الكورونا بين الأخلاق الرأسمالية والاشتراكية| مفيد صيداوي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

منذ أقدم العصور والأخلاق ليست واحدة، فقد عالج هذا الموضوع الأنبياء والفلاسفة والمفكرون  في كافة العصور، واليوم يوجد ما نسميه في عصرنا علم الأخلاق، فقد قال الرسول محمد (ص)، "جئت لأتمم مكارم الأخلاق" فهو بذلك يعبر عن أهمية الأخلاق لدى الشعوب ومن ناحية ثانية يريد أن يتمم الأخلاق الكريمة، وليس الأخلاق الرديئة. والمجتمعات كافة لديها معايير للأخلاق فالشعب الفلسطيني لديه أخلاق متفق عليها حتى بدون كتابة فمثلا الفزعة للضعيف تعتبر أخلاقا إيجابية، والوقوف في وجه سلطان ظالم كذلك عمل إيجابي، بينما التشفي بمريض أيا كان حتى لو كان عدوا يعتبر أخلاقا رديئة. وهكذا وقد حاولت اللجوء إلى مصدر من المصادر الفلسفية التي تتحدث عن الأخلاق فوجدت ضالتي في كتاب "معجم علم الأخلاق" الذي يقول:" الأخلاق موضوع دراسة" الإيطيقا" وشكل من الوعي الاجتماعي، ومؤسسة اجتماعية تقوم بمهمة ضبط وتنظيم سلوك الناس. ففي أي مجتمع تنسق أعمال عدد غفير من الناس في نشاط اجتماعي، وتخضع على تنوعها، لقوانين اجتماعية معينة، وتأتي الأخلاق لتقوم بوظيفة التنسيق هذه"(1).

ويتابع: "وفي المجتمع الطبقي تكون الأخلاق طبقية الطابع، وتقوم الأخلاق المسيطرة بوظيفة حماية مصالح الطبقة الحاكمة، في حين أن الطبقة المُستَغّلَّة (بفتح العين – م. ص)، تبعا لمدى إدراكها لجور العلاقات القائمة وخوضها النضال ضدها، تصوغ أخلاقها الثوريّة المناهضة لتلك الأخلاق المفروضة عليها"(2). وعند استبدال أشكال الأخلاق بأخرى متقدمة أكثر" تتعاظم درجة الإنسانية في العلاقات بين الناس" (3) ... و"لمبدأ المساواة نفسه معنى أوسع فأوسع"(4).

ومن هنا نذهب إلى جائحة "الكورونا" التي تعذب البشرية في هذه الأيام. وقد ظهر الفيروس أول ما ظهر وأول ما اكتشف في "يوهان" في الصين، وفي نظري أن القيادة الصينية حسب كل التقارير بما فيها الغربية سلكت سلوكا مسؤولا نحو الشعب الصيني ونحو شعوب العالم في الكشف عن المرض والتحذير منه، وأن لا دواء مؤكد للمرض، وفي المواجهة لجأت إلى التاريخ الصيني العظيم وإلى تاريخ الشعوب قاطبة فوجدت أن الحجر الصحي لمثل هذه الأوباء هو الأفضل، وهكذا سلكت وبمسؤولية ونشرت عن ذلك. وفي نفس الوقت لجأت للاستفادة من العلم والتكنولوجيا الحديثة وكذلك من أسلوب نظام الحكم في إدارة الدولة التي وصلت إليها الصين في العصر الحديث، فخلال أسبوعين مثلا أقامت مستشفى واسعا لاستقبال المرضى في حالة تفاقم المرض، هذا بالإضافة إلى تجهيز المستشفيات القائمة في كل الصين، وتعزيز البحث العلمي في مجال التعرف على المرض ومحاولات إيجاد مصل لهذا الوباء. وحسب التَّقارير  من وكالات الأنباء فالصين تشارك علماء الولايات المتحدة والعالم كما صرح كذلك سفير الصين في لبنان في مقابلة شاملة مع "الميادين" الفضائية.

ونسأل السؤال الأخلاقي كيف قابل ذلك العالم "الحر" وبالذات زعيم الولايات المتحدة "دونالد ترامب"؟ قابل ذلك بالتحريض الأرعن على الصين فبدلا من النهوض لمساعدة الصين في بداية الأزمة بدأ بالتشفي وتسمية الفيروس بالفيروس الصيني وهذا ممنوع دوليا وأخلاقيا، والصين بهدوء من يسند ظهره لتاريخ عظيم ولنظرية حكم إنسانية أخلاقية تتواصل مع المنظمة الدُّوليّة للصحة وتعطي الأخيرة أسم الوباء والفيروس بالاستناد للعلم وأخلاق العلم اسم "كورونا فيروس كوبيد 19". يفشل ترامب في مهمته ويصمت، وبعد مدة وتحت ضغط العلماء في الولايات المتحدة وليس ترامب الحاكم، تقوم الولايات المتحدة باستشعار المرض ووجود "الكورونا"عندها، وكذلك الدول الأوروبية اسبانيا وفرنسا  وإيطاليا وبريطانيا وكلها دول حليفة للولايات المتحدة ، وبينها اتفاقيات تحالف ضمن حلف شمال الأطلسي. وبدلا من التعاون تذهب بهدي الأخلاق الرأسمالية إلى مسارين كلاهما أثبت خطأهُ:

الأول: البحث عن طرق أخرى لمعالجة المسار رغم أن النتائج بدأت تظهر مبكرة بصحة النهج الصيني، وذلك بالأساس استكبار أخلاقي واستعلاء لا مكان له في ظل المصيبة التي تحدث في العالم، لئلا تقلد الدولة الأقوى في العالم، الصين الاشتراكية، وكذلك لأن هذه الدُّول وبتفاوت تقدس المال أكثر مما تحترم الانسان وخاصة الشعوب والطبقات الفقيرة المهمشة ومن ليس لهم مأوى، ففشلت وخاصة الولايات المتحدة بقيادة ترامب. والحقائق كما أوردتها جريدة "هارتس" غير المنحازة للصين بالمرة هي كما يلي:

المصابون بـ "الكورونا" في العالم : 3019946 مصابا بالفيروس ، بينهم 208490 ماتوا بالمرض، وفي الولايات المتحدة التي اعترفت بالمرض بعد الصين واتخذت نهجا آخر في علاجه فقد بلغ عدد المصابين 988527 نسمة، وعدد الضحايا  55562نسمة، بينما في الصين فقد بلغت الإصابات 82830 وبلغ عدد الضحايا 4633 في بلد يتجاوز عدد سكانه المليار نسمة (5). وفي حين بدأ الناس يعودون إلى العمل وخاصة في "يوهان" المكان الذي اكتشف فيه المرض، تقوم الولايات المتحدة وفي نيويورك نفسها بإقامة المدافن الجماعية لضحايا "الكورونا".  وتقوم الولايات المتحدة بإعلان قرارها بعدم دفع حصتها لمنظمة الصحة العالمية بالذات في هذه الظروف الصعبة التي يحتاج العالم لدفع هذه المنظمة للأمام.

     في المقابل وخلال هذه المدة تقوم الصين بعمل أخلاقي عالمي ينبثق من نظريتها الاشتراكية الإنسانية، وباعتراف قادة حتى من العالم "الحر" مثل الرئيس الإيطالي الذي حيا الصين وكوبا على مساعدتهما لإيطاليا في حين تخلى عنه زملاؤه في حلف شمال الأطلسي، ولم تقتصر المساعدات على إيطاليا بل تعدتها إلى اسبانيا والى المغرب العربي ومصر والسعودية وفلسطين وسوريا ولبنان واليمن وغيرها، وشجعت الجهود المحلية في هذه الدول لمكافحة المرض والتغلب عليه ومن المواد الطبية والواقية بما في ذلك "كمامات أشعة تحت الحمراء ، ونظارات وأغطية للأحذية الطبية والأدوية المساعدة "(6).

   من جهة أخرى بدأ العقلاء في العالم بالاعتراف والتأكيد على صحة الأسلوب الصيني في معالجة المرض وبينهم السلطة الفلسطينية  التي عقدت وزارة الصحة فيها اجتماعا ومؤتمرا صحافيا في رام الله قالوا فيه: "إن التجربة الصينية في مواجهة الفيروس قامت على العزل ، التباعد الاجتماعي ، والبقاء في البيوت، والالتزام في المنازل إلا عند الضرورة القصوى حفاظا على حياتهم"(7)، ولذا تبنت السلطة الأسلوب الصيني في العزل وإلى حد بعيد إسرائيل دون أن يعترف أي مسؤول وخاصة رئيس الحكومة الصديق الصدوق لترامب بأهمية وفاعلية النهج الصيني! وأكد بروفسور إسرائيلي للقناة 13 الإسرائيلية أهمية النهج الصيني في معالجة المرض بل قال إن الولايات المتحدة بسبب النظام السياسي والاقتصادي لديها لن تستطيع القيام بما قامت به الصين. وأن التحريض على الصين في غير مكانه وتساءل قائلا: أي دولة في العالم تستطيع أن تقيم مستشفى كبيرا في مثل هذه السرعة خلال أسبوعين؟

وبالمناسبة فقد عرض التلفاز الإسرائيلي مكالمة مع شاب صيني عاش لمدة في إسرائيل وقال أنا أقوم أخلاقيا بجمع التبرعات لإسرائيل لمساعدتها على التخلص من المرض. وأمام التحريض على النظام في الصين قال نفس الشاب إجابة على سؤال هل الناس مع النظام والسلطة أم ضدهم، بدون تأتأة : إن الناس مع الإجراءات التي قامت بها الدولة وهم مؤيدون للنظام.

كل هذا و"دونالد ترامب" يبحث عن أسباب من بنات أفكاره لإدانة الصين ونظامها الاشتراكي، فيتولد في ذهنه المريض أن الصين هي التي أنجبت الفيروس في مختبراتها! يا سلام! في حين يرفض هذا الادعاء الأحمق علماء أمريكيون وكذلك علماء إسرائيليون، ممن يضعون الأمانة العلمية نصب أعينهم أولا.

 (عرعرة – المثلث)

 

إشارات:

  1. أيغور كون (مشرف)(1984م)، معجم علم الأخلاق، اصدار دار التقدم، موسكو، ص18.
  2. هناك: ص20.
  3. هناك: ص20.
  4. هناك: ص20.
  5. جريدة "هارتس" العبرية الورقية 28-04-2020م ص6.
  6. شنخوا نت 08-04-2020.
  7. نفس المصدر 09-04-2020.

 

الصورةالعاصمة الصينية بكين صباح اليوم (شينخوا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين