الوطنية والمواطنة (7) رؤيا لتجديد المشروع السياسي للفلسطينيين في إسرائيل | أيمن عودة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في الشأن الثقافي

"الإنجليز والحركة الصهيونية فرضوا علينا تحديا ثقافيًا وحضاريًا، وليس سياسيًا وحسب."

(إميل حبيبي)

تجديد المشروع الثقافي الوطني

الثقافة هي الجبهة الخلفية والعُمق الحقيقي والروح الحيّة لقدرة أي شعب على الصمود وتحقيق الذات والاهداف. هي التي تكمن فيها القوة على الرفض، التحريض، والتحدي وفرض الذات الجماعية. الثقافة خير مكوّن لوجدان الشعب، صبره، تحمّله، صلابته، مواجهة الأزمات، تحدّيه، تفاؤله، كيفية تحيدد أهدافه واستراتيجيته وكيفية التعبير عنها. الثقافة تقيس موقع الشعب برؤية تاريخية عميقة ورؤية مستشرفة المستقبل، تشدّ العضد لرفض الظُلم والفوقية. إن أية هزيمة بالقوة تبقى قابلة للتغيير ما دام الشعب لم يُهزم ثقافيًا.

ليس هناك ثقافة واحدة تعبّر عن المجتمع ككل، وإنما هناك ثقافة تعبّر عن مصالح السلطة أو الفئات الحاكمة المتسلطة، وثقافة أخرى تعبّر عن جماهير الشعب. بتعبير آخر فإن للثقافة مبنىً طبقيًا وسياقًا سياسيًا واجتماعيًّا بارزًا دون أن يتنافى هذا مع وجود ما يبدو كطابع ثقافي عام. هي ليست كتلة صماء متعالية فوق التاريخ والأوضاع الاجتماعية. الثقافة التي تجيب على حاجة مجتمعنا وفئاته الشعبية، هي تلك التي تؤكد على الكرامة اليومية والجماعية، وطنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، ضمن مشروع حقيقي.  

يعيش المواطنون العرب الفلسطينيون داخل الدولة التي قامت على أنقاضهم بعد انتصار الحركة الصهيونية على شعبهم، بعد انتصارها عليهم! ومنذ ذلك الحين والسياسات الرسمية تعاديهم ابتداءً من الحكم العسكري وحتى قانون القومية وما زالت. هذا الواقع فرض مخاطر سأقدّم نموذج لها، واقترح المشروع الثقافي المرادف للسياسي الذي أعتقد أنه يشكل تحديًا ويبني أفقًا للانتصار على السياسات المعادية.

نكبة المدينة

نُكبت فلسطين بقراها ومدنها، بقيت عشرات القرى، ولكنّ نكبة المدينة كانت شاملة في المناطق التي أُقيمت عليها إسرائيل، حيث لم تبقَ مدينة واحدة على حالها- ما عدا الناصرة وشفاعمرو اللتين لم تكونا قد تبلورتا مدنيًا بالمفهوم السوسيولوجي حتى العام 1948.

لقد بكى الفلسطينيون يافا كما لم يبكوا مدينة أُخرى. ويكتب سليم تماري: تاريخ يافا هو تاريخ التقاء أوروبا بفلسطين. ولكنّ يافا حطّمتها النكبة، أما حيفا فيكفي ذِكر أنّ عشرين صحيفة أصدرها مثقفو المدينة بين الحربين العالميتين، ليَبان دورها المدني والثقافي الناهض.

في المدينة يكون السؤال: من أنت؟ أما في القرية فالسؤال: ابن من أنت؟ في المدينة أنت فرد بحدّ ذاته. في القرية أنت ابن لمجموعة عائلية أو بطن من عائلة أو طائفة تُصنّف من خلالها وتُعامل وفق ذلك. أليس هذا هو ربما ما جعل السيد المسيح يقول: لا كرامة لنبيّ في وطنه؟!

انطلق العمل السياسي المركزي للفلسطينيين بعد النكبة من مدينتيْ حيفا والناصرة. اُستمدت مركزية حيفا السياسية والثقافية من مركزية الحزب الشيوعي فيها وانضمام ثلّة من الشباب المثقف والوطني والمتحمّس إليها، فأصدروا من حيفا الاتحاد، المهماز، ولاحقًا الجديد والغد. ومنذ الخمسينيات تتوافد إلى حيفا مجموعات من خريجي الجامعات الباحثين عن عمل في مؤسسات المدينة، ومنذ السبعينيات يتفاعل بها الطلاب الجامعيون حيث أن النسبة الأكبر منهم تعلمت وتتعلم في المؤسسات الأكاديمية الحيفاوية، وقسم منهم يبقى في المدنية. 

بينما استمدت الناصرة مركزيتها من بُعدها التاريخي وعدد سكانها وموقعها الجغرافي حيث التواجد العربيّ الأكبر، وكذلك نشوء حزب شيوعيّ قويّ حافظ على دعم شعبيّ اقترب دائمًا من نصف المجتمع النصراويّ قُبيْل الفوز برئاسة البلدية في منتصف سبعينيات القرن الماضي. في الناصرة كانت المظاهرة السنوية الكبرى في الأوّل من أيّار وأفضت إلى الانتفاضة الأولى للفلسطينيين في إسرائيل في أيار 1958. وكرّست الناصرة ريادتها بانتصار جبهة الناصرة في انتخابات البلدية عام 1975، ما شكّل انعطافًا سياسيًا كبيرًا. وفي الناصرة جرى التفكير الجدّي وكذلك التخطيط لبناء مؤسسات جامعة: كالجامعة، المسرح، المركز الثقافي وغيرها. جزءٌ لم يتحقق، وجزء خطا بدايات متعثرة ثم خبا وجزء تأسس وقام بدور هام.

فالمدينة بالإضافة إلى البُعد السوسيولوجي الأهمّ وهو الروح الفردية، فيها المركز السياسي والثقافي، مركز التخطيط القومي، المركز الثقافي، الجامعة، المكتبة الوطنية، المتحف الوطني، المسرح الوطني، قاعة المعارض، فرقة الموسيقى الوطنية، دور النشر، الصُحف الكبرى ومقاهي المثقفين.

حتى اليوم ورغم اقتراب عدد الفلسطينيين في إسرائيل إلى مليونيّ نسمة، ونشوء فئة مثقفين ومتعلمين عريضة جدًا إلا أن الفلسطينيين في إسرائيل لم يطوّروا مركزهم السياسي والثقافي بما يليق ويفيد وينتجع مركزًا يشعّ بتأثيره على ما حوله، وإن كانت هناك بدايات أولية ثابتة أو متعثرة. هذا من أهم المشاريع السياسية والثقافية.

حدث تراجع كبير في الدور القياديّ المعلّق على الناصرة سياسيًا وثقافيًا، حيث لا تشارك الإدارة الحالية للبلدية فعليًا في الهيئات التمثيلية للمواطنين العرب، ويمكن القول إن مجمل العمل الوطني والثقافي للمواطنين العرب سيبقى معطوبًا دون مركزية الناصرة، وهذا يتطلب تحالفًا وطنيًا ورؤيويًا لجبهة الناصرة الديمقراطية مع سائر التيارات الوطنية ومجموعات وطنية محلية في البلد كي يبذلوا كل جهد من أجل هذه المهمة الوطنية الكبرى.

أزمة الثقة بالذات الجمعية 

الثقة في الذات الجماعية من أهمّ مقوّمات النهضة لدى الشعوب، وعدم الثقة بالذات الجماعية أو الشعور بالدونية القومية هو من أبرز عوامل الإعاقة العميقة لتقدّمها. هذا الأزمة حين تحلّ، تتعمّق أكثر عند الجيل الشاب وهي مرتبطة بمفهوم الهوية وعُمق الانتماء وتقويم الشعب لذاته، تاريخه، حضارته ومكانته اليوم، ومقارنته بالشعوب، خاصة بالشعب الذي يقاسمه البلاد. 

قبل عقد من الزمان كنت أُحاضر في نحو سبعين مدرسة سنويًا وألتقي آلاف تلاميذ الثانوية وكنت أتلقّى سؤالا بلاغيًا: لو أنك تعيش في دولة عربية هل ستكون راضيًا أكثر؟ وفي الأوساط العلمانية كان سؤال الحرية الاجتماعية مقارِنًا بين إسرائيل والدول العربية. كان هذان السؤالان مركزييْن في معظم المدارس التي زرتها طيلة عقد كامل من السنين. هذا الشعور يبدأ بالتغير بعد ارتفاع منسوب الوعي والتفاعل مع المجتمع الإسرائيلي العام، نشهد ذلك لدى الطلاب الجامعيين بوضوح، إلى أن تتوازن القناعات رويدًا رويدًا حتى يجد البُعد الوطني موقعه في مرحلة العشرينيات وصاعدًا. وكم جاءني طلاب جامعات ليشاركوني كيف تغيّرت قناعاتهم السابقة التي عبّروا عنها أمامي في فترة المدارس.

هناك أسباب لهذا الشعور، منها أن شعبنا هُزم في العام 1948، والأمة العربية هُزمت في العام 1967، والعالم العربي مأزوم في نواحٍ عدة، والمشروع النهضوي ضُرب في 1967 وتلته ضربات قاصمة آخرها نكوص الربيع العربي وحرفه عن مساراته الثورية من قبل قوى محافظة ورجعية، سواء في السلطة السابقة أو فيمن تزاحمها عليها. والشاب العربي الفلسطيني في إسرائيل ينظر إلى هذا الواقع المحيط، وفيه إلى السلطتين الفلسطينيتين أيضًا فلا يرى النموذج الذي يصبو، بل يحتاج، إلى التماهي به. أما في داخل إسرائيل فالفروق في الوضع الاقتصادي وآفاق التطور مختلفة بين اليهود والعرب نتيجة لسياسة التمييز القومي الرسمية.

يعتمل داخل الشاب الفلسطينيّ غموض حول مكانة فلسطين الحضارية والعلمية والثقافية قبل العام 1948. المؤسسة الحاكمة تروّج الرواية الصهيونية عن إحياء القفار التي تبلغ أشدّ التزييف والنكران في المقولة الصهيونية بأن اليهود "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب!". وقد يتساءل الشاب العربي: لماذا تقدم إسرائيل نموذجًا مؤسساتيا سياسيا واقتصاديا وعسكريًا متقدما عن الدول العربية؟ حتى المشروع القومي العربي الطموح يصطدم بحقيقة أن إسرائيل صاحبة الدور الأكبر في الانتصار عليه عام 1967 وغيره. ويتعزز هذا السؤال لدى الشباب العربي في ظل محاولات المؤسسة الحاكمة انشاء نتوء في نظامها السياسي يتيح للفلسطينيين فسحة محدودة الحيّز والسقف للاندماج الاقتصادي. 

إن تغيير منهاج التعليم ومجمل السياسة التعليمية والتثقيفية هي الهدف الأساس بهذا الصدد، وحتى ذلك الحين فوجود تثقيف بديل منهجيّ هو أحد الأجوبة المرحلية، حتى النجاح بتغيير المنهاج التعليمي وسائر التوجهات الرسمية. وحول ذلك سأفصّل لاحقًا.

لا يمكن تعميق الانتماء الوطني والقومي والتاريخي دون مراجعة نقدية، ويجب مشاركة الشباب بنقد التجربة وطنيًا وعلميًا والتأكيد على قدرة هذا الشعب الذي يستند على قدرات راسخة. فهناك إجماع عربي أن الثقافة العربية، وتحديدًا اللغة العربية وكذلك الموسيقى، على مستوى يتجاوز ويفوق مستوى ما لدى الشعب الآخر اليهودي. هذا إضافة إلى كوننا أهل الوطن متصالحين مع التاريخ والجغرافية ولدينا امتداد قومي وثقافي واسع جدًا يحيطنا.  هذي كلها أبعاد مؤسِّسة وصلبة للاعتزاز القومي.

وهناك حقائق موضوعية تستدعي هذه الثقة الجماعية لدى المواطنين العرب. منها النجاح في البقاء، الحفاظ على الهوية الوطنية، التعامل بهامة مرفوعة لا سيمّا منذ سنوات السبعينيات، نسبة الطلاب العرب العالية في الجامعات، ونسبة العرب الأطباء وفي الطواقم الطبية، محاضري الجامعات، ومؤخرًا القفزة في عدد المحاضرين العرب بالمعاهد العليا العلمية والعاملين والباحثين في مجال الهايتك، ناهيك عن المحاضرين في سائر الكليات والمعاهد العليا.

نجاحات شخصية ومعوقات جماعية

لا يمكن التقليل من أثر البيئة المُحيطة على النجاحات الفردية وارتدادها الايجابي عمومًا على البيئة الجمعية، ومع ذلك فالمراقب يرى بوضوح أن لدى المجتمع العربي نجاحات فردية تتكثّف بقوة في العقدين الأخيرين، دون أن يرافق ذلك نجاحات جماعية موازية بنفس الكثافة والنوعية. 

كما لا يمكن للباحث الجاد أن يتغاضى عن دور المؤسسة الحاكمة في قمع البناء الجماعي للمواطنين العرب، بدءًا من الأمور الأساسية مثل عدم الاعتراف بهم كمجموعة ومنع تأسيس وتمويل مؤسسات جماعية قومية أو ثقافية أو حتى اجتماعية وصحية، كالجامعة أو المستشفى، ناهيك عن بناء مدن جديدة.

ولكنّ هناك خللا مجتمعيًا لا يمكن التغاضي عنه فتدخل قرية تُبنى بها بيوت فارهة تصل مئات الأمتار محاطة بالحجر العربي الجميل وتحتّل ما يقارب كل الأرض الخاصة، ولكن يرفض أصحابها التنازل عن متر واحد لتوسيع الشارع للصالح العام. تمرّ السيارة الفارهة بشارع ضيّق أشبه بشوارع المخيمات، ولكن الأبنية أشبه بأحياء الثراء في مدن العالم الثالث. 

ومن تجليّات النجاحات الفردية والإشكالية الجماعية أن نجاحات شبابنا العلمية اللافتة لا تتحقق في مؤسسة أكاديمية خُططت على يد عرب أو حتى مواطنين من الشعبين، صحيح أن المواطنين العرب يدفعون الضرائب، وصحيح أن المؤسسة الحاكمة استفادت مما نهبته من خيرات الوطن، وطن الفلسطينيين، ولكن الذي بنى الجامعة أو المعهد العلمي او الطبي ليست الدولة وحسب وإنما متبرعون يهود من الخارج، وجزء من المؤسسات بنتها الحركة الصهيونية ومهدت لها حتى قبل العام 1948، أي بناها من انتصر على شعبنا في العام 1948، ونحن نتطوّر فرديًا ضمن هذه المؤسسات.

 جزء من أزمة النجاحات الفردية والإشكالية الجماعية أنه حتى مؤسسات المجتمع المدني التي من المفترض أن تكون مدنية وديمقراطية أسسها شباب مثقفون، إلا أنها تستنسخ ذات العقلية، فمدير الجمعية يبقى عقودًا في إدارتها ومن يتغيّر هو الهيئة الإدارية، أي يبقى الفرد وتتغيّر الجماعة، المدير العام هو الذي يغيّر الإدارة (الجماعة) وليس بالعكس كما الأمر في العمل المؤسساتي الديمقراطي والمهني. 

من أبرز علامات النجاحات الفردية والإشكالية الجماعية التي تقود إلى خلل مجتمعي، رؤية الجيل الشاب يصطفّ في المرحلة الثانوية بين التخصص العلمي والأدبي وفقًا لعلاماته بشكل ميكانيكي صارم، وليس وفقًا لميوله الشخصية أو الحاجة المجتمعية. فلماذا يجب أن يذهب كل أصحاب أعلى العلامات لتعلّم الطب وبذل طاقات هائلة في مناوبات ساعات الليل الطوال في المستشفيات، ولا يذهب هؤلاء، أصحاب القدرات الذهنية العالية، لتعلّم علم الاجتماع، الفلسفة، الآداب، الموسيقى، الرياضة وغيرها؟ أليس السبب، من بين أسباب أخرى، تفضيل الضمان الشخصي والمكانة المجتمعية التقليدية والمردود المالي على الاحتياج المجتمعي، والذي يجب الانتباه إلى أنه يتوافق وبالضرورة مع ميول عدد كبير من هؤلاء الشباب التي هي أصلا في الحقيقة ميول أدبية أو اجتماعية وليس حصرًا طبية أو هندسية، لكنهم يتنازلون عنها من باب الخضوع لأفكار وتوقعات سائدة؟

هذه النماذج التي سُقتها أعلاه تشير لوجود عطب مجتمعي يؤدي إلى مراكمة نجاحات فردية لا يرافقها بالتوازي نجاح جماعي إلا بقدر انعكاس نجاح الإنسان الفردي على المجموعة، وهذا يختلف عن انعكاس نجاحات علمية وثقافية ذات طابع جماعي على المجموعة.

عندما أتحدث هنا عن البُعد الجماعيّ فأقصد القوميّ أو حتى البلديّ، ولكنّ لا أقصد الجماعيّ العائليّ بمفهوم العائلة النواة، فبهذه الحالة هناك حالة ممتدّة من التعاضد المثير للإعجاب، فنِسَب عالية جدًا من العائلات المصغرة (النواة) جاهزة لكل تضحية من أجل تعليم أبنائها، وتتكاتف لبناء بيوت أبنائها، وبعض منها يبني مصالح تجارية جماعية وناجحة. بل أقصد المعوقات الجماعية التي تتخطى العائلة الواحدة وصولاً إلى مستوى البلدة أو المجتمع أو الشعب بأسره. 

ليس المطلوب أن يعيش الإنسان ضنك العيش من أجل مجتمعه. بل إن جزءًا من المشروع الوطني يجب أن يشمل جوابًا للتوجيه التعليمي والمهني وضمان مكان عمل لائق، مع التأكيد على أن المجالات أصبحت متعددة وتؤكد الضمان الاقتصادي والجيد جدًا للمجتهدين ناهيك عن المتميّزين. هذا جزء من عمل مركز التخطيط الاستراتيجي المقترح الذي ذكرته في فصل بناء المؤسسات، وفي هذا المضمار فالهدف هو المساهمة بتوزيع القدرات إلى ما يحتاجه الشعب في البُعد التعددي الشامل، مع ضمان نجاح الإنسان الفردي بما يشمل الاقتصادي والعيش الكريم.

التماهي مع القاهر

كثيرًا ما ينتبه النائب في الكنيست أن موقفه المجرّد في الإعلام العبري لم ينل استحسان شرائح من شعبه، وقد يقرأ انتقارات حادة على صفحات التواصل الاجتماعي، حتى يأتي قرظ المعلقين اليهود فإذا كان إيجابيًا تبدأ الصورة بالتغيّر كليًا لدى المواطن العربي. وأذكر أنني كنت مواظبًا على حضور اجتماعات شعبية لحزب قوميّ، ورغم قوميته إلا أنه كان يدعو مفكرًا أو أكاديميًا يهوديًا بشكل دائم، وعندما يمدح هذا الأكاديمي اليهودي بالحزب القومي العربي وقائده يبدأ التصفيق الحار، ويصبح كلامه محور الحديث لاحقًا، باعتباره يؤكد صحة أوعُمق أو أهمية هذا الحزب وقائده.

لا تملك إلا الاعجاب الشديد بابن خلدون الذي كان، منذ التاريخ الوسيط، أوّل من التفت إلى هذه الظاهرة العميقة حين كتب في المقدمة: "المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده". لننتبه إلى الكلمتين: مولع أبدًا!

هذه الظاهرة خطيرة آنيًا واستراتيجيًا لأنها تجعل العربي تبعيًا ومقلّدًا في العلاقة بين الشعبين. قد لا يرضى بالفُتات، ولكنه يرضى بفوقية وأولوية اليهوديّ على مستوى الحياة اليومية، مكان العمل، وعلى مستوى مبنى الدولة. هنا، مرة أخرى، لن تكفي النجاحات الفردية وحدها للتخلّص من هذه العُقدة، وحدها النجاحات الجماعية تُحرّر من هذه العُقدة وفي صُلبها المشروع الوطني السياسي الجامع وبناء المؤسسات كما اقترحت على مدار هذه الأطروحة.

الإدارة الذاتية الثقافية

أواخر العام 2021 قال لي أحد معلمي التاريخ البارزين في مدارس حيفا إنه يقف سنويًا أمام التلاميذ، ويقول لهم: أنا أعلّمكم الحقيقة والكذب. أكتبوا الكذب كي تنجحوا بالامتحان، ولكن احفظوا الحقيقة لأنفسكم. 

تصرّف معلّم التاريخ الحيفاوي هو فعل نموذجي للوطنية في ظلّ القمع، وهو فعل تتذكره الأجيال بتقدير وشعور بالاعتزاز عن صمود المواطنين العرب في الظروف المعقدة حد العبث. هذا التصرّف يتردد لدى معلّمين وطنيين على مر تاريخ المواطنين العرب في ظلّ المواطنة الإسرائيلية. وهو تصرّف رمزي لمسيرة المواطنين العرب الذين كانوا منذ النكبة يتعاملون مع "الخواجا" بل حتى يتساهلون بعبرنة أسمائهم في أماكن العمل، ولكن بحلول ساعات المغرب كانوا يسمعون خطابات جمال عبد الناصر. ما كان مقبولا كأسلوب تقيّة لا يمكن أن يكون مقبولا اليوم مع الإنجازات المكتسبة بفعل الصمود والنضال، ومع ازدياد فئة المتعلمين وحيث وسائل الإعلام منفتحة أكثر والعالم منكشف على بعضه مع اقتراب عدد المواطنين العرب إلى مليوني نسمة.

من هنا، فالاقتراح الذي قدّمته بورقة بناء المؤسسات عن ضرورة إقامة اتحاد المعلمين العرب وتجديد لجنة الطلاب الثانويين إلى جانب لجنة أولياء أمور العرب، يجب أن يوجّه لمواجهة المنهاج والمفاهيم اللذين يشوّهان الانتماء القومي. هذا مشروع وطني بامتياز، لأن تقويض الانتماء الوطني وترسيخ الشعور بالدونية يشكّل أعمق الأزمات الوطنية التي تمرّ بها الشعوب.

إلى جانب ذلك، وحتى مع تجديد لجنة الطلاب وتأطير المعلمين العرب فهذه الحالة يجب أن تظلّ بمثابة الحالة الطارئة، إذ أن الحالة الأكثر استراتيجية هي الإدارة الذاتية الثقافية المعترف بها رسميًا وفق القانون، تحت سقف ديمقراطي عام لكلّ المواطنين، وبهذا أعترض على المفهوم التاريخي للحكم الذاتي الثقافي الذي يتعامل مع المجموعات القومية ككتل منفردة صمّاء.  

ليس صحيحًا وليس من مصلحة المواطن العربي ولا المجتمع عمومًا بناء حكم ذاتي ثقافي شامل مُحكَم ومنغلق. ليس صحيًا أن يتعلّم الطالب العربي ما يريد والطالب اليهودي ما يريد، أو ما يُراد له، بما يشمل العنصرية والفوقية. المؤسسة الحاكمة لن تسمح للعربي بتعلّم ما يريد، ولن تعلّم الطالب اليهود القيَم الديمقراطية الجوهرية، دون دمقرطتها هي بنفسها. لهذا فمصلحة المواطن العربي أن يكون جزءًا من النضال السياسي، الاجتماعي والاقتصادي والثقافي من أجل دمقرطة المؤسسة برّمتها لأن حيّزه المدني كمواطن متساوٍ لا يُختزل في "حدود" أية إدارة ثقافية بل هو الحيّز المدني برمّته. 

كما أن القضايا الاجتماعية مثل المساواة بين المرأة والرجل وسؤال الحريات هي مصدر خلاف داخل أبناء الأقلية العربية الفلسطينية نفسها مثلما هي مصدر خلاف داخل الأكثرية اليهودية، ولا يمكن قمعها بحجة الانتماء القومي الواحد، فالإنسان متعدد الانتماءات والرؤى حتى لو كان ابنًا لأقلية قومية تُعاني الاضطهاد الرسمي.

فالإطار العام للمواطنين، يهودًا وعربًا، يجب أن يكون كلّه ديمقراطيًا محترِمًا للخصوصية القومية والثقافية للشعبين وللعدالة الاجتماعية وللقيم الكونية، وفيه يخوض المواطنون العرب نضالا من أجل الرواية الحقيقة وكذلك تحديد جوهر وطابع الدولة بكافة مناحيها.

الثقافة العامة

صاعقة هي بيانات اليونسكو حول نسب القراءة لدى الشعوب، إذ أظهرت عام 2018 أن متوسط القراءة الحرة للطفل العربي هو بضع دقائق في السنة، مقابل 12 ألف دقيقة في العالم الغربي. وتأكيدًا لذلك أظهر تقرير مؤسسة الفكر العربي أن متوسط قراءة الفرد الأوروبي يبلغ نحو 200 ساعة سنويًا بينما لا يتعدى المتوسط للعربي 6 دقائق.

هو الإسلام الذي أطلق على اليهود إسم "أهل الكتاب" المترجم عبريًا لـ"شعب الكتاب". ولا شكّ أن هناك اهتمامًا جديًا بالقراءة للشعب اليهودي في إسرائيل، فحوانيت الكتب مثل شركتيْ "ستيماتسكي" و"تسومت سفاريم" تتواجد ضمن كل مباني التجمعات التجارية وكذلك المراكز التجارية المفتوحة، ويؤمّها الناس كما يؤمّون سائر حوانيت الاحتياجات المعيشية، ويوجد مشروع تقوده الدولة من أجل ذلك، وتوجد جاهزية شعبية، وأبرز هذه المشاريع أسبوع الكتاب العبري في شهر حزيران من كل عام، حيث تُعرض عشرات آلاف الكتب تتصدّرها الكتب الحديثة، وذلك في ميادين وشوارع المدن الكبرى والمتوسطة، فمثلًا في حزيران 2021 شمل المعرض خمسًا وأربعين مدينة.

يصدر في إسرائيل سنويا 7000 عنوان جديد من كتب ومجلات، أي عنوان لكل 1140 مواطنًا، ما يعادل عشرة أضعاف إصدارات العناوين في الولايات المتحدة، أما في لبنان فيخرج إلى النور سنويًا زهاء 300 عنوان جديد، أقل من 5% من الكتب الصادرة في إسرائيل. وهذه بيروت التي قال عنها عميد الأدب العربي د. طه حسين: "القاهرة تكتب، بيروت تطبع، والعراق يقرأ". ولكن تلك كانت سنوات الستينيات. 

المفارقة أنه بسبب أدوات التواصل الاجتماعي فالناس يقرأون أكثر من ذي قبل، ولكنهم يقرأون دردشة كاللقاءات الحياتية ولكن بدلا من الدردشة الوجاهيّة المباشرة فهي تتمّ اليوم عبر وسائل التواصل، بعيدًا عن جودة الكتب، عُمقها، منهجيتها وشموليتها. أي القراءة زادت ولكن مستوى المكتوب قد انخفض.

لكن القراءة بالنسبة للمواطنين العرب تختلف كليًا عن الشعوب التي تعيش في دولها، فالقراءة بهذه الحالة ليست ثقافة وإنما هوية تكرّس العنصر الأساسي منها وهي اللغة بالإضافة إلى الروح الحضارية للشعب.

يجب فرض الحقّ بأن تدعم الحكومة معرضًا سنويًا للكتاب العربي، بالميزانية فقط ودون التدخّل أبدًا في عناوينه ومضامينه. هذا ليس تقليدًا إسرائيليًا وإنما عالميّ وعربيّ. ومطلوب دعم حكومي لتخفيض أسعار الكتب العربية في حوانيت الكتب، وإجراء مسابقات في القراءة كمًا ونوعًا لمختلف الأجيال، خاصة الصغيرة والشابة منها.

أحد التقاليد الهامة في سياق الثقافة هو اللقاء الثقافي الأسبوعي صباح يوم العطلة الأسبوعي. هذا الأمر معهود لدى العديد من شعوب العالم. وفي إسرائيل تدعم الحكومة هذا اللقاء الأسبوعي تحت إسم "سبت ثقافة" שבת תרבות، حيث يجتمع أهالي البلدة صباح يوم العطلة الأسبوعيّ لساعة سياسة أو مناقشة قضية اجتماعية من خلال ندوة يحاور فيها صحفي مثقفًا أو سياسيًا، ويُترك مجال لأسئلة الناس. منذ سنتين باشرت مدينة باقة الغربية بنشاط مشابه أسمته "صباح الثقافة"، وهي تجربة يجب أن تُعمّم وستجد تفاعلا جيدًا في العديد من البلدات.

يستطيع الفلسطينيون في إسرائيل مأسسة المشاريع لإحياء وتطوير التراث الثقافي الفلسطيني، والاستفادة من مضمونه التقدمي كأداة تطوير لا لأجل النوستالجيا. هذا إلى جانب إنشاء فرقة فلهرمونية موسيقية، جامعة، مسرح وطني، ناهيك عن المؤسسات التي فصّلتها في الورقة الخاصة بالمؤسسات مثل المكتبة الوطنية، بيت الذاكرة، وكذلك تنشيط المهرجانات الثقافية واللقاءات مع الجماهير الواسعة.

في إسرائيل، كما في معظم دول العالم، توزّع الدولة جوائز رسمية، ولكن في إسرائيل يغلب الاعتبار الصهيوني على الخيارات، ونادرًا ما تسلّم الجائزة إلى عربيّ. ولعلّ حصول الأديب إميل حبيبي على الجائزة يشكّل النموذج الصارخ لهذه الإشكالية، مع اعترافي الأخلاقي أنني أؤيّد خطوة حبيبي لأنها فرضت على المؤسسة اعترافًا بالحضور القومي والثقافي للفلسطينيين. ولكن بنفس جدلية فرض الذات والتمكين، وكذلك المطالبة الملحّة بالحيّز العام، فتجب إقامة دائرة وطنية رسمية تسلّم جوائز للمتميّزين بشتى المجالات.

في ضوء هذه الرؤية، يجدر بكافة الفعاليات أن تتمّ باتجاهين: الأمر الأساسي أن الثقافة حقّ للمواطن العرب يجب أن يحصل على موارد ومقوّمات ممارسته، ماديًا، من الدولة. وفي الوقت ذاته طالما واصلت المؤسسة الحاكمة رفض توفير هذا الحق لموقفها العنصريّ، فعلى التنظيم السياسي القيام بهذا الدور. وهذا سيكون أيضًا جزءًا من هيمنة ثقافية تؤثّر في الدولة. مثال على ذلك: حتى سنوات التسعينيات لم يتضمّن منهاج التعليم العربي أية قصيدة وطنية، وكانت وسائل الإعلام المؤسساتية الناطقة باللغة العربية صهيونية المُحتوى والشكل، ولكن تعزيز الانتماء الوطني المستمر بما يشمل الثقافة الوطنية ثمّ الانفتاح الإعلامي، أدّيا إلى كساد هذه السياسة. بالتالي فمواصلة فرض الذات الجماعية وتمكينها، ومواصلة الضغط على المؤسسة لنيل الحق، سيلتقيان بقوّة في تحقيق الذات القومية والثقافية للمواطنين العرب. 

هنا التنظيم السياسي ركن أساسيّ في كل هذه المعادلة، وكما يمكن للفلسطينيين أن يروا، فمع تشكيل منظمة التحرير وأذرعها الثقافية، شكّلت تماسكًا وجدانيًا ونوعًا من الوحدة الروحية في ظلّ غياب الدولة. وهذا ما قامت به الحركة الوطنية هنا، وفي صُلبها الحزب الشيوعي، باقتدار، خاصة في العقود الأولى بعد النكبة. ولكن، يجدر التكرار للتأكيد، هذه الحالة هي الطارئة نتيجة لمواجهة المؤسسة الحاكمة والدفاع عن الذات الوطنية والثقافية، أما الهدف فيظل فرض اعتراف المؤسسة الحاكمة بذاتنا القومية وبجميع استحقاقات هذا الانتماء.

جاءني مرّة النائب العربي من حزب ميرتس علي صلالحة، وأخبرني كم هو متأثّر من أن برنامج توجيه القيادة والتموضع على الطرق أوصله إلى شارع سميح القاسم في مدينة الطيبة. أسعدني هذا الحديث لأنه قبل خمسة عشر عامًا باشرنا بمشروع تسمية شوارع بلداتنا، لم يكن الهدف الوحيد أبدًا هو أن يشكّل اسم الشارع دليلا على الموقع، بقدر الدلالة الوطنية والوحدوية والثقافية للإسم. ومن القرارات المركزية التي اتخذناها أن تُطلق أسماء أيضًا لرموز من عائلات مسيحية، درزية ومسلمة في القرى والمدن ذات الطابع الأحاديّ الدين، كي نساهم ثقافيًا ورمزيًا بعملية مواصلة بناء الشعب. وأذكر أن طيّب الذكر د. زهير طيبي قد استشارني فوضعنا أسميْ سميح القاسم وخليل السكاكيني في الطيبة في المثلث كنموذج. وكجزء من هذه الرؤية شوارعنا عامرة منذ عقد من الزمان بأسماء: يوم الأرض، توفيق زيّاد، سميح القاسم، محمود درويش، جمال عبد الناصر، فدوى طوقان، المطران حجّار، سلطان باشا الأطرش، إبراهيم طوقان، ناجي العلي، أسماء القرى المهجّرة وغيرها في انتماء عربي وفلسطيني داخل دولة إسرائيل، ناهيك عن الأسماء الدينية والتراثية لشعبنا. 

أورد المثال أعلاه للتأكيد على أن هذه المشاريع قد تبدو بدايةً صعبة أو رومانسية، ولكن بوضوح الرؤية والعمل الجماعي المنهجي تتحقق خلال بضع سنين لا أكثر.

إن قضيتنا سياسية بجوهرها، ولكنّها ثقافية أيضًا، وقد انتبهت لما قاله إميل حبيبي في إحدى مقابلاته الصحفية من أنه حتى قبل إسرائيل فرض علينا الإنجليز والحركة الصهيونية تحديا ثقافيًا وحضاريًا، وليس سياسيًا وحسب.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين