعبها العبثي هذا استطاعت، في ظل أزمة حكم اليمين، ان تتوصل إلى معادلة ما لتحقيق مكسب ما للجماهير العربية، وهللنا وفرحنا بهذا الإنجاز، الذي قد يأتي بصيغة تعبيد شوارع، بناء ملاعب، زيادة عدد المؤسسات وما إلى ذلك، وحتى أنني سأذهب أكثر من ذلك وأفرض جدلا أنّ هذا "النهج" نجح في نزع اعتراف بثلاث أو اربع قرى في النقب الصامد، اليس من واجبنا أنّ نسأل ماذا بعد ذلك؟ اليس من واجبنا ان نسأل كيف لنا أنّ نربط مستقبلنا كمجتمع اصلاني وأقلية فلسطينية في إسرائيل في أزمات حكم هنا وهناك لنبتز حقوقنا؟! *اين توجد اقلية أخرى، بكل العالم، قررت لنفسها أنّ استراتيجية العمل أمام مجتمع الأغلبية ترتكز على التكتيك "سأنتظركم في الزاوية، في كل مره ستنشأ أزمة، سوف أبتز منكم حقا من حقوقي"!*.
اليس من حقنا ان نسأل، حتى وإن استطعنا انّ نعقد صفقة مع مثل هذه القوى المعادية، ونجحنا أنّ نبتزها مرة، هل من غير المعقول الا تبدأ هذه القوى بالتفكير وبذل كل الجهود للتوحد أمام "الابتزاز القادم"؟! هل من المعقول أنّ نفرض أنّ هذه القوى ساذجة وستبقى على حالها حتى الابتزاز القادم؟!.
انها حقا عبثية تقود مجتمعنا إلى العدميّة، انها نهج العبث بمستقبلنا جميعًا، مستقبل هذه الأقلية، أنها التلاعب بغير حق بالثوابت، المكفولة لنا كمجتمع اصلاني صاحب المكان. حتى لو أنّ هذا النجح حقق بعض الإنجازات والمكاسب السريعة، إلا أنها هذه المكاسب ستكون القاعدة التي تم تأسيسها لضياع البوصلة الوطنية، وويل لأقلية، تعيش في كيان، مبني على بالأساس على العنصرية – الفوقية اليهودية والأيدلوجية الصهيونية- تضيع بوصلتها! وويل لأقلية استسلمت لقواعد اللعبة التي تفرضها عليها المؤسسة او مجتمع الأغلبية، لأنها ستجد نفسها سريعا مفتتة، مشرذمة، تغيب عنها ثقافة المجموع، ثقافة المشروع الجمعي، تغيب عنها ثقافة رفض قوانين اللعبة وفرض قوانين أخرى مختلفة تؤمن تغيير المكانة القانونية، المجتمعية والاقتصادية. *ويل لأقلية قومية، تبدأ بتأسيس ثقافة اصطياد الفرص لتفرض لها مكانا في ميزانية الدولة عبر خطة كهذه او كتلك وتكف عن تبني ثقافة فرض المكانة القانونية، المجتمعية والاقتصادية في منهجية المؤسسة الحاكمة*.
محاولات القائمة الموحدة الحالية التي تتبنى التأسيس لثقافة اصطياد الفرص لتأمين مكانا عينيا في لجنة او في خطة حكومية او تحقيق مكسب، هي الطريق القصير الذي سيفضي سريعًا إلى تأصيل ثقافة الفردانية، وتحويل كل مجموعة منا، او سلطة محلية او حزبًا سياسيًا او حتى مواطنًا عاديًا، لفرد يفتش على طريقه في دهاليز المؤسسة لعقد الصفقات لتحقيق "الهدف النبيل"- مصلحته الشخصية، مصلحة البلدية او المدينة او المجموعة او الحزب.
*اذًا، لماذا نحن في السياسية الإسرائيلية؟!*
نحن في السياسة الإسرائيلية لتغيير قوانين اللعبة!
نحن في السياسة الإسرائيلية كي نفرض مكانة وليس مكانًا!
نحن في السياسة الإسرائيلية لنرفض الحد الذي يفرضه أحدهم علينا ونقرر نحن حدود حيزنا.
نلعب في الحلبة السياسية الإسرائيلية إلا أننا نرفض أن يأتي أحدهم يقول لنا "خذوا الطابة والعبوا في تلك الزاوية، وسوف امدكم مرة وأخرى ببعض الاحتياجات كي تبقون على قيد الحياة وتستمروا باللعب"!.
نحن في الحلبة السياسية لنلعب على أرضية الملعب المركزية، لنفرض المكانة السياسية، المكانة المجتمعية، والمكانة الاقتصادية.
نحن نريد اللعب في الملعب المركزي لأننا أصحاب مقولة في قوانين اللعبة كلها، لنا ما نقوله حول هامش الديمقراطية الإسرائيلية، ليس فقط لأننا مواطنين، بالأساس لأننا نحن الضحية المباشرة لتقليص الديمقراطية.
نحن نريد اللعب في الملعب المركزي لأنه لنا ما نقوله حول من يفكر في السيطرة على وزارة القضاء ليؤّمٍن يهودية الدولة، من خلال تعيين قضاه محافظين، ليس لأننا مواطنين، بل لأنه من الطبيعي أن نكون شركاء، فنحن الضحية المباشرة الأولى لسقوط وزارة القضاء في أيادي المحافظين الذين ينتمون لمدرسة دروكمان.
نحن نريد اللعب في الملعب المركزي لنفرض مكانة قانونية، ونسقط السقف الزجاجي الذي يكرس دونيتنا.
نحن نريد اللعب في الملعب المركزي لنفرض موقفًا يؤدي إلى *انهاء الاحتلال*، وليس فقط لأنه حقنا الوطني والإنساني ان نقف مع ابناء شعبنا، بل لأننا نحن الضحية المباشرة الثانية لهذا الاحتلال اللعين. فلن تتغير مكانتنا القانونية في هذه الدولة في ظل استمرار هذا الاحتلال، ولن تتضاءل عقلية العنصرية والفوقية العرقية اليهودية طالما بقي هذا الاحتلال اللعين، ولن تتضاءل ذهنية الاحتلال في المجتمع الإسرائيلي طالما بقي على حاله، هذه الذهنية التي تجعل الشرطي في ام الفحم يتعامل مع المتظاهر بالقمع وبدافع أمنية لا مدنية، هذه الذهنية التي ستبقى مؤسسات التخطيط في الدولة يتعاملون مع الأراضي في محيط قرانا ومدننا كمورد أمني واحتياط لتامين يهودية الدولة، هذه الذهنية التي تجعل من يقرر في دهاليز المؤسسة الإسرائيلية ان يبقي على لهيب الجريمة مشتعلا بين ظهرانينا، وان يحافظ على شغلته تحت السيطرة، لا تخبو كليا ولا تشتعل كليا، هذه الذهنية التي تجعل تطورنا الاقتصادي محدودًا ومحكوما لسقف زجاجي يؤمن بقاءنا فوق سطح الماء ويفي في عرض صورة إسرائيل الجميلة أمام منظمة التعاون الأوروبية الـ OECD من جهة، ومن جهة أخرى يحصر مكانتنا الاقتصادية ليبقينا رعايا وليس مواطنين كاملي الحقوق.
*ما العمل؟!*
بين الاستسلام لقوانين اللعبة التي تفرضها المؤسسة الإسرائيلية وبين النضال لتغيرها هو عنوان ملحمة بقاء هذه الأقلية.
عندما نطرح ما جاء أعلاه من رغبتنا بدون تأتأة، اننا نريد أنّ نكون في مركز الملعب لتغيير السياسات وتأمين المكانة ونبدأ بمارثون بناء الشراكات مع متضرري مجتمع الأغلبية بسبب تراجع الديمقراطية، ومع هؤلاء اللذين يخافون انّ تتحقق رغبة من اراد الوصول إلى المحكمة العليا بـ D 9. مع أولئك المتضررين من استمرار الاحتلال واسقاطاته، اقتصاديًا واجتماعيًا. مع أولئك الذين يخافون ان تتحقق رغبة أحدهم الذي يريد أن تحكم إسرائيل بالشريعة اليهودية.
مع أولئك المتضررين من سياسيات اليمين الاقتصادية والمتحالفة مع اباطرة المال فبدل فرض الضرائب على الشركات الكبيرة تفرضها على المواطن البسيط، عندها ستنقلب الصورة، فبدلا انّ يذهب من بيننا أحدهم ليتجمل أمام المستوطنين، حاملي الفكر العنصري أساس البلاء، لنستجدي الميزانيات مقايضة بالحقوق، سنجد من يقف أمام ابوابنا، حتى وإن طال الزمان، سنصل إلى هذه المرحلة والتي حينها ننجح بتغيير السياسات وشأن الميزانيات سيبقى تحصيل حاصل.
*حقيقية أم هذيان؟!*
انه ليس حلمًا وليس هذيانًا. المشهد السياسي المأزوم والذي سبب ازمته هو اسره منذ أكثر من 15 عامًا في ايدي اليمين الفاشي الاستيطاني يؤكد أن مشهد استجداء دعمنا ما هو إلا مسألة وقت، تتعلق في تنظيمنا كمجموع والتأكيد على استراتيجية تغيير المكانة والسياسيات ومراكمة القوة فوق القوة، وفتح مساحات التواصل مع شرائح عديدة من أبناء مجتمع الأغلبية وحتى احيانا من فوق رؤوس قيادات الاحزاب القائمة لأنها في اغلبها ما زالت محكومة لذهنيات التقليدية.
حتى تسنح الفرصة علينا أن نراكم المواقف السياسية والبرلمانية التي تقصر عمر اليمين الفاشي، هذا اليمين الذي يعبر كل يوم عن صور فاشيته، منها رفضه حتى التعامل مع ضحيته والترفع عنها بعنصرية واستعلائية، تلك الضحية التي تأتي إليه معلنة الولاء لجعله وزيرًا أو حاكمًا فيقف في مشهد يفشل أنجح مخرجي السينما على إخراجه وهو يرفص استجداء ضحيته ليعلن أمامها- ارفض أن استمد شرعية حكمي منك انت! ولسان حاله يقول كيف استمد شرعيتي حكمي منك وانا السيد وانت الرعية، كيف استمد شرعية حكمي منك وانا صاحب الأرض والدولة.



.png)

.png)






.png)
