(الحلقة الخامسة): الفلسطينيون في إسرائيل والمشروع الوطني الفلسطيني
"لا يمكننا أن ننكر، حتى لو جوبهنا بالموت نفسه، أصلنا العريق: إننّا جزءٌ حي وواعٍ وفاعل من الشعب العربي الفلسطيني."
(وثيقة السادس من حزيران 1980)
المؤتمر الوطني الفلسطيني، والتكامل الوظيفي الفلسطيني
نحن الفلسطينيين على طرفيْ الخط الأخضر والشتات، أبناء شعب واحد، لنا وطن واحد وقضية بجوهرها، وعمقها التاريخي وراهنيّتها السياسية الحاسمة، واحدة. عانينا، جميعًا، وما زلنا من ذات المشروع الواحد، المشروع الصهيوني المتساوق مع القوى العالمية وبتواطؤ الرجعية العربية. لهذا فالأمر البديهيّ هو تعزيز وحدة شعبنا، وإنشاء تكامل وظيفي تنسيقيّ. وإن اختلفت الحيثيات، السياقات ومآلات الحلول.
إذا كان الشعب المشتّت واحدًا، فوجود تنظيم يعبّر عن استحقاقات الانتماء الواحد، وهي كثيرة، هو أمر صحيح مبدئيًا. وإذا كانت القضية بجوهرها واحدة والشعب كلّه يُعاني من مصدر قمع وظلم واحد وهو المؤسسة الحاكمة الاسرائيلية، فالوحدة والتنسيق هما أمران بديهيان.
يعيش الشعب الفلسطيني في سبعة مواقع تفرض تواصلاً مباشرًا محدودًا، بدرجات متفاوتة، وأحيانًا غير ممكن بين أبناء الشعب الواحد، وهي كالتالي:
- الفلسطينيون في إسرائيل.
- الفلسطينيون في القدس.
- الفلسطينيون في الضفة الغربية.
- الفلسطينيون في قطاع غزة.
- الفلسطينيون في مخيمات اللجوء والمدن في الأردن.
- الفلسطينيون في مخيمات اللجوء في لبنان وسوريا.
- الفلسطينيون المتفرقون في أصقاع الأرض.
هوية بحالة صراع وتبلور دائمين
المجموعة الأولى، مجموعة الفلسطينيين داخل إسرائيل، التي تشكّل نحو مليون وسبعمئة ألف فلسطينيّ، تواجه منذ العام 1948 محاولات منهجية ولحوحة جدًا لطمس انتمائها الفلسطيني ولبناء شخصية "العربي الإسرائيلي" المشوّه بانتمائه القوميّ والمنقوص بمكانته المدنية. والمجموعة السابعة (مجموعة الفلسطينيين المتفرّقين في العالم) تشكّل نحو ستة ملايين فلسطيني بعيدة جغرافيًا عن فلسطين وتتميّز عن غيرها أنها لا تعيش يوميًا في وحدات جغرافية فلسطينية كالمدينة أو الحيّ أو القرية أو المخيّم، وإنما داخل محيط أجنبي. والمجموعة الخامسة اللاجئة في الأردن والتي تجاوز عددها الستة ملايين فلسطيني فتعيش بسياق غير مشجّع لإبراز وتعزيز الهوية الفلسطينية الخاصة. أي أن أكثر من ثلثيْ الشعب الفلسطيني يعيش حالات صراع حقيقي للحفاظ على هويته الفلسطينية، ونستثني فقط ثلث الشعب الفلسطيني سكّان الضفة والقطاع ومخيمات اللجوء في لبنان وسوريا.
الحفاظ على الهوية الفلسطينية يتجاوز تحديات الأنظمة الرسمية والابتعاد القسري، لأن الهوية الفلسطينية بتميّزها العصريّ هي النضال المستمرّ من أجل الحقوق القومية، أي أنها بالإضافة إلى كونها تحمل أبعادًا ثابتة نسبيًا ككل هوية، فهي تحمل أبعادًا قيد التبلور والتفاعل الدائم، تأتي بإضافات دائمة للمضامين الوطنية التي تُغذّي الهوية. فمثلا الثورات الفلسطينية هي إضافات دائمة، كذلك أدب المقاومة والأيام الكفاحية حتى شهر أيار الأخير (2021) الذي ناضل الفلسطينيون خلاله على طرفيْ الخط الأخضر بانسجام مستجدّ.
إذا سألتَ أي فلسطيني ما هي لغتك؟ يجيب: العربية. أي لا يُجيب بأنها الفلسطينية! وما هو تاريخك القديم؟ يجيب: تاريخ العرب، الحضارات القديمة، الجاهلية، السيرة النبوية، والخلفاء الراشدون، والأمويون، العباسيون.. أي، ليس التاريخ الفلسطيني المباشَر! وإذا سألته ماذا حدث في فلسطين في الألف سنة الأخيرة قبل القرن العشرين؟ يجيب: لا أعرف! وإذا سألت هل تعرف كشاجم الرملي والقاضي الفاضل والعسقلاني وسائر القامات الثقافية الفلسطينية في الألف سنة الأخيرة قبل العصر الحديث، لن يعرف الجواب إلا المختصون، ويكتفي سائر الناس بمعرفة متواضعة عن تاريخ فلسطين الوسيط تتلخّص بحروب الفرنجة ومعركة حطين وتحرير القدس بقيادة صلاح الدين الأيوبي. ومن الرموز الثقافية يعرف الناس الإمام الشافعي، لبُعده الدينيّ، ومعرفة متواضعة جدًا حول مرحلة ظاهر العُمر الزيداني. فما هي بالتالي خصوصية أن تكون فلسطينيًا إذا كانت اللغة عربية جامعةً والتاريخ عربيًا جامعًا، والمعرفة الوطنية الخاصّة بالسياق الفلسطيني متواضعة جدًا لمدّة ألف عام؟
خصوصية الهوية الفلسطينية بمضامينها المتفاعلة، ولا أقصد جذورها، هي كونها وليدة العصر الحديث، وهذا لا ينتقص من أهليّتها. فكلّ الهويات القومية في أوروبا والشرق تبلورت بشكلها الحديث في المئتيْ سنة الأخيرتين، وحتى الهوية اليهودية التي تبلورت في فلسطين كذلك، رغم سياقها الاستعماري وغير الطبيعي نسبة لسائر القوميات.
أبرز مضامين الهوية الفلسطينية في العصر الحديث هو الصراع مع الصهيونية. هذا لا يعني ان الصهيونية قد بنت الهوية الفلسطينية كما يزعم مستشرقون باستعلاء. وإذا كان الجواب بهذا التسطيح المباشر فيجدر السؤال: من بنى الهوية اللبنانية والعراقية والسورية والمغربية والمصرية والتونسية؟ لذلك نقول، بنظرة تحليلية مقارنة، إن الهوية الفلسطينية الخاصة هي وليدة الحداثة ومغذّية لها كسائر الهويات والقوميات والوطنيات التي تبلورت بالعصر الحديث. نحن نضع هذه الهوية في سياق تاريخ الأمم ولا نقبل بحصرها في إسار صورة المرآة للمشروع الصهيوني، كما يزعم مُغرضون وسطحيون وإن سُمّوا مؤرّخين.
وهنا تجدر بنا الإجابة على السؤال:
إذا كانت الدولة في كل مكان بالعالم هي الوكيل الرئيسي لبناء الهويات، لكونها من تملك أجهزة التعليم والثقافة والإعلام وبناء الرموز والأيام الوطنية، فمَن يعزز الهوية الفلسطينية لشعب يتميّز بأن غالبيته الساحقة تعيش خارج حدود هذه الدولة، أقصد حدودها الجغرافية وحدودها الرمزية المعنوية؟
لهذا فإن بناء مظلّة فلسطينية لكل الفلسطينيين، يعزّز الانتماء الواحد ويقود مشاريع جامعة انتمائية وثقافية وحتى مشاريع تمكين وغيرها، هو أمر مستحقّ فلسطينيًا وهو ما اثبتته تجربة منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن شقت طريقها بعيدًا عن محاولات الوصاية العربية منذ أواخر الستينيات.
من الوطني إلى السياسي: تحرر شامل أم تسوية؟!
السؤال السياسي الأكثر مركزية فلسطينيًا، منذ سبعة عقود ونيّف، هو شكل الحلّ السياسي الذي أفضى إلى السؤال حول: إقامة دولة فلسطينية في حدود الـ67، أم النضال من أجل الدولة الواحدة على كامل التراب الوطني؟
الإجابة على هذا السؤال هي أكثر ما يحدد الاستراتيجيات النضالية، مواطن القوة والضعف، نوع النضال، نوع التحالفات، ومفهوم المواطنة - خاصة لدى الفلسطينيين داخل إسرائيل. هذا السؤال هو الأكثر مفصلية وعليه تتحدد الرؤى والاستراتيجيات وكل ما ذكرت أعلاه.
سبق أن كتبت دراسة مطوّلة حول هذه المسألة الاستراتيجية [1] التي أؤكد بها أن الحلّ الواقعي الممكن في المدى المنظور، الذي يجدر التشبّث به هو إقامة دولة فلسطينية في حدود الـ67 إلى جانب إسرائيل. فهو الحلّ الذي قوامه رغبة الشعب الفلسطيني بإقامة دولة تجسّد حقه بتقرير المصير (كذلك الشعب اليهودي) والذي بفضل نضال الشعب الفلسطيني وتضحياته الجسام تمّ تحقيق اعتراف دوليّ شبه شامل به. ويضاف لذلك اقتناع نحو 50% من المجتمع الإسرائيلي به، وفق كل استطلاعات الرأي منذ عقدين من الزمان، وذلك بغضّ النظر عن تفاصيل هامّة حول الفجوة بين الموافقة المبدئية والاستعداد لدفع الثمن، وحول تفاصيل الحل. كذلك تقدّم المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية قبل صعود نتنياهو مجددًا وتسلمه مقاليد السلطة (العام 2008) حتى تقريبًا 98% من الأراضي المحتلة بالعام 1967.
هذه مقوّمات هامّة تحتاج إلى مراكمة نضالية متجددة كي تحسم انهاء الاحتلال. وما النضال في القدس خلال أحداث أيار 2021 إلا توطئة كفاحية لنضال مثابر نحو فرض إنهاء الاحتلال وترسيم حدود الدولة الفلسطينية. بل، علاوة على ذلك، يجب التحذير بشدّة من التخلّي عن هذه الإنجازات التراكمية العميقة، واستبدالها بالهروب إلى الأمام نحو "حلّ الدولة الواحدة" حيث لا قناعة ديمقراطية لدى الشعبين بذلك، وحيث لا تأييدًا دوليّا، وحيث يشكّل الأمر منفذًا لحكومة الاحتلال للهرب مجددا من دفع استحقاقاتها، وحيث تتمّ شرعنة الاستيطان بمناطق الـ67، وحيث تتعمق الهيمنة الاقتصادية والمؤسساتية الإسرائيلية بنهب خيرات البلد وخلق فجوات هائلة إضافية لا يمكن التجسير عليها، وتتعزز التبعية والارتهان للإسرائيلي حتى لو تمّ الوصول إلى تسوية بعد سنوات طوال.
إن الدولة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل هي ما يخلق واقعًا نديًا أكثر بين دولتين مستقلتين، ويخفّف عُمق العداء بين الشعبين، حيث ترتبط الدولتان بمعاهدات حول العديد من القضايا السياسية والاقتصادية وحول الأماكن المقدسة في القدس. هذه العلاقة من شأنها التخفيف من وطأة الحدود بين الدولتين، وقد يختار الشعبان نوعًا من العلاقة المنفتحة بين الدولتين على شكل كونفدرالي أو غيره بناءً على الإرادة الحرّة للشعبين. هذه أقصر الطُرق وأكرمها لشكل من أشكال الاتحاد بصيَغ يختارها الشعبان بديمقراطية.
ما يزيد هذا السؤال تعقيدًا هو اتفاقيات التطبيع الأخيرة التي أبرمت بين إسرائيل من جهة وبين كل من أنظمة الإمارات العربيّة المتحدة، البحرين، وبدرجة أقل مع نظامي السودان والمغرب. سعت إسرائيل من هذه الاتفاقيات إلى تحييد وتهميش القضية الفلسطينية بعد أن كانت نقطة انطلاق لأية مفاوضات بين الدول العربية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. هذه الاتفاقيات تهدف لفرض واقع جديد في المنطقة لتعزز بذلك من الغطرسة الإسرائيلية، ولم تشكل أية وسيلة ضغط لإنهاء الاحتلال مقابل هذه الاتفاقيات، الأمر الذي فتح الباب لدول أخرى أن تدير مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ضاربةً عرض الحائط بالمبادرة العربية ذاتها التي وقّعت عليها تلك الدول، وبالخط العريض الذي ربط بين السلام مع إسرائيل وبين انهاء الاحتلال أولا. هذا الواقع المستجد يفرض تحديًا كبيرًا على المشروع الوطني الفلسطيني الذي يخسر ورقة هامة تساهم في الضغط على إسرائيل وسياساتها الاحتلالية. كما أن لهذه الاتفاقيات انعكاسات وارتدادات على الفلسطينيين في إسرائيل وعلى دورهم السياسي في المشروع الوطني الفلسطيني.
ساحة نضال الفلسطينيين في إسرائيل
كتبتُ أن حسم هذه المسألة يؤثّر في تناول المواطنة والاستراتيجيات والتحالفات والمفردات لجميع أبناء الشعب الفلسطيني، خاصة المواطنين في إسرائيل. فالنضال لإقامة دولة فلسطين إلى جانب إسرائيل يؤكد أن ساحة نضال المواطنين العرب الفلسطينيين، اليومية المباشرة، هي داخل إسرائيل وضمن المواطنة الإسرائيلية مهما كانت هرمية، مشوّهة ومنقوصة. وهم قوّة عظيمة (نحو 20% من المواطنين) لصالح إنهاء الاحتلال، حيث أن تغيير الرأي العام داخل الدولة التي تمارس الاحتلال هو العامل الثاني، بعد المقاومة، من أجل تحرّر الشعب الواقع تحت الاحتلال. مكانة المواطنين العرب هذه تفرض تحديات فلسطينية وأخرى إسرائيلية أمام المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.
طرح "الدولة إلى جانب دولة" يضع سؤالا إضافيًا حادًا، وهو: إذا أراد المواطنون العرب الفلسطينيون داخل إسرائيل مساندة شعبهم الفلسطيني بإنهاء احتلال العام 1967، فهل من مصلحة هذا النضال أن يكونوا لفلسطينيين فقط أم لمواطنين متفاعلين في إسرائيل أيضًا؟ أن يكونوا جزءًا من المجتمع الإسرائيلي مع الاحتفاظ بكامل هويتهم الوطنية والتاريخية والحضارية الفلسطينية، أم الانسلاخ عنه؟ تطبيق لمفهوم د. توما "تعاون واستقلال" المشار إليه سابقًا؟ هل بناء شراكة مع قوى مناهضة للاحتلال، وجزء منها "يسار صهيوني" أم الانعزال عنها؟
فأن تكون جزءًا من مجتمع لا يعني أن تكون جزءًا من شعب آخر، أو أن تتخلّى عن هويتك الوطنية وممارستها. أن تكون جزءًا من مجتمع يعني أيضًا أن تساهم بالقضايا الكبرى من أجل السلام، المساواة، الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وبسائر القضايا الحياتية.
نحو تكامل وطني ووظيفي فلسطيني
هذه الأسئلة تتجاوز بُعد الهوية إلى الأسئلة السياسية، العملية، المؤسساتية والإفادة المتبادلة، وفي صُلبها التنسيق لإنهاء الاحتلال، فهل العلاقة مع قيادة الشعب الفلسطيني يجب أن تقتصر على الزيارات والمشاورات والخطاب بالمناسبات كما هو الحال حتى اليوم، أم بحاجة إلى تنسيق منهجي من أجل تحقيق الهدف الكبير وهو انهاء الاحتلال؟
لقد تميّزت العلاقة النضالية بين طرفيْ الخط الأخضر ومخيمات اللجوء بالشعور الوطني الواحد والمتبادل، فاستخدام البُعد الفلسطيني إلى جانب العربي في تعريف هوية الفلسطينيين داخل إسرائيل تَعزّز بعد انتكاسة المشروع القومي في العام 1967 وسطوع دور منظمة التحرير، حيث تفاعل أهل المناطق المحتلة منذ العام 1967 ومخيمات اللجوء مع أدب المقاومة ومع يوم الأرض 1976، وخرجت أعنف المظاهرات داخل إسرائيل جرّاء مجازر صبرا وشاتيلا، عيون قارة، الانتفاضة الأولى، مجزرة الأقصى 1990، مجزرة الخليل 1994، الانتفاضة الثانية، وكل عدوان على غزّة حتى الأخير مع أحداث القدس (أيار 2021). وشاء الانتماء الواحد أن يرتقي شهداء من طرفي الخط الأخضر في الأحداث ذاتها، يوم الأرض 1976، يوم الأقصى 1990، الانتفاضة الثانية وأكتوبر 2000، هبة القدس في أيار 2021. هذا الانتماء للشعب والقضية بحاجة إلى تنظيم وتنسيق كي يُصبح فاعلًا ومؤثرًا أكثر.
العلاقة بين طرفيْ الخط الأخطر لا تنحصر بالسياسة، فلو تجاوزنا المفهوم ضمنًا من علاقات القربى والمُحتوى الثقافي والحضاري الواحد، هناك علاقات اقتصادية تصل إلى أن المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل يشترون بمبلغ ملياريْ شاقل سنويًا من أسواق الضفة[2]، ونحو 50 ألف شاب فلسطيني مواطن في إسرائيل تعلّموا ولا زالوا في جامعات الضفّة الغربية[3]. وهناك آفاق عدة نحو استفادة الأكاديمية الفلسطينية من الطاقات العلمية اللافتة والمتصاعدة للأكاديميين الفلسطينيين مواطني دولة إسرائيل وغيرها من الأمور التبادلية والإفادة المتبادلة هوياتيًا وسياسيًا واقتصاديًا وعمليًا وغيرها.
فهل تبقى الأمور الوطنية والسياسية والاقتصادية والثقافية على عواهنها أم هناك حاجة لتكامل وظيفي سياسي، ثقافي واقتصادي بين طرفيْ الخط الأخضر وسائر أبناء الشعب الفلسطيني؟
الاستحقاق الوطني يؤكد أهمية المظلة الفلسطينية الجامعة، التي أسمّيها المؤتمر الوطني الفلسطيني. والاستحقاق السياسي يؤكد أهمية التكامل الوطني والوظيفي.
منظمة التحرير الفلسطينية.
شكّلت منظمة التحرير الفلسطينية وطنًا معنويًا للفلسطينيين منذ تأسيسها (1964) نظّمت الفلسطينيين وقادت نضالهم، وأحرزت اعترافات دولية، حتى انتزعت اعتراف إسرائيل.
تعاني المنظّمة من أزمات عدّة، منها الأزمة التمثيلية. فهي لا تمثّل الفلسطينيين داخل إسرائيل لتفاهمات مضمرة بين قيادة الطرفيْن حول خصوصية الحالة الفلسطينية داخل إسرائيل. وهناك عقبات جوهرية في مسألة تمثيل فلسطينيي الأردن. ولكن مع إقامة حماس والجهاد الإسلامي، وبعد أن أصبحا إطاريْن لا يمكن تجاوزهما، تفاقمت إشكالية التمثيل الشمولي للمنظمة.
لا يستطيع الفلسطينيون في إسرائيل أن يكونوا جزءًا من المجلس الوطني الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير، لأنه قد يخلق توترًا والتزامات لا يستطيع أن يحملها مواطن في دولة تحتلّ شعبه، ويُنشئ توتّرًا زائدًا بين الانتماء الوطني والمواطنة عند اتخاذ قرارات بأشكال نضالية كالكفاح المسلّح أو المقاطعة السياسية، الاقتصادية، الثقافية، الأكاديمية وغيرها. ناهيك عن أن حالة منظمة التحرير بجوهرها وواقعها هي حالة تحرّر لغير المواطنين.
تعاني المنظمة في السنوات الأخيرة من ضعف تنظيميّ وتآكل بمكانتها. ومع ذلك فتبقى إطارًا جامعًا لأكبر الشرائح محققةً مكاسبَ ليست فقط ببُعدها التمثيليّ، بل فرضت الاعترافات الدولية وحتى فرضت الاعتراف على إسرائيل، الدولة المحتلة، كما أسلفت. ولهذا قد يكون المؤتمر الوطني الفلسطيني الجامع فكرة نبيلة ولكنّها تساهم بإضعاف المنظّمة أو خلق توتّر، أو توفير منصّة لأعداء منظمة التحرير، لهذا قد تتداخل الفكرة النبيلة بمشاريع تفريقية للنيْل من المنظّمة.
لهذا فمشروع وطني شامل ومستحقّ كهذا يجب أن يتمّ فقط بموافقة منظمة التحرير الفلسطينية، ويجب دراسة إمكانية أن يكون مرتبطًا معها بالشقّ الوطني الثقافي والتنموي والدستوري.
لهذا، هناك ضرورة حاسمة لـ:
- تأكيد أهمية وجود المؤتمر الوطني الفلسطيني الجامع الذي يُعنى بالهوية والثقافة والتمكين.
- تأكيد أهمية مأسسة التكامل الوظيفي، وهو سياسي بجوهره (وقد يحمل أبعادًا تنموية وتمكينية) لمجموعات الشعب الفلسطيني، خاصة بين قيادة الفلسطينيين في إسرائيل وقيادة منظمة التحرير.
- أن لا يتناقض الاقتراحان أعلاه مع منظمة التحرير الفلسطينية. وأن يكونا بصِلةٍ وثيقة معها، بحيث يكونان متكاملين مع المنظمة.
مشروع المؤتمر الوطني الفلسطيني لتعزيز الهوية والتمكين الفلسطيني. ومشروع التكامل الوظيفي السياسي بالأساس، ولكن أيضًا التنموي والاقتصادي، يجب أن يتمّا فقط بقرار من منظمة التحرير الفلسطينية وبتكامل مضبوط بالعلاقة معها. وهذا الشرط أساسيّ لأي تقدّم. ولأنهما جاءا ليعبّرا عن استحقاق وحاجة وطنية، عملية ومعنوية، فيجب أن يشرع النقاش مع المنظمة حولهما.
[1] للمزيد، أيمن عودة، "بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة"، صحيفة الاتحاد، 24.10.2009:
https://www.alittihad44.com/archive/10089
[2] مصدر
[3] مصدر



.png)

.png)






.png)

