المدرسة العربيّة عطشى للنّقاش الفلسفيّ| عرين أسامة مخّول

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

على الرّغم من اهتمام المدرسة العربيّة في الوصول إلى أقصى النتائج والانجازات العلميّة إلّا أنّه تقلقني مسألة غياب النّقاش والبحث الفلسفيّ الموضوعيّ والّذي لا يقلّ أهميّة عن البحث العلميّ.

حسب ما أذكر، إنّ الفترة الّتي كنت فيها طالبةً في المدرسة الثّانوية، وتحديدًا داخل مدرسة تميّزت بتحصيلاتها العلميّة الممتازة، أتذكّر نفسي طالبة متعطّشة للحديث والبحث الفلسفيّ؛ فكلٌّ في داخله ثمرةٌ معرفيّة لا بدّ من تنميتها وهذه التّنمية ليست حكرًا على البحث العلميّ فقط إنمّا البحث الفلسفيّ له حصّة في تنميتها كغيره من الأبحاث.

لطالما تساءلت عن غياب النّقاش الفلسفيّ في مدارسنا العربيّة، وتساؤلي هذا تعاظم وكبر بعد دراستي لرواية في إطار المدرسة، حيث أنّ ما تمليه علينا مقتضيات التّحليل الأدبيّ هو أخذ البعد الفلسفيّ في عين الاعتبار ولكنّه غُيِّب وكأنّ لا وجود له أصلًا، فتألمت، تفكّرت وتساءلت ولم أصل حينها إلى أجوبة، لكنّي اليوم، كتلميذة للفلسفة وكإبنة للمجتمع يُملي عليَّ هذا أن أسبر غور هذا التّغييب وهذا المأزق الفلسفيّ.

لست هنا بصدد التّقليل من أهميّة البحث في مجال ما والولوج إلى اهتمام ببحث آخر، لكنّي أعتقد أنّ المجتمع السّليم معرفيًّا هو المجتمع الموسِّع أبعاد تفكّره والعامل على تجاوز الصنميّة الثّقافيّة، الدّينيّة والسياسيّة والباحث في المعرفة من حيث أنّها فلسفة، علم وفنّ، فالفلسفة من حيث اعتمادها على التّفكّر، المساءلة والنّقد قادرة هي على هدم الطّاغوت الفكريّ والمعرفيّ الّذي يرضعه العقل العربيّ منذ نعومة أظفاره كحقيقة مطلقة لا شكّ فيها، وبينما مجتمعنا العربيّ غارق في تمجيد الهُويّة وفي إعلاء شأن الأُصوليّة وفي التشبّث بثوابت لم تعد تحاكي مقتضيات ومستلزمات واقعنا الحاليّ؛ السياسيّ، الاجتماعيّ والوجوديّ، يُعاني هو من رهاب النّقد الذّاتي ويخشى المسّ بالبنى الفكريّة التحتّية التّي عملت على تحجيرها المنظومتان الدّينيّة والسياسيّة، لذلك فإنّ الطّالب العربيّ بحاجة ماسّة إلى تقنيّات فكريّة، موضوعيّة وبحثيّة وحدها الفلسفة قادرة من حيث ماهيّتها أن توفّرها له، ولعلّ من أهمّ ذلك: التّبصّر الموضوعيّ في جواهر الأشياء؛ حيث تعمل الفلسفة حسب تقنيّة الهدم والبناء، وهذا ما يساعد الطّالب المُحمَّل بأوزار الهويّة الثّقافيّة، الدينيّة والقوميّة أن يتبصّر بموضوعيّة في جواهر الأشياء، أن يبنيَ منطقًا ويهدم اخرَ، أن يخلق فكرة ويُميتها كي يُحيي غيرها، ففي حين أنّ باقي المجالات تعمل باتجاه واحد ألا وهو اتّجاه البناء المعرفيّ فقط فالفلسفة تعمل في الاتّجاهين وهذا ما يميّزها، فهي تبني لتهدم وتهدم لتنبيَ، وبالتّالي الفلسفة قادرة على تحرير تلميذها من ربقة العبوديّة الأُنظوميّة، فيأتي تلميذها محمّلًا بموروثات فكريّة ليست بذات قيمة آنيّة ليخرج تلميذها مُشكّكًا شكَا مُطهّرًا من كلّ ما مغالطات المعرفة السّابقة والآتية.

لا تتّجه الفلسفة نحو الوصول إلى أجوبة نهائيّة جاهزة كما هو في باقي المجالات، إنّما تكمن غائيّتها بأنّها لا تعد تلميذها بالأجوبة النّهائيّة الجاهزة المُعزِّزة روح الكسل المعرفيّ؛ بل تعده بالبحث اللامتناهي والمُستأنف عن أكثر الأجوبة استحالة لأكثر الأسئلة تعمّقًا بمكنونات التّوق الإنسان.

إنّ دراسة الفلسفة تُساهم في تعقيم الفكر الإنسانيّ من متلازمة المركزيّة الكونيّة والمعرفيّة فيتجلّى له أنّه باحثٌ إلى دهر الدّاهرين، وأنّه لن يربح جائزة الإله المعرفيّ مهما عرف، وأنّ للمجالات الأخرى - بالرغم من ابداعاتها إنجازاتها وتحقيقاتها - ستبقى في حيّز المعرفة الإنسانيّة القابلة للشكّ وللهدم على أيدي ما يفوقها في المعرفة والوجود وبالتّالي هذا ما يوفّر للطالب الانفتاح على الغيريّة والتّعدّدية الفكريّة من حيث أنّها تدحض المطلقيّة المعرفيّة.

ملخّص القول إنّ الفلسفة عالم لا حدّ له، مبنية على البحث وحبّ المعرفة فلا تعرف الجمود والخنوع والتّسليم في شيء وتبقى دائمًا مضطربة مع اضطراب التّغيرّات الخارجيّة؛ الاجتماعيّة، الاقتصاديّة والسّياسيّة ولا تستقلّ بذاتها إنّما هموم غيرها من همومها وهمومها من هموم غيرها.

آن الأوان أن نمنح الطّالب العربيّ فرصة الانكشاف البسيط على الفلسفة، فإنّ الطّالب المتأسّس على تقنيّات الفلسفة هو الطّالب القادر أن يساهم في بناء مجتمع منفتح، متحرر وناجح، وإنّ التّربّع في صومعة المسلّمات لا يمكنه أن يُساهم في خلق مجتمع واعِ لذاته، لغيره وللعالم، وإنّ نهضة الشّعوب العربيّة بما فيها نهضة شعبنا تُستحال أن تُحَقِّق انتصارًا يليق بوجودها الشعبيّ، السياسيّ والإنسانيّ - مهما تحقّقت المتطلّبات الأخرى - ما دامت لم توفّر لبراعيمها الفرصة لتعلّم الفلسفة في النّطاق التربويّ والتّعليميّ ولذلك أرى أنّ إدخال الفرع الفلسفيّ أو على الأقلّ التّطرّق الفلسفيّ في المدرسة العربيّة هو ضرورةً لا مفرّ منها فلا يجب أن يُنظر إلى الفلسفة على أنّها فرع ثانويّ يُبحَث فيه من باب الرّغبة أو الاختيار، بل يجب علينا أن نُطَهِّر ونُغَيِّر نظرتنا إليها ونضع النّقاط على الحروف باعتبار أنّ الفلسفة هي الأساس المعرفيّ الّذي تتأسّس عليه جميع التّفرّعات العلميّة والمعرفيّة الأخرى الّتي ننكبّ باحثين ودارسين لها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين