الوطنية والمواطنة (الحلقة 9 والأخيرة) رؤيا لتجديد المشروع السياسي للفلسطينيين في إسرائيل|أيمن عودة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في الوحدة الوطنية

 

الطائفية

 

عالجت الحداثة العربية مسألة الطائفية بشكل جذريّ وذلك منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. اقترنت فكرة الطائفية بالعداء للفكرة القومية وأنها صنيعة الاستعمار بكونه هو المستفيد منها. هذا الأمر ترسّخ بقوة طيلة عقود من الزمن ولا يحظى بشرعية حتى لدى الطائفيين، أي أنه حتى الطائفيّ نفسه لا يعترف بأنه كذلك، أو على الأقل أنه البادئ بالعداء الطائفي، أو أن الطائفية خياره الحرّ أو الأيديولوجي، وذلك لعُمق هيمنة الثقافة المناهضة للطائفية.

تعود الهيمنة المعادية للطائفية لأسباب عدّة منها التاريخية حيث أن مشروع الحداثة العربية انطلق من بلاد الشام ومصر حيث الحضور المسلم والمسيحي، وحيث أن عددًا بارزًا من مثقفي الحداثة كانوا من العرب المسيحيين الذين وجدوا في الوطنية والقومية، بالإضافة إلى القناعة المبدئية حولها، بُعدًا جامعًا لهم مع أبناء وطنهم المسلمين، ومجرّد وجودهم الحيوي خلق حرجًا بصدور أي نأمة طائفية. والأمر يتعمّق حيث أصبح الفلسطينيون أقلية في إسرائيل ويواجهون سياسة تفرقة مبرمجة بهدف النيْل منهم.

بعد الضربة القاسية للفكر القومي في العام 1967 (سبقها تفكيك الوحدة السورية-المصرية، ولحقها كامب ديفيد 1978 وحرب الخليج 1990 والربيع العربي) وللفكر اليساري منذ انهيار المعسكر الاشتراكي، وحتى الربيع العربي واحتلال الحركات الإسلامية بشكلها الإخواني في مصر والداعشي في الشام مركز الحلبة، كان من المفترض أن تتعزّز الطائفية في بلادنا. إذ لطالما أثّر علينا العالم العربي وصُدّرت نماذجه الثقافية إلى بلادنا، كظاهرة عبد الناصر وحتى الحركات الإسلامية التي نشأت في الدول العربية والإسلامية، أو الحرب الأهلية اللبنانية التي جعلت الطائفية تسرّبت أكثر إلى قرى الجليل.

ولكن الإرث الوطني والثقافي العظيم للمسيحيين، كإخوتهم المسلمين، الغائر في التاريخ العربيّ برمّته، هو ركيزة متينة، وكذلك عُمق الهيمنة الوطنية ضد الطائفية. إلى هذا يُضاف كون إسرائيل دولة يهودية بشكل فظّ ورافضة أن تكون عنوانًا جوهريًا لكل مواطنيها، لدرجة تمرير قانون القومية بهذه المرحلة. فالمؤسسة الإسرائيلية غير حاضنة لغير اليهودي، بل رافضة فعليًا ورسميًا له، ناهيك عن الإرث الديني والصراع التاريخي بين اليهودية والمسيحية. على المستوى الميداني القريب ساهم وجود القائمة المشتركة وخطابها الوحدويّ في الحفاظ على الشرائح الواسعة جدًا من كل الشعب تحت المظلة الوطنية.

ما يحدث لدى الدروز أمر لافت، حيث قامت المؤسسة الحاكمة بجهود استثنائية كي تُبعد الدروز عن انتمائهم العربي، ابتداءً بقانون التجنيد الإلزامي وأثره السيكولوجي على الدروز والعلاقة التبادلية مع سائر العرب، ووصولاً إلى تغيير منهاج التعليم والأعياد والمحاكم وغيرها. هذا بالإضافة إلى ربط شرائح واسعة من الدروز بعجلة الاقتصاد الأمنية بانخراطهم في حرس الحدود والوظائف الثابتة في الجيش، الشرطة وسلطة السجون وغيرها.

منذ سنوات يقارن الشاب العربي الدرزي وضعه بأبناء شعبه، فلو كانت قد جرى في بعض القرى العربية الدرزية تطوّر مدنيّ سطحي، وحتى قبول مجموعات للعمل بوظائف دُنيا في مؤسسات رسمية، إلا أن جوهر المكانة المدنية والاقتصادية بقي واحدًا لجميع العرب. وجاء قانون القومية بالأساس ورافقه قانون التخطيط والبناء المعروف باسم "كامينتس" ليؤكدا بحزم أن تعامل المؤسسة الحاكمة واحد، وسيء، مع كل المواطنين العرب دون تمييز. الدولة التي بنت 940 تجمعًا سكانيًا لليهود منذ العام 1948، لم تبن تجمعًا سكانيًا واحدًا للعرب، بما يشمل العرب الدروز. لا بل صادرت الدولة من المواطنين العرب الدروز 240 ألف دونم من أصل 360 ألف دونم، أي صادرت ثُلثيْ أراضي العرب الدروز، بينما صادرت نصف أراضي سائر المواطنين العرب منذ العام 1949 حتى اليوم.

إنّ جريمة السلطة بحقّ العرب الدروز كانت أفدح من سائر المواطنين العرب، حيث عملت المؤسسة بشكل رسميّ وعلنيّ على تشويه الانتماء القومي وسعت لبناء مجموعة إثنية تنسلخ عن الانتماء التاريخي العربي للدروز، وتتمايز عن أخوتهم العرب الدروز في سوريا ولبنان. كما أن فرض الخدمة الإلزامية في الجيش الذي يحارب الشعوب العربية والشعب العربي الفلسطيني ليس تشويها للذات وحسب، وإنما قد زجّ بهم في خدمة مؤسسة تدّعي رسميًا وجهارًا أنها أقيمت لشعب آخر، وعمليًا وفعليًا على حساب شعبهم العربي الفلسطيني وضمنها جرائم الاحتلال والحروب المستمرة، فوصل عدد القتلى الدروز من هذه الحروب والخدمة في الجيش 451 قتيلا.

ترافق هذا الظُلم بنضال لتغييره سواء على المستوى الوطني حيث قامت مجموعات تناهض هذه السياسة منذ يومها الأوّل حتى تأسست في السبعينيات لجنة المبادرة الدرزية، والتي لحقتها مجموعات وطنية أخرى، تناضل من أجل تأكيد الانتماء العربي والوطني للدروز، وتناهض كافة السياسات العنصرية وما زالت فاعلة حتى اليوم.

جزء كبير من العرب الدروز عمل في المؤسسات "الأمنية" نحو الخدمة الثابتة في الجيش، أو "حرس الحدود"، أو الشرطة أو سلطة السجون وغيرها. هذا العمل لا يربط الناس اقتصاديًا بالمؤسسة الحاكمة فقط، بل يشوّه الوعي، كما فسّر المفكر ميشيل فوكو عن المؤسسات الأمنية التراتبية التي تخلق وعيًا منضبطًا وفق المؤسسة التي يخدم بها الإنسان. هذا الواقع يتغيّر بنسبة كبيرة في السنوات الأخيرة تأثرًا بارتفاع نسبة التعليم الجامعي، وتاليًا بتعدد أماكن العمل، مما يحرر شرائح واسعة من ربقة "الأمن" التزامًا ووعيًا.

العرب الدروز جزء أصيل من الشعب العربي الفلسطيني. وما حدث معهم من مخطط سلطوي كان من الممكن أن يحدث مع كل شريحة في المجتمع العربي. ربما العدد الصغير للدروز في الخمسينيات ساهم بالمهمّة، ولكن ظروف كافة المواطنين الفلسطينيين كانت قاسية ومركبة. وحتى التصويت للأحزاب الصهيونية قد ميّز تصويت الغالبية الساحقة من كل المواطنين العرب، ولم تتغيّر النسبة إلا في السبعينيات ثمّ عادت بداية التسعينيات، قبل أن تراجع بشكل مثابر حتى اليوم.

لهذا، فذهنيّة التخوين ليست بائسة وغير مجدية وحسب، وإنما غير حقيقية واقعيًا، لكن الأنكى أنها مدمّرة للعلاقة بين أبناء الشعب الواحد. كما أن الموقف الواعظ والداعي لـ"العودة للحُضن الدافئ لشعبنا" لا يقنع أحدًا، خاصة الجيل الشاب. الدروز ككل شريحة بشرية خاصة الشباب منهم يُخاطَبون بالعقل والأخلاق واحترام الانتماء وطرح أُفق حقيقي، مفاده أننا جميعًا أهل الوطن وأبناء شعب واحد، نتعرّض للتمييز ضدنا بنيويًا لأن المؤسسة الحاكمة بفلسفتها الأساسية المُعلنة وممارستها المستمرة منذ ما ينيف عن العقود السبعة، أُقيمت من أجل شعب على حساب شعب آخر، شعبنا نحن كلّه، ولا يمكننا التطور غير بتكاتفنا ونضالنا معًا.

مشروع تعميق الانتماء القومي الواحد مع العرب الدروز هو من أهم عناوين المرحلة القادمة بالأساس لضرورته الوطنية، ولكنّ ظرفيًا نظرًا لتطورات داخل المواطنين العرب الدروز ولاشتداد العداء المؤسساتي، فهي مرحلة فيها جدوى لتشديد التقارب بين العرب الدروز وسائر أبناء شعبهم. 

 

فلاح، بدوي، مدني

 

إذا كانت مشاريع وأفكار الحداثة العربية ركّزت بقوة ومنهجية على معاداة الطائفية إلا أنها أغفلت العلاقة بين أهل المدن، البدو والفلاحين.

كان عدد البدو ونسبتهم خاصة في الشام ومصر، حاضرتيْ الحداثة العربية، قليلا في سنوات نهضة المشروع القومي والوطني أواخر القرن التاسع عشر وصاعدًا. وفي العام 2022 وصل عدد البدو في الأمة العربية نحو 30 مليون نسمة، وفي بلادنا 400 ألف نسمة - نحو خُمس المواطنين العرب (في العام 1949 كان عدد بدو النقب 11 ألف نسمة، وعام 2022 وصل عددهم 300 ألف نسمة) هذه النسبة مرشّحة للازدياد لأن نسبة الولادة بين البدو هي الأكبر. وليس بفعل عددهم، بل لأنهم جزء أصيل من هذا الشعب بكل تبعات هذا الانتماء، فيجب النظر في العلاقة داخل شرائح الشعب الواحد، التأكد من سلامتها، تمتينها وتطويرها.

البداوة نمط حياة كما الفلاحة، ومنذ عقود يتغيّر وضع بدو الجليل والمدن المختلطة في مركز البلاد من حيث نمط الحياة وكذلك نصف سكان النقب، وتبقى حياة البداوة بشكلها الأوليّ لدى أوساط في القرى مسلوبة الاعتراف في النقب، وبشكل يخلط بين حياة البداوة وحياة الحضر في تجمعات قليلة لدى بدو الشمال.

يعاني عرب النقب أبناء القبائل البدوية من أبرتهايد فعلي بأقسى صنوفه، سواء في التجمعات المعترف بها أم مسلوبة الاعتراف، وهذه ظاهرة غير موجودة تقريبًا بأي مكان بالعالم. أقصد بالأبرتهايد تلاقي الفوقية البنيوية مع التفرقة الشاملة. وتكفي نظرة إلى القرى مسلوبة الاعتراف في النقب مقابل البلدات اليهودية للتأكد من الأبرتهايد الفعلي في النقب. هذه المعاناة اليومية أنشأَت انتماءً ووعيًا متصاعدًا للذات القومية، فأنت على هذه الحال لأنك غير يهوديّ ولأنك عربيّ.

ساهم التفاعل النضالي مع عرب النقب في التقارب وبثّ روح الانتماء الواحد بين أبناء الشعب الواحد. البدايات المنهجية لهذا التفاعل كانت في السبعينيات وفي سياق يوم الأرض، إثر التهديد بمصادرة أراض في الجليل والنقب. وقد ساهم بهذه السيرورة طلاب الجامعة الوافدون من الشمال للتعلّم في جامعة بئر السبع، ثم تواجد الحركة الإسلامية المكثف في النقب. وبرز التفاعل الوطني بقوة في النضالات المختلفة في العقد الأخير وأبرزها النضال الشعبي ضد مخطط برافر، وكذلك في قريتيْ العراقيب وأم الحيران وعموم القرى غير المعترف بها. كما أن التزاوج بين البدو والفلاحين الذي كان قليلا جدًا منذ عقود، يزداد بمنهجية في العقود الثلاث الأخيرة بين أهل الجليل، وكذلك يزداد بين النقب، المثلث والجليل، ولكنه مكثّف جدًا بين أهل النقب وغزّة والخليل وسائر الضفة.

منذ عقدين من الزمن هناك قفزة تاريخية متواصلة في نسبة التعليم الجامعي في النقب ويصل عدد الملتحقين به 8000 طالب جامعي عربي بدوي عام 2021، نصفهم في البلاد ونصفهم يتعلّم في الخارج. هذا الزيادة في التعليم مثابرة ومرشّحة للزيادة. في قرية عرعرة النقب، كمثال، كان عدد الأطباء لا يتجاوز أصابع اليد قبل عقدين، لكنه يبلغ اليوم 115 طبيبًا، وهنالك 140 طالب طب من عرعرة النقب يتعلّمون الآن في الجامعات ولهذا التغيير الكمي في أعداد الأكاديميين آثار سياسية واجتماعية كثيرة، خصوصًا أن هذه النسب في ازدياد مستمر ومرشحة لأن تكون أكبر بكثير في الأعوام القريبة القادم.

منذ الخمسينيات اهتمت المؤسسة الحاكمة بتجنيد البدو للجيش، وكانت نسبة التجنيد عالية لعدة عقود ولكن عدد المتجندين يتناقص في العقود الثلاث الأخيرة باضطراد، حتى أنه لا يتجاوز اليوم الـ5% من الشبّان في منطقة النقب. وإذا كانت أنماط التصويت من مؤشرات الانتماء فمنذ بداية التسعينيات تصوّت نسبة كبيرة للأحزاب الوطنية، بل نسبة شبه مطلقة طيلة العقدين الأخيرين وتجاوزت النسبة 90% دعمًا للقائمة المشتركة.

ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن التصويت يحمل أبعادًا فئوية. فليس صدفة أن نسبة التصويت الأكبر في التسعينيات كانت للحزب الديمقراطي حيث ضمّ ابن النقب طلب الصانع، ومن ثمّ الموحدة حيث تحالف الديمقراطي مع الحركة الإسلامية التي ضمت مرشحين مضمونين. هذه الحالة الفئوية موجودة على مستوى البلدات العربية عمومًا، وتبرز أكثر لدى عرب النقب بسبب العدد الكبير. 

  لا يمكن ترك هذه الأبعاد تتفاعل بشكل ارتجاليّ، فمثلا لا يمكن القبول بأن يبقى رؤساء السلطات المحلية البدوية من الشمال خارج اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية ولجنة المتابعة. وكذلك السلطات المحلية العربية الدرزية. وكنت قد أشرت إلى ذلك بتوسع وقدمت اقتراحات عينية في الفصول السابقة.

كما أن الاقتراحات لإقامة صندوق وطني يشارك فيه كل أفراد الشعب، والاتحادات المهنية التي اقترحنا أن تشكّل، هي واحدة من القواعد الأساسية للجنة المتابعة مثل اتحاد المعلمين والمحامين والفنانين ومرشدي السياحة والسيكولوجيين وغيرها. فهي أطر وحدوية على مستوى الهوية، وكفاحية من أجل انتزاع الحقوق. كذلك، فالمؤسسات الوطنية الجامعة كالمتحف والمكتبة الوطنية ومركز التخطيط الاستراتيجي وغيرها من المشاريع التي تعرضها هذه الورقة كاقتراح للمشروع القادم، كلها تساهم في بلورة الانتماء الواحد ويجب أن تكون كل الشرائح جزءًا عضويًا من هذه التنظيميات، والتركيز في المرحلة القادمة على الدروز والبدو.

برز في الانتخابات البرلمانية الأخيرة (2021) أكثر من أي انتخابات تصويتًا يحمل دلالات هوياتية، وهذا من أخطر الظواهر التي تصيب شعبًا، خاصة لأقلية قومية تناضل من أجل وحدتها وانتزاع حقوقها. حصلت القائمة الموحدة على نسبة 80% من أصوات العرب البدو. وبالنسبة للقائمة المشتركة، وتحديدًا الجبهة، يجب بناء مشروع حقيقيّ متفاعل مع العرب البدو كجزء من الأقلية القومية العربية الفلسطينية. صحيح أن اقتراح إقامة الاتحادات، الصندوق الوطني وبناء المؤسسات هو رافعة مهمة، ولكن التنظيم السياسي هو الذي يجب أن يحمل الرؤية الأيديولوجية الخاصة ويكون المساهم بقوة لجمع الناس أفقيًا عوضًا عن الجمع العمودي للطائفة أو العائلة وسائر الجهويات. (انتهى)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين