الحياة بدها تستمر| عبد الخالق أسدي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في صباح كلّ يوم، كنت أنهض مبكرًا لأمارس الرياضة كعادتي وتوقفت لأكثر من شهرين لوفاة زوجتي رحمها الله ودخولي ثلاثة مستشفيات مع أربع عمليات قسطرة الرابعة أخطرهم. اعتدت على المشي في الهواء الطلق مستعيذا بصحتي وعافيتي حسب طاقتي وامكانياتي. أروض الجسد أولاً وأبعث فيه النشاط مع النسمات العطرة والطقس الجميل وأعود للبيت لأشرب قهوة الصباح لوحدي بعد أن تعودت شربها مع زوجتي وأتبادل وإياها قراءة جريدة الاتحاد ولكن الوضع اليوم غير الذي تعودت عليه.. أشربها لوحدي بعد أن فقدت أغلى ما عندي زوجتي الغالية التي كنت أجلس معها يوميًا في الصباح منذ عشرين سنة بعد خروجي للتقاعد من سلك التربية والتعليم الذي قضيت فيه 38 عامًا.

 

مع إيماني المطلق بالقضاء والقدر وأن ابن آدم مهما طالت سلامته يومًا على الة حدباء محمول، إلا أن الفراق صعب والرحيل المفاجئ أصعب وكل ميت عزيز على أهله مهما كان جيله وعمره ووضعه الصحي وفراق الزوجة خسارة لا تعوض ولا أحد يسد فراغها مع  حبي واحترامي لابني وبناتي الذين لم يتركونني لوحدي ويقومون بواجبهم على اكمل وجه، ولكن الزوجة هي الزوجة شريكة الحياة ورفيقة الدرب على امتداد عشرات السنين كيف يريدونني أن انساها بسرعة  (كيف أنساها وقلبي لم يزل يسكن جنبي انها قصة حبي)  وهي الأم، هي الجدة، هي الخالة، هي العمة، هي الحب والعطف والحنان، هي المعلمة الأولى والمربية الأولى، هي المدرسة الأولى والبيت والحياة، الأم هي الدنيا والدنيا هي أم، وهي  الزوجة ثم الزوجة ثم الزوجة، والشطر الذي يكمل الزوج وبدونها لا طعم للحياة، وأشعر اليوم بالنقص والفراغ الذي تركته زوجتي في البيت، فكيفما أدور في البيت ألاقي اشياءها واتخيلها تمشي في البيت واسمع همس صوتها ومن الصعب النسيان بسرعة مع أنني أقاسي أمر العذاب وبدون حساب.

 انا أعرف أن كل شيء يكبر الا المصيبة فهي تصغر كل يوم ومع الأيام تخف لوعة الفراق والأحزان ولكن النسيان صعب وفي الذاكرة يبقى العنوان.  هناك اصطلاح يتداوله الناس بعد وفاة أي انسان يقولون "الحياة بدها تستمر" وقالها أكثر من شخص لي حتى بعد مرور شهر أو أكثر على وفاة زوجتي ويطالبونني بالاشتراك بالأعراس وألا أبين ما يشتعل بداخلي من آلام وأحزان على فقدان أغلى ما املك.  أصبحت لا اطيق هذا الاصطلاح ولا المتحدثين به ولا أرضى أن يساومني أحد على أحاسيسي ومشاعري المتأججة في داخلي لأن الوجع لا يوجع الا صاحبه وانا لست من الذين يرغبون الحداد او يبالغون في تعظيم المصائب لكن الوقت كفيل بتخفيف المصائب وان الإحساس بالحزن ولوعة الفراق والموت المفاجئ لا يذهب بسرعة ومن يدعي بالمثاليات ليقس الامر على نفسه ويتصرف بما يدعي من نصائح في غير محلها. لا اقبل المساومة على مشاعري واحاسيسي التي تختلج في نفسي ولست سجين حزني والآمي ولست ضعيفًا بقولي هذا عن زوجتي ولا أبالغ في إظهار احاسيسي ومشاعري نحوها بل اتصرف بشكل طبيعي مقبول يليق بي ويليق بفقيدتي في ثراها وليس من المعقول ان أشارك بالأفراح والأعراس بهذه السهولة لأنني لا أتحمل ذلك وكفى.                                                          

إن الأيام كفيلة أن تخفف عني الألم وتسكن الأحزان ولكن من الصعب عليّ النسيان وستبقى زوجتي في ذاكرتي إلى آخر العمر والزمان والرحمة عليها عندي عنوان اتابعه في كل آن وأوان.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين