الوطنية والمواطنة (6) رؤيا لتجديد المشروع السياسي للفلسطينيين في إسرائيل| أيمن عودة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في الشأن السياسي المحلي ودور السلطات المحلية العربية

"مشروعنا الأساسي كان وسيبقى وحدة أبناء شعبنا"

(توفيق زيّاد، في معارك انتخابية بلدية متكررة)

دور وحدوي للجبهة في البلدات العربية

بعد تهجير العام 1948 وفشل مشاريع التهجير في الخمسينيات، بات مشروع السلطة المخابراتي الأساسي هو السيطرة على هذا الجزء من شعبنا، تشويه انتمائه وتقسيمه عائليًا وطائفيًا. ووجدتْ المؤسسة الحاكمة في انتخابات السلطات المحلية العربية مقوّمًا ومسرحًا لتمرير مشروعها.

 وكي لا يبقى هذا التشخيص ملقى على عواهنه، لنقرأ بعضًا ممّا جاء في كتبٍ إسرائيلية لباحثين رصينين سبروا مستندات المخابرات، التي عادةً ما يُماط عنها اللثام بعد مرور ثلاثين عامًا من إقرارها، في أفضل الأحوال، حسب قوانين الأرشفة الإسرائيلية بكل ما يخصّ المسائل "الأمنية".

جاء في كتاب "الإسرائيليون الأوائل" للمؤرخ الإسرائيلي الجاد "توم سيجف": "في نهاية الخمسينيات دعم "الشين بِت" إقامة سلطات محلية عربية بهدف شرذمة الانتماء العربي، وتعزيز الولاءات الداخلية بدلًا من الانتماء الوطني الجامع". وقد ذكر "سيجف" أن "الهدف الأساسي هو تسعير التناحرات العائلية والطائفية"! وفي كتاب آخر لـ"أمنون لين" رئيس الدائرة العربية في حزب مباي ("المعراخ" فـ"العمل" لاحقًا) توقّف في مذكراته (ما قبل العاصفة) في سنوات الستينيات عند مسألة انتخابات السلطات المحلية العربية، وذكر قضية بثّ الخلافات الداخلية. وأضاف: "قيادة الـ"مباي" اقتنعت بأن وجود سلطات محلية عربية ستوزّع غضب الجمهور العربي بين المؤسسة الحاكمة وحزب "مباي" من جهة وبين السلطة العربية المحلية من جهة أخرى، خاصة أن "راكح" (الحزب الشيوعي) نجح بتأليب الجمهور العربي ضدّهما"! وفي كتاب (العرب في الدولة اليهودية) للباحث "إيان لوستيك" الذي أسّس لأبحاث وسائل الضبط والسيطرة التي تقوم بها المؤسسة الحاكمة ضد الجمهور العربي؛ جاء: "إن السلطة المحلية تبقى جزءًا من وزارة الداخلية بوعدها ووعيدها، وبهذا تكون "إحدى عوامل الضبط والسيطرة على الجمهور العربي".
وكما نلاحظ من كتاب "الحكم المحلي العربي في إسرائيل" للبروفيسور ماجد الحاج ود. هنري روزنفلد، نجحت السلطة الحاكمة إلى حدّ كبير في تحقيق أهدافها، فالانتخابات المحلية هي معركة (معركة!) محلية بامتياز، يكاد يغيب عنها البُعد السياسي بشكل كلّي لدى القوائم العائلية، وبشكل ما لدى بعض مرشحي الأحزاب السياسية. والخطاب الطاغي يصبّ حممَ غضبه وادعاءاته ضد المرشحين المنافسين، بينما يكاد ينعدم الهجوم والنقد ضد المؤسسة المركزية.

مشروع المؤسسة الحاكمة هو تقسيمنا عائليًا وطائفيًا من خلال انتخابات السلطات المحلية، وكتبتُ أن السلطة وافقت على إقامة هذه السلطات المحلية العربية. فهل معنى ذلك أن السلطة المحلية ليست حقًا لنا، أو أننا لم نناضل من أجل إقامتها في العقود الأولى للدولة؟ أو أننا يجب أن نتنازل عنها؟!

الإجابة هي لا. من حقنا نحن أن ندير شؤوننا، ونحن المطالبون بأن نفوّت الفرصة على المؤسسة الحاكمة وغاياتها وأن نسيّس المجتمع ونعزز وحدتنا الوطنية. للمؤسسة الحاكمة منطلقاتها ولنا منطلقاتنا، والتاريخ مليء بالأهداف المشتركة ولكن من منطلقات مختلفة. فمثلًا نشهد في السياسة العامة في السنوات العشرين الأخيرة أن "اليسار الصهيوني" يؤيد إقامة دولة فلسطينية ليحافظ على "أغلبية يهودية" في إسرائيل، فهل هذا سبب لنرفض نحن مطلبنا الصميمي بإقامة الدولة الفلسطينية بهدف تجسيد حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني؟! انتخابات السلطات المحلية هي حقّ لنا، وقد ناضلت جماهيرنا طيلة العقود الثلاثة الأولى من أجل انتخابات، حيث كانت التعيينات الحكومية أداة للسلطة، وإن فقدت الشرعية المجتمعية! ودفاعًا عن أهمية السلطة المحلية وأهمية انتخابها من المواطنين، وجعلها أداة للتدعيم المجتمعي ورافعة للمواجهة سياسة السلطة.

مشروع المؤسسة الحاكمة هو التفتيت العائلي والطائفي ومشروعنا هو الوحدة الوطنية والحفاظ على النسيج الاجتماعي بين أبناء شعبنا. فالتناقض الرئيسي والأمر الذي يجب أن يوجّهنا في الانتخابات المحلية هو بين هذين المشروعين، وكافة القضايا الأخرى تقع ضمن التناقضات الثانوية بعد هذه القضية الأساس: الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي لشعبنا. فهل نجحنا نحن من خلال السلطات المحلية وانتخاباتها بتكريس الوحدة الوطنية أم نجحت المؤسسة الحاكمة بتفريقنا؟ الجواب مركّب، ولكن لا يُمكن أبدًا إغفال الاختراقات التي حقّقتها السُلطة الحاكمة، كما لا يمكن إغفال الحقيقة الموضوعية أن العائلة تشكّل ظهيرًا للفرد، شبكة أمان وتدافع عنه خاصة مع غياب مرجعية الدولة، وتشتدّ هذه الحالة في السنوات الأخيرة مع تصاعد الجريمة.

مشروع الجبهة فيما يتعلق بالانتخابات المحلية والذي يتلخص بالشعار "كرامة وخدمات" استطاع أن يضع رؤية وطنية للقيادة المحلية، ومكّن من ربط القضايا المحلية بالقضية الوطنية على اعتبار أن التمييز فيها يأتي من أجل تعزيز تبعية المواطن العربي للمؤسسة الحاكمة والحد من قدراته الاحتجاجية. أبرز القضايا التي حملها المشروع الجبهوي كان النقص في المرافق الخدماتية، أوضاع البنى التحتية المهترئة، انعدام مخططات هيكلية وتفصيلية، هدم البيوت غير المرخصة والتمييز في الميزانيات المخصصة للفرد وربطها مع الصراع السياسي ومع أولويات المؤسسة الحاكمة التي تعتبر المواطنين العرب رعايا أو مواطنين منقوصي الحقوق. أؤكد في هذا السياق أن الجبهة كانت محقّة بشكل شبه كامل بُعيد يوم الأرض، وانتصرت على عناوين السلطة الحاكمة المحليين في عشرات البلدات، وكانت الجبهة مُحقّة بعد ذلك بدورة، دورتين، ولكن خلال هذه السنوات تكرّس الانقسام العمودي بين مجموعة الجبهة والمجموعة المقابِلة لها، وهذه المجموعة تضمّ أبناء شعبنا العمال والفلاحين وجزءًا كبيرًا من الوطنيين الصادقين، فمَن الذي يجب أن يقوم بمبادرة شاملة تتسّع للجميع، وتُنهي "حرب البسوس" المستمرّة منذ أربعين عامًا، هل هي هذه العائلة وحلفاؤها هنا وهناك، أم الجبهة وحلفاؤها؟

الأمر الثابت والأكثر استراتيجية هو أن تكون الإدارة الجبهوية قائدة وطنية وحدوية مهنية ونظيفة اليد، وفي صُلب ذلك قائدة عادلة تجاه كل أفراد البلد قريبة من الناس تشرح سياساتها وتنجح بجعل الناس شريكين في هذه الرؤية وهذا العمل. ولكن الواقع يكون أحيانًا، بل أحايين كثيرة، مركبًا أكثر. حتى أنه وسط المدّ الوطني الجارف بعيْد يوم الأرض وحتى في بلديْ شهداء يوم الأرض ذاته (سخنين، عرابة) كان من النادر أن تحافظ الجبهة على قيادتها دورتين متتاليتين. فكيف اليوم؟

كذلك، مهم جدًا قراءة تأثير الانتخابات المحلية على الجبهة ذاتها، فحتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية لم يخسر الحزب والجبهة أعضاءً كما خسرا من الغاضبين والمتذمّرين جرّاء انتخابات السلطات المحلية المتكررة. منهم من تحّول إلى خصوم وأعضاء في أحزاب أخرى، ومنهم من أدّى إلى شقّ الجبهة المحلية إلى أكثر من جبهة، ومنهم من فترت عزيمته وابتعد عن العمل السياسي.

وانتخابات السلطات المحلية هي التي خلقت قطاعًا واسعًا جدًا داخل كل بلدة من المعادين للجبهة يتجاوز عددهم عشرات الآلاف، وهم مستعدّون لدعم كل حزب قُطري يخوض الانتخابات ضد الجبهة، حتى لو انتقلوا من حزب لآخر ثم لآخر دون تردّد!

أحد أهم العوامل التي تحافظ على الأحزاب وتكفل استمراريتها هو قيامها بعملية تقييم شجاعة وتعديل للمسار بناءً على الحقائق والشروط الموضوعية الناتجة. وعلى هذا الاعتبار لا بد من الإشارة إلا أنه يوجد خطأ رؤيوي، وطني وتنظيمي، في شكل خوضنا انتخابات السلطات المحلية. وهنالك حاجة ماسة لإعادة قراءة دورنا وادائنا في الجانب السياسي المحلي حيث أن لدينا الكثير من الاسهامات ولدينا إخفاقات يجب الاعتراف بها والعمل على تقويم المسار والنهوض من جديد.

***

 

قرون الأيائل العائلية

 

سأقدم اقتراحًا بشأن البلدات التي تميّزت منذ أربعين عامًا بالصراع بين الجبهة من جهة وبين مجموعة في صُلبها عائلة من جهة ثانية، وطيلة السنين الطويلة لم يفز غيرهما بالرئاسة، وحتى لم يخض انتخابات الرئاسة غير هذين الفريقين، أشبه بصراع الأيائل العالقة قرونهما ببعض منذ أربعين عامًا. نستطيع أن نجد نماذج كهذه في سخنين، دير حنّا وعيلبون بالمطلق، ولكن بمفاهيم مركّبة أكثر في عرابة، كفر كنا، الطيبة، الطيرة، كابول، دير الأسد وإكسال وغيرها من البلدات. فهي تحمل ميزات مركّبة أكثر، ولكن الاصطفاف المركزي شبه ثابت.

برؤية وطنية تسعى لتغيير الواقع من خلاله لا من فوقه، أقترح أن يتوسّع مفهوم العمل الجبهوي التحالفي بحيث يشمل أولا المنافسين التقليديين للجبهة وسائر أبناء البلدة. أن يتمّ الاتفاق على قيادة مشتركة لمدة دورتين للجبهة والمنافسين الدائمين وسائر أبناء البلدة. لا بأس أن تكون الدورة الأولى بقيادة شخصية وطنية، تقدمية ومهنية من الفريق المنافس وتكون الجبهة قائمة بأعماله وفي الدورة الثانية بالعكس، حيث الرئاسة للجبهة والفريق المنافس قائمًا بالأعمال. ولكنّ الأهم، وهنا هدف المشروع الأساسيّ، هو انتهاز السنوات العشر للعمل على التقريب بين الناس والسعي المشترك لخدمة البلد وتسييس البلد وطنيًا بمواجهة التناقض الرئيسي وهو السلطة المركزية.

المشروع مفيد للفريقين، حيث أن الفريقين في غالبية المواقع يعيشان كرًا وفرًا منذ أربعين عامًا، والانتخابات لا تعزّز التعصّب العائلي وحسب، وإنما تكلّف أموالا يتبعها التزامات لرؤوس الأموال وتشويهات إدارية. أما ما اقترحه فهو مجدٍ للفريقين، وبالأساس لأهالي البلد، حيث سيكونان بقيادة البلد مدة عشر سنوات متتالية مما يتيح إمكانية الإدارة السليمة وغير الخاضعة لأي إملاء من أصحاب رؤوس الأموال وغيرهم، كما تكون إمكانية للتخطيط الاستراتيجي أكثر من المسابقة على التنافس دورة بعد دورة، والأهم هو التقريب بين الناس ووحدتهم وتسييسهم بمواجهة سياسات المؤسسة الحاكمة، ويبقى هذا مشروعنا الأساسي.

قبل نحو عشر سنوات حين كنت سكرتيرًا للجبهة وطيّب الذكر محمد نفاع سكرتيرًا عامًا للحزب الشيوعي دعمنا بدايات هذه الفكرة في سخنين ودير حنّا، وفي سنة 2013 قامت جبهة دير الأسد بخطوة خاطفة بأن تحالفت مع المنافس التقليدي، ولكنه كان تحالفًا لظرف تكتيكي ولمدّة دورة واحدة ودون تبادلية ودون تثقيف على أهمية ذلك.

 الرؤية المطروحة تُلائم بلدات ولا تلائم أُخرى. لهذا فهي وصفة جدلية تلائم كليًا أو جزئيًا بلدة ما ولا تلائم أبدًا غيرها. وقد يقول قائل بأن الفكرة تواصل التماشي مع العائلية أو أنها تبحث عن حلّ فوقيّ. ولكنّ على أصحاب هذا الاعتراض أن ينتبهوا إلى أن الجبهة في أوج المدّ الوطني ومع بعض المقدّرات منها منح التعليم الجامعي في خارج البلاد، لم تخترق عائلات منافسة إلا في حالات استثنائية وكذلك لم تحافظ على دورتين متتاليتين سوى في الناصرة ويافة الناصرة وإكسال. فكيف اليوم؟ إن ما أطرحه يهدف إلى تفكيك التشنجات العائلية التي تتصارع بذات الاصطفاف عمومًا منذ أربعين سنة، حتى في أوج المدّ الوطني والجبهوي، وإيجاد فُرص للحوار والتسييس. إن وجود عشر سنوات من التوافق من شأنه خلق أجواء جديدة، ويجنّب البلد ابتزازات يُدفع ثمنها على حساب المواطن، كما أن الجبهة تكون مركزية في إدارة البلد طيلة السنوات العشر، وتجد معادلات قُطرية جديدة لدعم الجبهة قطريًا من قبل شرائح جديدة.

لا شكّ أن بعض حلفاء الجبهة وقائمة الرئاسة المنافسة سيبحثون عن مكانتهم في ظلّ الفكرة الجديدة، ولكن بالإمكان، وحتى المطلوب، إيجاد معادلة جامعة.

حيث يُقبل اقتراح الجبهة تكون قد خلقت واقعًا جديدًا، وحيث يُرفض اقتراح الجبهة، تكون الجبهة قد قدّمت بديلا جامعًا مقرّبًا رافضًا للعائلية التناحرية وباحثًا عن وحدة البلد وتسييسها بمواجهة التناقض الرئيسي وهو المؤسسة الحاكمة. يجب أن يكون مشروع الجبهة الأساسي هو وحدة أهل البلد الوطنية والمجتمعية بمواجهة المؤسسة الحاكمة وهذا أنبل الأهداف. (يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين