النضال ضد الضم هو معركة ضد الاحتلال ككل | عوفر كسيف

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

بعد احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967 مباشرة، حذر عدد من اليساريين من أن الاحتلال سيؤدي إلى حكم أجنبي، وهذا سيؤدي إلى المقاومة، وستؤدي المقاومة إلى القمع، وقمع المزيد من المقاومة والاضطهاد، ودائرة إراقة الدماء المغلقة ستتسع. في الواقع، حدث ذلك. منع التحرير والسيادة الوطنية عن الشعب الفلسطيني في وطنه التاريخي، ونهب أراضيه، وهدم منازله، وترحيل أبنائه وبناته، وإنشاء مستعمرات يهودية عرقية خالصة، والتطهير العرقي والقتل- أدت إلى المقاومة؛ ومعها، الدم والفجيعة والألم في الجانب الإسرائيلي أيضا.

بالإضافة إلى ذلك، بدلا من الاستثمار في التعليم والصحة والرعاية والإسكان، تنفق الحكومات الإسرائيلية أموالها على تعزيز الاحتلال والإنفاق العسكري الزائد؛ بدلا من تنمية مناطق الأطراف الاجتماعية العربية واليهودية، تنفق الدولة رأسمالا هائلا على المستوطنات- كلها غير قانونية- محكومٌ عليها بالتفكيك.

في ظل حكومة نتنياهو، أصبح الاحتلال أكثر حدة: تجويع قطاع غزة المحاصر والمتفجر، وتكرار التطهير العرقي في القدس الشرقية ومنطقة الخليل والمدينة نفسها، في غور الأردن المحتل، وفي مناطق الضفة الغربية الأخرى، فهذه تحولت لسياسة منهجية للتنكيل اليومي من قبل المستوطنين، والجيش الذي في خدمتهم أيضا: فهم يحرقون الحقول ويقتلعون الأشجار ويضربون الرعاة، ويُطلقون الكلاب عليهم وعلى المراعي، ويهاجمون السكان المسالمين ويدمرون ممتلكاتهم ويطلقون النار على المتظاهرين الذين يكافحون من أجل حياتهم. 

كي لا يتم تضليلنا، فقد أصبحت الضفة والقدس الشرقية، تحت حكم نتنياهو ومساعديه، مملكة KKK (القصد التنظيم النازي في الولايات المتحدة الأميركية الذي يرتكب جرائم ضد السود- الترجمة)، حوّلوها إلى ضفة غربية سائبة، لا قانون فيها ولا قاض.

كما توقع البروفيسور يشعياهو ليبوفيتش عام 1968، أفسد الاحتلال إسرائيل وجعلها دولة الشاباك، التي تعتبر مواطنيها، بالأساس المواطنين العرب الفلسطينيين، ولكن ليس هم فقط، خطرا. حذّر ليبوفيتش من أن "الفساد هو ميزة كل نظام استعماري، وستتلقى إسرائيل هذه العدوى". لا يوجد اثبات لصدق أقوال ليبوفيتش، أكبر من الواقع في زمن الكورونا، لقد تغلغل الفساد إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، وينتقص من الحريات وحقوقنا جميعا. 

إذا تم حاشا وكلا تنفيذ الضم، فإن الضم الذي روّجت له حكومة نتنياهو- غانتس سيوفر شرعية دستورية للاحتلال، ويؤسس ويعمق واقع الفصل العنصري، وبالأساس- يضر بشدة بإمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقادرة على الحياة. سيؤدي الضم إلى مقاومة فلسطينية، وهذا سيؤدي إلى زيادة القمع. ستزداد جرائم الحرب وسفك الدماء حدة؛ وسيتم تخصيص ميزانيات أكبر للاحتلال، ومرة أخرى ستدفع الطبقات الأكثر ضعفا وتعرّضاً للاستغلال مقابل ذلك.

ولكن هناك شيء خطير آخر في الضم، وهو تغيير شكل تبرير الاحتلال- مما يسمى التبرير "الأمني"، إلى التبرير العنصري- المسيحاني. إذا كانت الحكومات الإسرائيلية حتى الآن تبرر الاحتلال بأعذار أمنية، فهي تبرر الضم على أساس مسيحاني وعنصري - كما لو كانت وعدا إلهيا لشعب مختار، بفوقية على الآخرين.

إن تنفيذ الضم يعني تأسيس نظام احتلال قائم على أوامر عنصرية، وكأنها إلهية محضة- حتى أنه لا توجد محاولة لإيجاد مبررات أمنية وكونية. لذلك، فإن النضال ضد الضم هو نضال ضد الاحتلال بشكل عام، ضد الاحتلال ذاته. لأنه إذا كان المبرر الوحيد للاحتلال غير شرعي، فإن الاحتلال نفسه غير شرعي.

إن التبرير العنصري- المسيحاني للاحتلال سوف يتسلل بقوة إلى داخل إسرائيل نفسها: فرض التدين، فوقية اليهودية، الفصل بين الجنسين، ومناهضة المثليين- وكلها ستصبح الأساس الدستوري والمعياري لدولة إسرائيل، وسيقضون على أي بقايا من الديمقراطية التي ظلت هنا، ولم يبق الكثير منها.

إن النضال ضد الضم، الذي هو، كما ذكرت، معركة ضد الاحتلال ككل، هو أيضا حرب شرسة ضد تحويل إسرائيل إلى دولة استبدادية واضحة كليا، تضر بجميع مواطنيها، باستثناء أقلية هامشية من أصحاب رأس المال.

في التقليد اليهودي، كان من المعتاد مرة كل 50 عاما تحرير العبيد وإعادة الأراضي التي تم أخذها إلى أصحابها الأصليين. لقد مرّ 50 عاما على نظام الاحتلال، وحان الوقت لتحرير الشعب الفلسطيني من عبوديته، وإعادة أرضه المسروقة إليه. هذا، وهذا فقط، هو الطريق لتحرير الشعبين والسلام العادل.

في إعادة صياغة خطاب تشرشل الشهير من عفارة حياة نتنياهو وعينيه، سألخص ما يلي:

نحن سنستمر حتى النهاية. سنقاتل ضد الاحتلال، سنحارب الضم، سنقاتل تعاظم استخدام القوة، سندافع عن قيمنا، ومهما كان الثمن. سنناضل من أجل المساواة، ونناضل من أجل الحرية، ونناضل من أجل العدالة والديمقراطية، ونناضل في الميدان وفي الكنيست. لن نستسلم أبدا.

الخطاب الذي القاه في مظاهرة تل ابيب 6 حزيران، في الذكرى 53 لعدوان حزيران

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين